قصيدة العباسة للشاعر محمود حسن

“2”جعفر

عَفوًا يا عبّاسة ما كُنتُ لأَجرُؤَ  أنْ أمنعَ حِضنَكِ عن حِضْني، وشِفاهَكِ عَن شَفَتِي

أنْ تَحرِقَني النّارُ بِتِلكَ اللّيلةْ ونَبيذُكِ  طَاغٍ مُنْتَبِهٌ ويمَامُكِ  حَطَّ على مملكَتي يَنْقُرُ في صَدري، يلتقطُ الحَبَّ مِن الغاباتِ ويمرحُ في الرِّئَةِ

غَيّبْتُكِ صَاحِيةً وصَحوْتُ غِيَابًا ما كانَ بإمْكاني أنْ أمنعَ مَاءً يَنْسابُ إِلَى قافِيَتي

لو أنّكِ جِئْتِ إلَى المِحْرابِ بِوَقْتِ صَلاتي مُنْفردًا

كُنتُ أثِمتُ حَلالًا.. ما أَلْقَيْتُ البَالَ إِلَى العِظَةِ!

***

٣

ما أروعَ أن يَلْقَمَ ثَديكِ يا أُمُّ رَضِيعانِ

والضِّحْكَةُ تملأُ عَيْنيكِ إذا جَارَ الطّفْلُ عَلَى الثّاني

لَكِنْ..إِنْ شَبَّ  الرَّجُلانِ

وارتكبَ الأوّلُ مَعْصيةَ الذّبحِ الأُولى

جَاءَ غُرابُ الأرضِ كطَاووسٍ لِيُعَلِّمَ

هَارونَ طُقُوسَ الدَّفْنِ ويَفْقَأَ عَيْنَ الإنْسَانِ

وظللتُ أُردِّدُ، والسّكّينُ السَّاخِنُ في عنقي:إِنْ تَبْسُطْ يَدَكَ الآنَ إليَّ لِتَذْبحَني

يَمْنعْني أَنْ أَسْفِكَ دَمِّي مِنْ قَلْبك ثَدْيَانِ

في كُلّ زَمانٍ  عَرَبٌ  بَائِدةٌ، عَربٌ مُسْتعْرِبَةٌ ، عَرَبٌ عَاربَةٌ، رُومٌ، فُرْسٌ، وهُنودٌ حُمرٌ، وفَراعِنةٌ،

هِكسُوسٌ، وتتارٌ، عربٌ ويَماني

أَدْيَانٌ شَتّى، ومذَاهِبُ تَعْبُدُ أَصْنامًا زُلْفَى، والقاتِلُ شَيْخَانِ!

المشْهَدُ يا هَارُونُ الآنَ، وبَعْدَ دُخُولِ السّيفِ إلى غِمدِهْ..رَجلٌ مَلَكَ الدُّنيا وأَخُوهُ ذَبيحٌ بَيْنَ يَدَيْهِ

والشّعبُ الأعزَلُ.. شَعْبانِ

ومَلابسُ سُودٌ وامرأَتَانِ!

***

٤العبّاسة

ذَاتَ صَباحٍ جَرحَتْ كَفِّي؛ حِينَ لَقَطْتُ الوردةَ شوْكةْ..

وصَرَخْتُ بأَعْلَى صَوْتِ الطِّفْلةِ حَتَّى لَكَأَنَّ الأرضَ انْفَتَحتْ،كَيْ يخرجَ جَعْفرُ طِفلًا مُرْتَبِكًا..ويَشُدَّ الشَّوكةَ مِن كَفِّي، وبِفَمِهِ، حتَّى شَكَّتْ فَكَّهْ

بَلْ رَاحَ يُمَزِّقُ ثَوْبَهْ..لِيُضَمِّدَ جُرحِي، ودِماءً لم تَتَشَكَّلْ أُنثى بَعْدُ ، وإنْ يتشكَّلْ قَلْبٌ مَلَكَهْ

ما ذَنْبُ الطِّفلةِ إِنْ كَبِرَتْ، يا هَارُونُ بأرضٍ ، وبراحٍ ، ما بَرِحَتْ فَلَكَهْ ؟

ما ذَنْبُ الطفلةِ إن يَخْفِقْ أخضرُها لمّا يُقْبِلْ جَعْفرُ، أو إنْ تَتَفَلَّتْ ضَحِكَةْ ؟!

جَعْفرُ ضَمَّدَ جُرْحي، من عشرةِ أعوامٍ ، يابنَ أبي، مَنْ أجرَى دَمَهُ الآنَ، وفَوْقَ بلاطِكَ، باللهِ عليكَ، ومَن سَفَكَهْ؟

هَلْ نازعْتُكَ سُلْطَانكَ يومًا؟ وأنا امرأةٌ عربيّةْ خَرجَتْ مِنْ وَأْدِ الحُفْرةِ مَوْءُودَةْ..مَنْ ذاكَ يُنازِعُ هَارونًا مُلْكَه ؟

تَفْجَعُني يابْنَ أَبي وبِأَحْشائي مَنْ يَبكي يُتْمَ أَبِيهِ جَنِينًا يَا خَالَهْ ؟!أنتَ أَبي مِنْ بَعْدِ أَبي..كَيْفَ تُفجِّرُ يا أَبَتِ في قَلْبِ ابنتِكَ العبّاسة بُركانًا دَكَّهْ ؟

كُنتَ الحَرَمَ، القِبْلَةَ، يا عَبَّاسِيُّ..وكُنتُ المحْسُودَةَ، والمولُودَةَ في فَمِها مِلْعَقةٌ ذَهَبٌ، والرّيحانَةَ، والوَرْقاءَ اللّاتَفْزعُ والـ مَكَّةْ

صِرْتُ الآنَ البَائِسَةَ الأَشْهَرَ، والمكْلُومَةَ، والمصْدُومَةَ، والمدْهُوشَةَ والمرْتَبِكَةْ!

هل دَمُنا العَرَبيُّ هُوَ العَسْجَدُ، مِن فَوقِ سماواتِ اللهِ تنَـزَّلَ، فامتازَ دَمٌ، وانحطَّ دَمٌ، وانْسَالَ دَمٌ في حِجْرِكَ حِينَ غَضِبْتَ، وشَقَّ طَرِيقًا خَاضَ بهِ مَنْ سَلَكَهْ ؟

أَشْعَلْتَ النَّارَ بِجُرنِ القَمْحِ، وبالحقلِ، وأَتْلَفْتَ بُيُوتَ الفلَّاحينَ وعُمَّالَ التَّرْحيلةْ

وقَتَلْتَ الأَشْجَارَ بِقَرْيَتِنا، وذَبَحْتَ القَيْلُولَةْ

وشَرِبْتَ بحارًا مَالحةً، ونزَحْتَ محيطًا لُجِّيًّا كَيْ تَقْتُلَ في لحظَةِ حُمْقٍ سَمَكَةْ!

وقَلَبْتَ الميزَانَ الأزَلِيّ

لَوْ كَانتْ مَريمُ تُرْمَى في دَوْلتِكُمْ  بخَطِيئَةْ

فالشّعبُ المُؤمنُ قدْ نَصّبَ مُؤتَفِكَةْ

***

٥يحيى

يَقْظَانًا ويَنامُ عَلَى حِجْرِكَ تِلْميذُكَ يا يحيى مُنذُ نُعومةِ أَظْفَاركَ يا هَارُونُ، وَزِيرُ القَصْرِ يُدرِّبُ سَبَّابةَ كَفِّكَ والإبهامَ عَلَى إمْسَاكِ الرِّيشَةْ

وهُناكَ عَلَى الطَّرفِ الآخرِ يا يحيى طِفْلٌ مِنْ صُلْبِكَ، تحْمِلُهُ جَارِيَةٌ ، ويَظُنُّكَ يا أَبَهُ  … تَتَعَمَّدُ تَهْمِيشَهْ

حِينَ تَبِيعُ لِغيركَ عُمْرَكَ، وَقْتًا كَانَ لأطْفالِكَ حَقٌّ فيهِ ، ولَهْوكْ

يَنْساكَ صَدِيقُكَ، والشِّطْرَنجُ، ونَرْدُ الصُّحْبَةِ، والشُّعراءُ، وأَنْسَامُ اللّيلِ ، ونَفْسُكْ

يَمْنَعُكَ الوقتُ الظَّالمُ أنْ تُحْمَلَ للمَشْفى، حِينَ يَكَلُّكَ كُلُّكْ

ويُباغِتُكَ الوَقْتُ المسروقُ كَرَاهيةً فإذا أنتَ مع الخمسينَ عَجُوزٌ مَحْنِيٌّ ظَهْرُكْ

فاعلمْ أنَّ الشَّعْرَ الأبيضَ في رأسِكَ عِيدَانٌ تَرْفعُ هذا التلميذَ، وتَبْني مِنْ دَمِكَ المغْدُورِ عُرُوشَهْ

تَقْتَلِعُ الرِّمْشَ الطَّالعَ في عينَيْكَ لِتُكْمِلَ في عَيْنَيهِ رُموشَهْ

أَنَّ عِظَامكَ حتّى إِنْ كَانَتْ نَخِراتٍ بَاليَةً، سَيَمرُّ عليها الخيلُ الملَكِيّ..كَيْ تَحمِلَ يا عَبدَ اللهِ جُيوشَهْ

سَامِحْ والدَكَ المتَورِّطَ يا جعفَرُ

لا ..لا..لا..لا

بَلْ سَامحْ نَفْسكَ يا يحيى، كَمْ كُنتُ أُنادِيكَ لِتحْذَرَ  مُفْتِيهِ ودَرْويشَهْ

أَخْطأْتَ خَطِيئَةَ عُمْرِكَ يا يحيى حِينَ بَنَيْتَ دِفَاعَكَ كُلَّهْ مُعْتَقِدًا أنَّ الكُرباجَ سَيُغْضِبُ في وَطنِ الأَمْواتِ حَرَافِيشَهْ!

لمْ يَمْنَعْكَ المَنْصِبُ والجاهُ الممْنُونُ عليكَ ورِجالُكَ.. أينَ رِجالُكَ؟ فَرُّوا مِنْكَ إِليكَ، ومُسَوَّمَةُ الخيلِ حَواليكَ

ما كُنتَ بميزانِ الملْكِ سِوى رِيشَهْ

ما كُنتَ سِوى قِنٍّ يُلْبِسُ هَارونَ حِذاءَ الملْكِ وطَرْبوشَهْ

يَبْدو أنَّكِ يا فاطِمةُ المكْلومَةْ أَعْطَيْتِ لجعفرَ لبنًا شَهْدًا مِن فَرْثٍ ودَمٍ،وبَذَلْتِ لهارونٍ مَغْشُوشَهْ!

ما أَقْبحَ أَنْ يُصبِحَ لَـثْمُ القَدَمِ الملَكِيّةِ أَفْيُونَ الشَّعبِ المتغَيِّبِ قَسْرًا وحَشِيشَهْ!

***

٦زُبَيْدَة

آهٍ مِن عِطْرِكَ يا هَارونُ، ومِن عينَيْكَ الماكِرَتَيْنِ، الحَانِيتَيْنِ عَلَى قَلْبِ زُبيْدَةْ !

عَيْناكَ.. وما عَيْناكَ سِوى بحرٍ لَيْسَ لَهُ شَطُّ

الآنَ زُبيدَةُ في قَصْرِكَ سَيِّدَةٌ ومَلِيكَةْ

صَارَتْ حُلمَ نِساءِ الأرضِ المُمْتدَّةِ مِنْ هذا البحرِ الشَّرْقِيِّ إلى الغَربِيّ

صَارتْ شِعرًا عَبَّاسِيًّا يُرْوَى بِعَطاءٍ لا يخشى الفَاقةْ

الآنَ يَعِزُّ الشُّعراءُ فلا ثمَّةَ مُنْحَطُّ

الشِّعْرُ الآنَ سيجلسُ في قَاعاتِ المُلْكِ ويَصنَعُ مَدرسةً ومدارِسَ إذْ يَتَزاوجُ بالرَّهْطِ الأَقْدمِ رَهْطُ

ويَداكَ إذا مَرّتْ في شَعْرِ زُبَيْدةَ يا هَارُونُ يَغَارُ الزَّيْتُ الملَكِيُّ.. يَغَارُ المُشْطُ

حِينَ تُقَبِّلُ جِيدِي يابْنَ العَمِّ وصِنْوَ الرُّوحِ وعِطْرًا لم يَتَخَلَّقْ إلَّا لي..تَدْنُو فَيَتِيهُ بِأُذْنَيَّ القُرْطُ!

قُلْ لي كَيْفَ يَكُونُ الحاكِمُ رُخًّا جَبَّارًا في مجلسِ حُكْمِهْ، ويَكُونُ بحِضْنِ زُبيْدةَ طِفْلًا يتَعَثَّرُ لمّا يخْطُو؟

أَدْوارٌ كُثْرٌ تَلْعبُها في مسْرَحِنا، وتُجيدُ اللُّعْبةَ في بِضْعِ ثوانٍ عَجبًا كيفَ تَجاوَرَ هذا الصوتُ العاشقُ والسَّوْطُ

لِلْحُكْمِ أَمَاراتٌ وبِشاراتٌ شَتَّى مِنْ بَيْتِ المُلْكِ العَبَّاسِيِّ ، ومِنْ فَوْقِ الخَيْلِ وبَيْنَ غُبارِ سَنابِكِهَا ،يَنْطِقُ هذا المشهَدُ أنَّكَ يا هَارونُ فَتًى.. سَادَ القومَ الشِّيبَ وأنتَ الأمْرَدُ والمُنْضَبطُ

أَشْهدُ أنَّ فِراشي لمْ يتَدفَّأْ يَوْمًا عِندَ شِتاءِ الدَّولةِ إلَّا بَعْدَ تَهَجُّدِ ليلٍ مائةً حتَّى يَتَبَيَّنَ عِنْدَ الفَجْرِ الخَيْطُ

أَشْهدُ أنَّ شِمالكَ لم تَعْلَمْ يَوْمًا ما أَنْفَقَت اليُمْنَى، تَشْهَدُ كُلُّ أَرَاملِ قَرْيتِنَا ، وقواعِدُها ، ويَتيمُ الأمِّ الثَّكْلى، والثَّكْلَى ، أنَّكَ يا هَارُونُ المَلِكُ القِسْطُ

لَكِنْ.. يَعْبَثُ في تَاريخِ الأُمَّةِ مَنْ يَعْبَثُ، يَنْدَسُّ الحِبْرُ الأسْوَدُ في القِرْطَاسِ الأبيضِ، والتّاريخُ الأَسْودُ في التّاريخِ الأبيضِ، وتُباعُ الذِّمَّةُ، والتّوْقيعُ يُزَوَّرُ والخَطُّ

بَغْدادُ يُبَاعُ التّاريخُ بها سُومَارِيًّا، آَكادِيًّا، عَبَّاسِيًّا، وحَضَارةُ بَابِلَ والآشُوريَّةِ، والماءُ بِدِجْلةَ، والنِّفْطُ

ويُهَجَّنُ عِرْقٌ عَرَبيٌّ والسِّبْطُ

لابُدّ وأنْ يَلْعَبَ فَأْرُ التّاريخِ إذا غَابَ القطُّ

***

“7” الجَارِيةُ بُرَّة

خَلْفَ السُّورِ العَالي تتَجَلَّى الأَشْيَاءْ

أَحْداثٌ مُرْبِكَةٌ، كَذِبٌ يَصْدُقُ صِدْقَ رياءْ

أَسْرارُ الحُكْمِ، وعَوْراتُ الأُمرَاءْ

لَوْ يَدْرِي الشَّعْبُ المحبُوسُ بِجُبِّ الدَّولَةْ، والمُتسَابِقُ في القَيْدِ طليقاً؛ لا تَتعَدَّى سُرعَتُهُ حَجْلَهْ

لَوْ يَعْلَمُ ما نَعْلَمهُ نحنُ عَبيدًا وإمَاءْ

لانْطَفَأَتْ في عَينَيْهِ الهَالةُ والهَيْبَةْ، وتَشَابَهَ ديباجُ الوالي واليَاقاتُ الزَّرقاءْ!

كانَ تَقَدَّمَ للسّاقيةِ العَاقرِ ـ في ثِقَةٍ ـ يَرْوي جَدْبَهْ

ما كَانَ الوَالي اسْتأثَرَ بالنيلِ ودِجْلَةَ، أو كَانَ اسْتَحْوَذَ دُونَ رَعِيَّتِهِ خصْبَهْ

لَكِنْ..حِينَ تَآكلَ حَبْلُ الشّعْبِ السُرِّي

ما كَانَ لَدَى يُوسُفَ إلّا أَنْ يَسْتَلْطِفَ جُبَّهْ !

في القَصْرِ خمورٌ، ونِساءٌ عَارِيةٌ، وفُجورٌ، وغِناءْ

وسُجُودٌ، وقِيَامٌ، وصِيَامٌ، وقِراءةُ قُرْآنٍ، وبُكَاءْ

في القَصْرِ العِزَّةُ..والذِّلَّةْ

ومَلابِسُ مُتَّسِخاتٌ، وأَناقَةُ حُلَّةْ

في القَصْرِ شَيَاطِينٌ، رُسلٌ، وَمَلائكةُ خُبثَاءْ

لَوْ أنَّكَ يا هَارونُ ابنَ المهْدِيّ لم تَفْتِنْ عَقْلكَ جَارِيةٌ مِنْ كِسْرى، ولَدَيْكَ زُبيدَةُ، ما سَالَتْ في القَصْرِ دِماءْ

لَوْ أنَّكَ يا جَعْفرُ لم تَفْتِنْكَ امرأةٌ مِن سَاداتٍ عربِيَّةْ

لَوْ أنَّ العبّاسة ظَلَّتْ عَذْرَاءْ

ما انْهَدّ السّدُّ ولا كَفَرتْ بلْقِيسُ ولا ذُبِحَتْ صَنْعَاءْ

“8”عَصْماء

في رِحلةِ صَيْدٍ بَريَّةْ..بينَ المأساةِ ومَلْهاتِكْ

وأَنَا أبتَكِرُ الفَّخَّارَ عرائِسَ ناطِقَةً بينَ يَدَيّ

والطِّينُ البِكْرُ على ثَوْبي، يتَوَضَّأُ مُشْتَبِكًا بِضَفائِرِ شَعْري، كالحِنَّاءِ الهِنْدِيّ

هذا إبريقُ الماءِ، وهَذِي الجَرَّةُ، والمبْخَرُ، والمِزْرابُ، وحَصَّالةُ مَصْرُوفِ الأَوْلادِ، وتَنُّورُ الخُبْزِ البَلَدِيّ

قِدْرٌ  لِطعامِ الفقراءِ إذا نَضِجتْ أطْيَابُهْ يَتَسَابقْ مِسكِينٌ وثَرِيّ

بَيْني والطِّينِ حكاياتٌ شَتَّى، وأَغَانٍ، وتُراثٌ، وحَدِيثٌ لَيْلِيّ

صَدِّقْني يا هَارونُ إذا أخْبَرْتُكَ يَوْمًا:

أنَّي أنْفُخُ في الطِّينِ ـ بإذن اللهِ ـ كَمَا ينْفُخُ فيه نَبِيّ !!

كَانَ لنا قصْرٌ من طِينٍ، وحَدَائقُ كُبْرى وبَراحٌ مُمْتَدٌّ، وهَوَاءٌ لم يتَلَوَّثْ بمؤامرةِ الحاضرِ والبَدَوِيّ

كُنَّا أَصْحابَ الدّوْلةِ في دَوْلَتِنا، ولَنَا في كُلِّ بِقاعِ الأرضِ وَزيرٌ أوْ عامِلْ..ما أعظمَ بيتَ الفخَّارِ، نَقَاءَ الأرضِ الحُبْلَى بالمطرِ النّازلِ مِن جنَّاتٍ يملِكُ مِفْتاحَ سَحابَتِها رِيحٌ رَبَّانِيّ !

جِئْتَ إِلَيْنا بَيْنَ جُنُودِكَ؛ فَامْتلأَ الأُفْقُ غُبارًا،

دكَّتْ أرضَ الفَخَّارِ سَنابِكُ خَيْلِكَ والفُرْسانِ

وطَلَبْتَ الماءَ اسْتَمطَرْناهُ

ما كانَ لِيَعْنِينا هذا الموكبُ والجاهُ

عارٌ يلْزَمُنا دَهْرًاإِنْ حُجِبَ الماءُ عَن الظَّمْآنِ

لكِنْ عَيْناكَ تَوجَّهَتَا تِلْقاءَ عُيُوني، زَلْزَلتا عَقْلَ العَصْماءِ ، تَوَغَّلَتا بينَ الشُّطآنِ

أَقْلَقَتا قَلْبًا لم يَنْبِضْ يَوْمًا، أخْرَجتا أُنْثَايَ المخْبُوءةَ في بِضْعِ ثَوانِ

وَتَحَسَّسْتُ الشَّعْرَ المُهْمَلَ والمُنْسابَ على كَتِفي، ونَظَرْتُ لِعَيْنَيَّ .. و جَرَّةُ مائي مِرْآةٌ لا تَكذِبْ

أَتَأَمَّلُ هذا الوَجْهَ الأُنْثَى؛ فَيُحَدِّثُنِي المَرْمَرُ والنَّهْدانِ

واللهِ لَقدْ كُنْتُ نَسِيتُ أُنُوثةَ عَصْماءٍ، يا بَاعِثَ عَصْماءٍ مِنْ جُبِّ النِّسْيانِ

أَشْهَدُ أنْ ما ارْتَفَعَتْ مِن هَارونٍ في وَجْهِي يَدُهُ

يَشْهَدُ ذِمِّيٌّ ما هَدَّتْ دَولةُ هارونٍ مَعْبَدَهُ

بِئْرٌ عُثْمانِيُّ السُّقْيا، وطَريقٌ عَبَّدَهُ

وأُرَدِّدُ ما قَالَتهُ زُبَيْدةُ: إنَّ جَناحِي مَسْجِدَهُ

ما جِئْتُ الآنَ لِأَكْشِفَ تَاريخًا كَذَّابًا، أو أفْضَحَ سَيِّدَهُ

جِئْتُ وفي جَنْبَيَّ السِّكِّينُ المَلَكِيّ

ما إنْ عَلِمُوا أنَّ جَنينًا في أَحْشَائي حتَّى انْطَلقَ الغَضَبُ الحَاقِدُ والدَّمَوِيّ

كَسَروا الفَّخّارَ على رأْسي، ذَبَحوا أَشْيائي بَينَ يَدَيّ

نحنُ الإخوةُ والأصهارُ، وأصحابُ الدِّينِ الواحدِ والحرفِ الأَزَلِيّ

لكِنْ.. إنْ ظَهَرتْ ثَمَّةَ أطْماعٌ في الكُرْسِيّ

يَشْنُقْنا الشّيْخُ المُفتِي، والجِنِرالُ القائدُ، والشّعبُ المُتَسَلْسِلُ

في الميْدانِ الكَاذِبِ، والعِرْقُ النَّافرُ…والدُّولارُ العَرَبِيّ.

“9”الخَيْزُران

نَعْشٌ ومَلابِسُ سُودٌ،وخُدودٌ يَلْطِمُها نَدَمٌ مَلَكِيٌّ عَاقِرْ

فأنَا الثَّكْلى..والرَّجلُ النّائمُ فَصٌّ مِنْ كَبِدِي

مِنْ أجْلِ الدَّولةِ، والهيبةِ، والسُّلطانِ، وكُرسِيِّ الحُكْمِ العَبَّاسِيّ..ضَيَّعْتُكَ  يا وَلَدِي

الدَّولةُ يا هَادِي ….. الدَّوْلةْ

الدَّولةُ ميراثُ الآباءِ، عِمادُ الأُمَّةْ

والبَيْعَةُ إنْ نُقِضَتْ، سَيَدُوسُ الشَّعبُ بلاطَكَ هذا بِحِذائِهْ..ويُنَادي: إنَّ الوقتَ لوقتُ جهادٍ حتَّى يَتَخَيَّلَ كافِرُهم أنَّ الوَحْيَ تَنَزَّلَ في قَلْبِهْ، بَلْ وَيُشيرُ لِخادِمِهِ حتَّى يَأْتِيَهُ بِقَصْوائِهْ !

تَنْدَلِعُ الفِتْنَةُ في كُلِّ بِقاعِ الأرضِ الممْتدَّةْ

تقتلُ نَفْسكَ يا مُهْلِكَ أبنائِهْ

بَينَ وُقُوعِ الفَوْضى وكتابِ البَيْعةِ شَعْرَةْ

لا يُدْركُ قاطِعُها مَأوًى لِعَشيرَتهِ أوْ يأْمَنُ مُلتَجَأَهْ

مَنْ يَعبثُ في البَيْعَةِ يَعبثُ في الجِلبابِ السَّاتِرِ، يَفضحُ عَوْراتٍ مُخْتَبِئةْ

ويثورُ الشّعبُ المَيِّتُ مِن مائتَيْ عامٍ، والجُنْدُ المتَخاذِلُ، والدَّبَّاباتُ الصَّدِئَةْ

لنْ يُطْلِقَ جُنْدُكَ نحوَ قُلوبِ الأعداءِ هُنالِكَ نِصْفَ رَصَاصةْ..لَكِنْ يغمِدُ في قَلبكَ سَيْفَهْ

يمتلِئُ الشارعُ بالبَصَّاصينَ السِّفْلَةِ

ولُصُوصِ  الثَّوراتِ المبْتُورةِ تَملأُ خمَّاراتِ اللّيلِ،

وتحتَ شِعارِ العَدلِ نِساءٌ  مُجْتَرِئةْ

الفَوْضَى جَيْشٌ جَرَّارٌ يَفْتِكُ بالنّاسِ وطَابُورٌ خَامِسْ

يَأْتِيكَ الموتُ ولا تَدْري مَن يُنْهِيهِ، ومَن بدَأهْ

يَنْقسِمُ البيتُ بُيوتاتٍ مُختلفاتٍ، وقُلوبًا مُتخاصمةً مُهْترِئَةْ..وتَظُنُّ القِطَّةَ ـ مِن ذُعْرٍ ـ لَبُؤَةْ !

ما كُنتُ لأحتمِلَ الطُّوفانَ القادمَ يا وَلدِي، كيْ يجلسَ جَعْفَرُكَ ـ الطِّفلُ ـ على عَرشِ المنصُور ” أبو جعفرْ “

لَن أَحْرقَ دولتَنَا كَيْ يَكْبُرْ

الخَيْزورانُ تميلُ إذا الرِّيحُ اشْتَدَّتْ لكِنْ لا يمكِنُ أنْ تُكْسَرْ

لَسْتُ كَكُلِّ نِساءِ الدُّنيا، فأنا سَيْفٌ يَتَسَلَّطُ نحوَ رقابِ النّاسِ فَيَقطَعُ رغمَ الإيحاءِ الأخضَرْ

إِنْ نزلَ العَامَّةُ للشّارعِ يا وَلَدي، سَتُباحُ حُدُودُكَ قَسْرًا، وتَميلُ المِئذَنةُ الكُبْرى، ويُدَكُّ المِنْبَرْ

وتَرى مَنْ نَافقَ عَرْشكَ يُصْدِرُ مَانشِيتَّ صَحيفتِهِ بالخطِّ المُتَضَخِّمِ والأَحمرْ: سَقطَ الطَّاغيةُ الأكبرْ

وَتُطِلُّ لِحًى كَاذِبةٌ مُنْتِنَةٌ، وحَديثٌ مَوْضُوعٌ، والتّأْويلُ المُتَأَخِّرْ

وجماعاتٌ تقفزُ للمشْهدِ حتَّى لكأَّنَ الأُمَّةَ لُعْبَتُهمْ، ويُسافرُ في قلبِ الأُمَّةِ خِنْجَرْ

بِيَدِي بِيَدِي أقْتُلُكَ الآنَ وأعلمُ أنَّ زمانًا يأتي، تَتَكَسَّرُ فيه الدولةُ والهيبةْ

يَتَخَضَّبُ بابُ الهيكلِ، تَبْكي الصُّورةُ والعذراءُ، وقلبُ يسوعٍ يَتَفَجَّرْ

ينفرطُ العِقْدُ ويُسْتَلَبُ المَتْجَرْ

ويَقُومُ الولدُ الأمْردُ بينَ الناسِ حديثُ الأسنانِ خطيبًا

لِيُسَفِّهَ رأيَ النُّعْمَانِ، يَرُدَّ القَاضي، ويُكَفِّرَ شَيْخَ الأزْهَرْ

ويْحَكِ يا أمَّ الخُلفاءْ! لمْ تُجْرمْ جاريةٌ في قصرِكِ جُرْمَكْ

ما شأنُ امرأةٍ بشؤونِ الحُكْمِ ودائرةِ السُّلْطَةْ؟

السُّلطَةُ مَقْتَلةٌ، وقطيعةُ أرحامٍ ودِماءْ

السُّلْطةُ لا تَعْبدُ ربًّا..كافِرةُ الإغراءْ

تَصْعدُ مِنْبَرَها لِتَؤُمَّ الناسَ بغيرِ وُضُوءٍ واستِنْجاءْ

عُدْ لي يا ولدي طِفْلًا في أحْشَائي وتَعَالَ إلى ثَدْيَيْ أمِّكَ سَيِّدةً ريفِيَّةْ..لا امرأةً ـ مِثلَ الحيَّةِ ـ رَقطاءْ

تَحلِبُ عَنْزَتها وَتُعِدُّ الشَّايَ على “الرَّكيةِ” في جَوْفِ الحقلِ الدَّافئِ كُلَّ مَسَاءْ

تخْبِزُ أرغفةَ الحُبِّ فلا جَاريةٌ وإماءْ

وتنامُ لتَحْلُمَ أنْ يَتَحوَّلَ بيتُ المُلْكِ إِلى بيتٍ مِنْ طِينٍ

يَصْنعهُ الفُقرَاءْ

لُعِنَ الملْكُ .. ألاعيبُ السَّاسةِ والأُمراءْ

كيفَ تحوَّلَ يا ولدي دَمُكَ الطَّاهِرُ ـ في عَيْنَيْ أمِّكَ ـ ماءْ؟!

مَلعونٌ هذا الكُرْسِيُّ القاتل، مَلعونٌ قلبُ امرأةٍ مِثْلي

مَلْعُونٌ تاريخٌ دَموِيٌّ يأكلُ أَكْبادَ الأبناءْ

***

١٠أبو إسحاقالشاعر أبو العتاهية

في ليلةِ حُزْنٍ عَبَّاسيةْ

بَقِيَتْ في جِيدِ التَّاريخِ وذاكرةِ الدَّولةْ

وأبو إسحاقَ يَهِيمُ بصحراءِ المنْفَى

ليسَ لهُ مِن صاحبِ وُدٍّ إلّا ظِلَّهْ

لمْ يَنْـزِلْ شِعْبًا أوْ حَلَّ بوادٍ، إلّا بَكَّاءً يَسْتَعْطِفُ أَهْلَهْ

مَجِلتْ كَفَّاهُ وهَرَّأَ شوكُ التِّيهِ عِظامَ الرُّكْبَةِ، جَرَّحَ رِجْلَهْ

صارَ نَبِيًّا، وابْيَضّتْ عيناهُ وقدْ أخذتْ عُتْبَةُ عَقْلَهْ

هَمَسَ الشاعرُ في أذُني: ما أصعبَ أنْ تعشقَ جاريةً

ـ ما أصعبَ أن تعشقَ جاريةٌ

ـ هلْ تعشقُ جاريةٌ؟؟!

ـ تَعْشقُ إنْ سمحَ السيِّدُ بالعشقِ

ـ هلْ يَسْمحُ إلّا لَهْ ؟!

أنْ يأْكُلَ ثَدْيَيْها كُلّ صباحٍ ومَساءْ

أنْ يجعَلها أُنثى أينَ وحينَ يَشَاءْ

هلْ يعشَقُ قلبُ امرأةٍ في الرِّقِّ ؟

القلبُ الشَّاعرُ مَسْكُونٌ بالعشقِ

مُشكلةُ التَّاريخِ الماضي والحاضرِ

جاريةٌ يملِكُها نخَّاسٌ بعدَ الحربِ الأقدسِ والقَذِرَةْ

حِينَ تقدَّسَ عِرقٌ بشرِيٌّ عَنْ عِرْقِ

كُلُّ حُروبِ الدُّنيا دَاعِرةٌ، إنْ قامَ وليٌّ، أو مَلِكٌ جَبَّارٌ طَبَقِي

الحربُ صَنيعةُ مُنْحرفٍ، أو تِلميذٍ فَاشلْ

أو رَجُلٍ تَملِكُهُ عُقْدةُ أُوديبٍ، أو لُوطيٍّ شَبِقِ

الحربُ جهادٌ إنْ دَفعتْ، لكِنْ إنْ تَطلُبْ فقراصِنَةُ المُرْتَزِقِ

مِنْ عَجبٍ أنْ يَبعثَ ربُّكَ يحيى مِنْ صُلبِ نَبِيّ

طُهْرًا مِن طُهْرٍ ووليًّا مِنْ ظَهْرِ وليّ

فيعودُ الرَّأْسُ على طَسْتِ بَغِيّ !

يعبثُ دِكتاتورٌ في رأسِ حُسَينٍ وعَلِيّ !

رأسُكَ يا يحيى مَهرُ امرأةٍ عاهرةٍ في التَّاريخِ النَّزِقِ !!

أمّا الرأسُ البشريُّ فَعَهدٌ بِمواثيقَ، عُهُودٍ ، أشراطٍ .. وقِلاداتٍ في العُنُقِ

لا يحيا آدمُ في الوطنِ الورقِ

إذْ لا يَبقى حَمْلٌ فَرْكَةَ مِغْزَلْ في الرَّحِمِ القَلِقِ

ـ أُفٍّ يا رَجُلًا ..عَفْوًا يا أُستاذُ، ألا دَعْكَ الآنَ وحَدِّثْني عن زُهدِكْ

  *  زُهدي ؟!

لا يمكنُ أن يزهدَ شِعرٌ يا ولدي أو شاعرْ

الشعرُ هو الثورةُ، والفعلُ الفاضحُ في الطُرُقاتِ العَامَّةِ، والصُّوفِيُّ الفاجِرْ

واللامنطقُ، والهذَيانُ، وزنديقٌ صاحبُ نَرْدٍ، أثَّامٌ ومُجاهِرْ

ومَقامٌ مُوسيقيٌّ، ونَشَازٌ إيقاعيٌّ سافِرْ

الشِّعرُ عَصا مُوسَى تَتَحَوَّلُ أفعى مُعجِزَةً، فيُصَفِّقُ مأْخُوذًا، لكِنْ لا يُؤْمِنُ، إنَّ الشِّعْرَ هُو الإيمانُ الكَافِرْ

وَيْحِي .. يا وَيْحِي

 ( أنا طَيَّانٌ لا أسمعْ..ولساني أخْرَسُ أقْطَعْ

أنا أَعْمى العَيْنَيْنِ أَيا عينْ

وأصمُّ الأُذْنينِ بلا أُذنْ، مَقْطُوعُ الشَّفَتَينْ،

لا أعرفُكُمْ أبدًا، أو جِئْتُمْ مِنْ أينْ

لَو نَطَقَ العالمُ أجمَعْ (أنا طيَّانٌ لا أسمعْ)([1])

ـ يا ربِّي!تاهَ أبو إسحاقٍ مِنِّي

ـ لا تفزَعْ يا ولدي لم أفقدْ عقلي،

لمْ يَمْسَسْني جِنٌّ بعدُ، ولا أشكو صرَعا

كَفُّ المُخْبِرِ؛ ماءُ النَّارِ تُذيبُ قفايَ ولدغَةُ أفْعى

إِنْ تَذْكُرْ تَسْلِيمَ السُّلْطةِ يَوْمًا، فبراغيثُ التَّخْشيبةِ فِئْرانٌ تَقضِمُ موضِعَ عِفَّتِكَ المذبوحَ على باب المِخْفَرِ، في جِلْدِكَ ثُعْبانًا تَسْعى

حِينَ تَكُونُ القَبْضَةُ ناريَّةْ، والإرهابُ عَمِيلٌ مُزْدَوجٌ، ويَظَلُّ البَصَّاصُ على عتباتِ البيتِ يُقامِرْ

لا يُمكِنُ أنْ يَكبُرَ شِعْرٌ يا وَلَدِي أوْ أنْ يبتَكِرَ الشَّاعِرْ

ما كانَ على الهادِي لوْ أَبْقى وُدَّ أبيهِ وعَطاءَهْ

يَكسرُ مِزمارَ الزَّمَّارِ وعُودَ العَوَّادِ، ويَجْلِدُ شاعِرَهُ

وَيَبُثُّ الرُّعْبَ، يُعَلِّقُ في بابِ زُوَيْلةَ قُرَّاءَهْ

إنْ يحلُمْ أحَدٌ في دَوْلتِهِ بِقَصِيدةْ

فليسْتُرْ عورَتَهُ وَيَشُدَّ غِطاءَهْ

عِدْني أنْ تَرْجُمَ دَيُّوثَ الشعرِ ولا تَأْخُذْكَ به رأفَةُ شاعِرْ، واحذرْ أنْ تَتَبَنَّى لُقَطاَءهْ

مِسْكينٌ مَنْ يستبدِلُ قُوتَ بَنيهِ بمحْبرةٍ ثَكْلى

والحرفُ الصَّامِتُ يَشْوِي أَمْعَاءهْ

وطنٌ لا يتَهَجَّى أَحْزانَ قَصِيدَتِه

يَغْرسُ سُنْبُلةً لا تصنعُ خُبزًا، ويُكرِّرُ أَخْطَاءهْ

***

“11” الوزير يَعقوب

أَلْقاني المهْدِيُّ بِقَعْرِ البِئْرِ المظْلِمِ بِضعة أعوامٍ

لا أعرِفُ كَمْ

يُلْقِي الحارسُ لي كُلَّ صَباحٍ أُنْسًا ورَغِيفَا

يُخْبِرُني إِنْ دخلَ الوقتُ صَلاةً

أَتَيَمَّمُ مِنْ حَائطِ بِئْرِي وأُصَلِّي

أُمنيتي الكُبرَى كانتْ أن يُؤْنِسَي الرِّيحُ حَفِيفَا

أَنْ أَسْمعَ صَوْتًا إنسانيًّا آخَرَ

أنْ أتَبيَّنَ لَيْلِي ونَهارِي ويمُرَّ هَواءٌ في رِئَتيَّ نَظِيفَا

لم أتَنَفَّسْ غيرَ هواءِ البِئْرِ العَطِنَةْ

مُنِعَتْ عنِّي أخبارُ بُنَيَّاتي وامرَأَتي

لمْ أقضِ الحاجةَ ـ كالإنسانِ ـ طَبيعِيًّا

يا كمْ خُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفَا !

لمْ تكفِ المهديَّ إقامَتِيَ الجَبْريَّةُ

أَوْدعَنِي هذا السِّجْنَ كأنّي قاتلُ أمِّهْ !

صارَ مُجرَّدُ حُلمي بالحريَّةِ لَغْوًا أوْ تَخْريفَا

كُنتُ وزيرًا مِثْلكَ يا جعفرُ، كُنتُ النَّاصحَ لم أكذِبْ

ما قلَّدْتُ الخَاتمَ والتوقيعَ، ولا مارَسْتُ التَّحريفَا

دَولتُنا في كُلّ التاريخِ الغابرِ والقادمِ دَوْلةُ ظُلمٍ

إقطاعيَّةُ ظالمْ

صارَ اللامنطقُ منطقَ، والسُّخْطُ رَديفَا

والسبعُة أعوامٍ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ سَبعةْ

إنْ ظلمَ الحاكمُ في شعبٍ مُرْتَجِفٍ، حلَّ القَحْطُ وصارتْ كلُّ دراهمِ دولتِهِ مَعْطُوباتٍ وزُيوفَا

هل تَتَخَيَّلُ إنسانًا بشرًا في بِضعةِ أعوامٍ

لم يلبَسْ إلا الثّوبَ الواحدَ والسِّروالَ الواحدَ،

وبِدُونِ حِذاءْ ؟

أتألَّمُ وحدي مِن وَجَعِ البَطْنِ .. صُداعٍ نِصْفيٍّ قَاتِلْ

أو مَغَصٍ كُلَوِيٍّ، تَتكَسّرُ أسناني في بِئْري،

تَنْفَجِرُ الزَّائدةُ الدُّوُديَّةُ في الأَحْشاءْ

مَصْلُوبًا ومُهانًا لا عُشْبَ ولا مَاءْ

لا غُسْلَ ولا اسْتِنْجاءْ

ومُمارسةُ الحُبِّ مع امرأتي

مُنِعَتْ حتّى في الحُلْمِ، فقدْ صُودِرَ حُلْمِي

مِفْتاحُ الأَحلامِ خِزانتُه في قَصْرِ الحاكمِ والأُمرَاءْ

سِجْنٌ، ذَبْحٌ، ظُلْمٌ، قَهْرٌ، تَلْفِيقٌ،

هِيَ أَسماءٌ مُتداوَلةٌ عَصْرِيّةْ

لكِنْ لمْ يتلقَّ آدمُ مِن ربِّ العزّة ـ أبدًا ـ تِلكَ الأَسْماءْ

لمْ يُنـْزِلها اللهُ بأرضٍ وسَماءْ

هذا زمنُ الغُولِ، وتاريخِ العنقاءْ،

والدُّستورِ العاجزِ، والقاضي المَفزوعِ، ومحكمةٍ عَرْجاءْ

لكِنْ للتّاريخِ ـ وللتّاريخِ فَقَطْ :

مَنْ أخرجني مِنْ جُبِّي هَارُون..

هُوَ مَنْ أَعْطى واعْتذرَا،

مَنْ مَزقَّ حُكْمَ القاضي الظالمِ، وانتصَرَا

مَنْ حاولَ تَصْحِيحَ الأَخْطَاءْ

لم يُوغِرْ صَدْركَ يا هَارُونُ سِوى الوُزراءِ الطّامحةِ.. الخُلَفاءْ

صَدِّقْني يا جَعْفرُ بئرٌ مُظلمةٌ مُنتننةٌ عِندي أفضلُ رَائحةً مِن كُرْسيٍّ يمنَحُهُ الإمَّعةُ الجاهلُ والعُمَلاءْ

كُرْسِيٍّ يَصْنَعُهُ الأفَّاكونَ ..ولا يحميهِ القانونُ، ولا تمنحُهُ الأُمَّةُ هَيْبَتَهُ.. كُرسِيٍّ يحميهِ السِّفْلَةُ واللُّقَطَاءْ

فَاحذرْ يا يحيى لَعْنَتَهُ

إنَّ الحجَّاجَ على عرشِ الدَّولةِ يفعلُ ما شاءْ

يتخيَّلُ أنْ يأتيَ بالشمسِ مِن المغربِ كُلّ صَباحٍ

أَنْ ليس لهُ شُركَاءْ

***

“12” هَارُون الرّشيد

ما زِلْتَ تُفَكِّرُ كالعَبْدِ الآبِقِ والحَاقِدْ

يَفْرح إنْ خَرِبَ القَصْرُ المَلَكِيّ، واندَكَّ على رأْسِهْ

تَحْكُمُكَ الغَيْرَةُ فِيمَا لم تُخْلَقْ مِنْ أجْلِهْ

وتُحاوِلُ أمرًا أكْبرَ مِنْكَ فَتَخْسَرْ

تَطْعَنُني في ظَهْري وتَدُسُّ السُمَّ بِنَهْدَي جَاريةٍ، والخِنْجرْ

أُعْطيكَ الدِّرهمَ تطلبْ دِينارًا

أُعطيكَ الضَّيْعةَ تجمعْ في قومِكَ أرضَ الدَّولةِ بُورًا

لا يَكْفِيكَ حَلالٌ مُثمِرْ

حتَّى إنْ وَزَّرْتُكَ، أَطْلَقْتُ يَدَيْكَ بدَوْلَتِنَا..تَلْمَعُ عيناكَ وتَطْمَعُ فيما هُوَ تَحتي كْرسيِّ المُلْكِ العبَّاسيّ

تَملأُ جدرانَ القصرِ جواسيسَ ومُرْتَزَقةْ

ويُصلِّي بينَ النَّاسِ ـ إمامًا ـ هذا الرَّنانُ الأصفرْ

تَتآكَلُ رُقعةُ دولتِنَا ونعودُ قبائلَ؛ تحكُمنا نائِلةٌ وإسافٌ

وتَقُومُ الثّورةُ عَمْياءَ فتأكُلُ يابِسَنَا والأَخضرْ

ونعودُ بَسُوسًا وعبيدَ النَّاقةِ …. ينفجِرُ الأحمرْ

لِمَ كَذَّبْتَ طُفُولتنا؟ وفَكَكْتَ رِباطًايا ثانِ اثنينِ، وأطْلَقتَ الثُّعبانَ لِيَغْدِرْ؟

كُنْتَ حَواريَّ المُلِكِ، وكاتِبَ سِفْرِهْ

أَسْتَضْعَفَكَ البَرْمَكُ حتّى لم تَشْدُدْ أزرِي؟!

تُلْقِي حَجرًا مِنْ فوقِ السَّطْحِ عَلَى هَارُونَ

فيندَكُّ الرّأسُ ويُكْسَرْ

أَهْدَتْني أُمُّكَ لَبنًا مِنْ فَرْثٍ ودَمٍ،

لكِنّي أهدَيْتُكَ ما هُوَ أكبَرْ

أهديتُكَ قلبًا قدَّسَ قَلْبَ أخِيهِ

قَلْبًا لمْ يَدْخُلْ أَحدٌ قَبْلكَ فِيهِ

مَا فرَّ إذا يومَ الزَّحْفِ تُنادِيهِ

يَفْديكَ بِصاحبةٍ وبَنِيهِ

كُنْتُ أظُنُّكَ صِدِّيقي يا جَعْفَرْ

يا خَالَ بَنِيّ

و”مَراجِلُ” تَشْهدُ أنِّي ما كُنْتُ امْرأَ سَوْءٍ أبدًا

ما كَانَ أخُوكَ بَغِيّ

لَسْتُ المُتَمَيِّزَ والعِرْقِيّ

فَتَشَاركْنا الحُلْمَ الصِّبيانيَّ، رُجولَتَنا ومَلابِسَنا، والسَّيْفَ، وقَوْسَيْنَا، والخَيْلَ العرَبيّ

وسِباقًا مَحمُومًا في رِحْلاتِ الصَّيْدِ البَرِّيّ

فتقيمُ بخَيْمةِ مُلْكي، وفِراشِي،

لمْ أحْرِمْكَ الصُّحبةَ، أو أغْدِرْ

أنتَ غدرتَ صَدِيقَكَ يا جَعفَرْ

المُلْكُ لهُ مَهْرٌ فَادِحْ

لا يَقْبلُ إلّا دَمَنَا، لا يَرْفَعُهُ إلّا قَوْسٌ وقَناةٌ

مَنْ مِنَّا يحمِلُ وِزْرَ أخيهِ، ومن أَجْرَى دَمَهُ؟

ووليُّ الدَّمِ فِينا .. مَنْ ؟

مَنْ يملِكُ ثَأْرَ أخيهِ، ومَنْ يَتَسامَحْ ؟

هلْ أَفسَدْتُكَ حِينَ تركْتُكَ في مَمْلكَتي جبّارًا

فَوْقَ الدُّسْتُورِ وفَوْقَ الأُمَّةْ ؟

أمَّنْتُكَ مُلْكِي يا هذا المُهْر الجَامِحْ

لا خَاسِرَ أو رَابِحْ

رَأْسُكَ هذا يا جَعْفرُ رَأْسِي وقَطَعْتُهْ

لا يَتَساوى رأسُكَ هذا برُؤوسٍ كُثْرٍ يا مَذْبُوحًا ذَابِحْ

أَبْكيكَ؟ نَعمْ، واللهِ .. نَعمْ

أسْفِكُ دمْعِي قِرَبًا دَمويِّةْ..وأَكُونُ القَاتِلَ والنَّائِحْ

لكِنْ لا أمْلِكُ أنْ أَعْفُو

لا يُمكِنُ يا جَعفرُ أنْ يَغْفِرَ عَرْشي، أوْ أنْ يَتَصالحْ

***

“13” جعفر ” 2 “

 مُبْتَسِمًا كانَ فَمِي؟ أمْ كانَ حزينًا ـ يا هارونُ ومُنْدَهِشًا حِينَ أَتى السَّيّافُ بهِ في قَصْرِكْ؟

مُذْ غَادَرَني رَأْسي وأنا أسْتَوْدِعُهُ حِجْرَكْ

سَتراني في باحاتِ القَصرِ وفي كُلِّ مجالسِ أُنْسِكْ
في جِدِّكَ أوْ هَزْلِكْ
عِنْدَ السَّطْوةِ جبَّارًا، أو في زُهْدِكْ
ستراني خَلْفكَ حِينَ تَؤُمُّ النَّاسَ، تمرُّ أمامَ الجُندِ، وَيَغْلِبُكَ بُكاءُ الصَّاحبِ حِينَ تُعاتِبُ أُميِّ أُمَّكْ

تَذبحُني؟ لمْ أرْوِ قُبَيْلَ الذَّبْحِ العَطَشَا
ما أَحْسَنْتَ الذَّبحَ، وما أَحْسَنْتَ وَدَاعي
ما يَشْغلُني الآن بظُلْمةِ سَيْفِكَ
كَيْفَ تحوَّلَ قَلبُكَ حَتّى لم تغْفِرْ خَطأً يمكِنُ أَنْ يُغْفَرْ
كيفَ تحوَّلَ في غَمضةِ عينٍ لينُكَ بَطْشَا؟
تَأمرُ سيَّافَكَ أنْ يَقْطعَ رَأْسي، وتُقيمُ الأرضَ، وتُقعِدُها، تَسْتَنْفِرُ أَصْلابًا عَرَبِيَّة،
تُرْهِقُ مِنْ أَجْلي ـ وأنا أضعفُ مِن ضعفٍ ـ جَيْشَا؟
لَوْ كُنتَ أمَرْتَ الرَّأْسَ المغْدُورَ بِأنْ
يُخلَعَ مِن جَسدِ أَخيكَ لكانَ إلى حَيثُ تُشِيرُ مَشَى
لم يُؤْلِمْني سِكِّينُكَ.. بَلْ قَلْبٌ مَصْدُومٌ وَحَشَا
أَشْمَتَّ الكاذِبَ، والمُتَرَبِّصَ، والحاقِدَ حينَ وَشَى
فافْعَلْ ما تُؤْمَرُ يا هَارونُ بجعفرَ تَجِدِ الطَّاعةَ، لكِنَّ سماءَ الدَّمِ لَنْ تُرْسِلَ ـ قبلَ السِّكِّينِ السَّاخنِ ـ كَبْشَا

وتَقُولُ الدَّولةُ يا هارونُ؟ فَمَنْ أَرْسَى المُلْكَ أقامَ دعائِمَهُ ؟ مَنْ قَدَّمَ للدولةِ والهَيْبَةِ والسُّلطانِ بَنِيهِ
وعُصْبَتَهُ، وصفاءَ الذِّهنِ، تَوتُّرَهُ؟ مَنْ أَتْلفَ أَعْصَابهْ؟
مَنْ قدَّمَ ـ في إخلاصٍ ـ دَمَهُ ؟

الدّولةُ تَعْني الشُّورَى ونِظامُ الفَرْدِ دَخيلٌ جَائِرْ
الدّولةُ أنْ تَتَساوى أَنْصِبةُ النّاسِ جَميعًا
حتّى في الكُرْسِيِّ.. وفي دُورٍ ومَقَابرْ
ونظامُ الدَّولةِ عِنْدكَ تَوْريثٌ مَلَكِيّ
الدّولةُ سُلُطاتٌ إِنْ تَتَغَوَّلْ إِحْداها فَوْقَ الأُخْرَى تَفْسَدْ
الدّولةُ لَيْستْ فردًا، والحاكِمُ ليسَ إلهًا،
وأُمورُ الدّولةِ لَيْستْ في الدَّيْرِ ولا في المسْجِدْ
الدّوْلةُ لا شيءَ سِوى الدّولةْ
الدَّولةُ سَيِّدْ
عَقْدُ مُشاركةٍ وَقَّعَهُ أَطْرَافُهْ
لا غَبْنٌ فيهِ ولا سُلُطاتٌ أزَليَّةْ،
أَوْ تَفْويضٌ مَفْتُوحٌ وتَمَرُّدْ
الحَاكِمُ يَدْفَعُ مُتَّهمًا للسيَّافِ بغيرِ محاكمةٍ ودَلِيلْ
أمّا الدّولةُ تدفعهُ للقاضي لِيُقامَ الميزانُ وينهزمَ التَّأوِيلْ
الدّولةُ قاضٍ، وقَضَاءٌ، وحُقُوقٌ
وضميرُ القَاضي يا هَارونُ ضَمَانةُ شَعْبِكْ
بَلْ وضَمَانةُ عرْشِكْ.. فَتَدَبَّرْ أمْرَكْ

كُنَّا سَادةَ هَذِي الأرضِ مُلُوكًا
مُلكًا يُفْني الرَّاكبُ ـ كيْ يبلُغَ آخِرَهُ ـ عُمْرَهْ
كُنَّا الدّولةَ، والسَّاسَةَ، والدِّيوانَ الورقِيّ
أَوَلَسْنا سَلْمَانَ الباحِثَ عَنْ رَبِّهْ؟ وبِلالًا،
وصُهَيْبًا، وكِتابًا عُمَرِيّ؟

كُنَّا كِسْرى ودَخَلْنا في عَقْدِ الدَّولةِ والدُّسْتُور العَربيّ
فأَنَا، أَنت، ونحنُ، وَهُمْ، هُنَّ جميعًا يا هَارونُ مُواطِنْ
لا فَرْقَ الآنَ … ولا عَربيٌّ أَوْ عَجَمِيّ

لكِنْ قَوْمُكَ شَطُّوا في الكِبْرِ غُلوًّا وقَطِيعَةْ
نخرجُ مِنْ فَاجِعَةٍ لِفَجِيعَةْ
أَوْغرَ قَوْمُكَ يا هَارونُ عَلَيْنا قَلْبكَ ذَاتَ ظَلامٍ شِتْوِيّ
حتَّى أتْعَبَـنَا الظَّاهرُ والمَخْفِيّ

لمْ يَأْمُرْكَ اللهُ بِشَقِّ صُدُور النَّاسِ، ولمْ يُعْطِكَ صَكَّ الغُفْرانِ ولا مِلْكَ رِقَابْ، مِفْتاحَ الجنَّةِ أوْ سَوْطَ عذابْ
لمْ يُعْطِكَ إلّا عَهْدًا وكِتابْ
فَاسْأَلْ نَفْسكَ: هَلْ ملَّكتَ رِقابَ النّاسِ ذِئابْ؟

ما خُنتُكَ يا صِنْوَ رَضَاعي وصِبايا
ما أَخْلفْتُ العَهْدَ، ولا بِعْتُكَ يا مولايا
لكِنْ حِينَ يَضيعُ الحَقُّ الإنسانيّ
ومَذاهِبُ شَعْبِكَ تُكْتَبُ في الرَّقْمِ القَوْميّ
تمتازُ جمَاعةْ..  تَنْداحُ جمَاعةْ
فَتُشَقُّ الدَّولةُ جُزْأينِ وأجزاءً صُغرَى
يَقْتَتِلُ السُنّيُّ مع الشِّيعِيّ.. والعَرَبيُّ معَ العَرَبيّ
كِسْرَى يَذْبحُ قَيْصرَ .. قَيْصرُ يَأْكلُ قَلْبَ نجَاشِيّ

يا عبّاسة، هَلْ تَبْكِينَ الآنَ عليَّ دَمَا؟
يا أطهرَ ما في هذي الأرضِ الحُبْلى بالشَّرِّ الأَعْمى

مَعْذِرةً سَيِّدَتي.. قدْ صارَ دُخولُ الإنسانِ بزوجتهِ وحَليلَتهِ ـ عِنْد الحاكِمِ ـ جُرْمَا!

في أَحْشائِكِ يا عبّاسةُ بَعْضِي
سَمِّيهِ ـ بِرَبِّكِ ـ هارونَ .. ضَعِيهِ عَلى قَلْبِكْ أَعْطِيهِ الخَاتَمَ ـ ميراثَ أبي جعفرَ جَدِّكْ ـ وعِمامةَ يحيى جَدِّهْ
تَختلِطُ الآنَ دِماهُ بأَحْشائكِ يا عبّاسة
لِيَكُونَ القَادِمُ هَارُونَ البرْمَكْ!

حَاوِلْ أنْ تغْفُوَ يا هَارونُ قَليلًا.. لا
لا ..لا
لنْ تَغْفُوَ بَعْدَ الآنْ
فَأنا حَوْلَكَ في كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانْ
مَقْطُوعٌ رَأْسي في حِجْرِكْ
ودِمائِي تَتَدَفَّقُ في دِجْلةَ والنّيلِ، وكَفْرِ حَرَسْتا،
في بابلَ، والبَصْرةِ، والهِرْسِكْ
في مَدْخَلِ بغدادَ، على بابِ التَّاريخِ الدَّمَوِيّ
حتَّى إنْ مرَّ قراصِنَةٌ وجُيوشٌ ـ مَدْفُوعٌ قِيمَتُها سَلَفًا ـ
سَيَقولُ التّاريخُ بأَعْلى صَوْتِهْ: هَذا المصْلُوبُ نَبِيّ.

[1]” 1 ” منقول ولم أتمكن من إثبات المصدر

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img