قصيدة المهاجر للشاعر محمد المتيم

قصيدة المهاجر

الآن إذ تجتاحُ أُغْنيَةٌ خريفًا ما

سأبكي..

ربما يوحَى إليّ.

مدينةٌ تغفو على خدِّ الرصيفِ كدمعةٍ

وربابةٌ غجريةٌ فَطِنَتْ إلى المعنى

وصبيانٌ يزفّون الحقيقةَ بالحجارةِ

والفتاةُ هي التقاءُ سمائيَ الأولى بمئذنةٍ

سيخرُجُ آدمٌ من طينِهِ

الأسماءُ لا تعنيهِ

تشغلُهُ الخصوبةُ

ربما جادتْ عليهِ أُلُوهَةٌ ما بالحياةِ

حبَتْهُ سِرَّ الخلقِ،

ها هي مفرداتُك فابتكرْ ما شئت.

صاحَ : أبي أبي.

انطفأتْ مجرّاتٌ ومادَتْ أغصنٌ في الريحِ.

يا أصحابُ يا أصحابُ خانتنا الحواسُ

وأجهضَ الحُرّاسُ ما خبّأتِهِ يا أمُ فيَّ

وجرَّدَتْني الأرضُ مِن أثرٍ عليها

مَرَّرَ المجهولُ فينا سهمَهُ

لا الريحُ تحفلُ بالمسافرِ،

والغريبون الذين يُجاهِرونَ بشَوقِهِمْ

صاروا نِكاتًا للمحطاتِ البذيئة.

ليلتي الأولى على خصرِ القصيدةِ

شبّت الأوجاعُ في لحمي،

-ولحمُ العابرينَ هنا مشاعٌ يا ابن لحميَ-

قالتْ امرأةٌ على طرفِ الحكاية.

قلتُ : أفلتتْ الدموعُ برُغمنا يا جارتي.

البستانُ مُتَّسِعٌ لألف حبيبةٍ، هَمَسَتْ.

فقلتُ : الروحُ ثكلى،

والضلوعُ معاوِلٌ في القلب !

قالتْ : كنْ بِنَفْسِكَ

قلتُ : أقعَدَني مساءٌ خائف

صاحتْ بِوَجهي : كُنْ لِنَفْسِكَ !

قُلتُ : والملحُ الذي

سرقَ الحكايا من عيوني؟

والمساكينُ الذين يُلَوِّحونَ

لِمَا نزفتُ من الأغاني ؟

والجناياتُ التي ارتكبَ المجازُ بنا

إذا استلقى اليقينُ على وسائدِنا وأغفى ؟

ها هُنا

ليلٌ يورِّطُنا

وأفلاكٌ تدورُ على رؤانا الخائباتِ

وأمهاتٌ شَجَّعَتْنا

كلما اقترفَ الفؤادُ

شجاعةً حُبلى بيأسٍ سرمديٍ ..

والقطاراتُ التي حَمَلَتْ مواجيدًا

مُعَتقةً تَمُرُّ ولا تَمُرُّ

تعُبُّ من دمِنا نبيذًا مُلغِزًا

كي لا تُفيقَ من الرحيلِ !

وفتيةً كُنَّا نُضَمِّدُ ليلَنا ؛

الترياقُ ما صاغتْ خيالاتٌ مراهقةٌ،

وما دسّت بناتُ الحيِّ في جَيبِ المسافرِِ

أنبياءً باغتتنا الحربُ

لكِنّ الخيولَ تأخرتْ والمعجزاتِ

ترجّلت أوجاعُنا

يا موتُ ما هذا الترهُّلُ ؟

جئ كمُنتصرٍ

وقَبِّل بين أعيننا

وخُذْنا

دونَ تجريدِ القصيدةِ من جسارتها

وخُذْنا

دونَ تجريدِ الحكاية ِ من جدارتها

وخُذْنا…

أفرزتَنا يا حبُّ حين سريتَ في آبائِنا

أفرَغتَهَم وفرغتَ مِنَّا

لا غروَ أنْ جِئنا تصادُفَ دهشتَينِ

فجئتَنا يا حبُّ -أمسُ- فما اندهشنا

يا إخوَتي في آخرِ الدنيا تعالوا

هل تلوذُ متاهةٌ بضحيَّةٍ ؛

وضجيجُ عاصمةٍ يُجرّفُ

ما تبقى من رهاناتٍ

قطعناها على أقدامنا قبل الرحيل..؟

سكبتُكُم يا ناسُ من قارورتي

كونوا بخيرٍ

واحفظوا دَميَ المُراقَ

على أَسرّتكم وفي شاشاتكم

غدُنا سيكتملُ احتراقًا

فالسكونُ يطوِّقُ الدنيا

وضيفٌ ما عليها مُمعِنٌ في اليأسِ

يوشِكُ أن يُقيمَ قيامةً حصريةً في أرضِنا

والناسُ تجري

والكُتْبُ والأشعارُ تجري

والليلُ والأسمارُ تجري

مالتْ بلادٌ بالبلادِ

فكيف لا تجري وتجري؟

الدمعُ أُولى ملحماتِ الشاردِينَ

وكم هي الدَمَعَاتُ تُغري ؟!

الدمعُ ظلُّ نبوءةٍ صدّقتَ أو كذّبتَ تجري..

شَدَدْتُك لو خُطاكَ هنا تُشَدُّ

أيُمسِكُ دمعَكَ المعصومَ خدُّ  ؟!

حملتَ مواجعَ الأرضين حتى

كأنَّ الليلَ تحتكَ يَسْتَمِدُّ

صُلِبْتَ على المدى، والريحُ تعرى

وتلبِسُ معصَمَيكَ وتَستَبِّدُ

رؤاك خرائطٌ والأرضُ منفى

وهذا الليلُ مأدبةٌ تُعَدُّ

ولو قرأوك يا ابن دمي المُسجّى

على قمرٍ سليبٍ يُستَردُّ

حضنتُكَ والبلادُ شتاتُ روحٍ

مُصَفَّدَةٍ، وهذا العمرُ قيدُ

خَبَأتُكَ للذي لو كُنْتَ تدري

بهِ لخبَأتَني عمَّا أعَدُّوا

تُفَتِّشُنا شموسٌ قد فتحنا

وأبوابٌ على دمِنا تُسَدُّ

ورملٌ شاربٌ لخُطىً مشينا

إذا عُدَّتْ فكم ذا قد نعُدُّ ؟!

تناءى بيْ السرابُ، أَحَلَّ سفكي

أنا الطيفانِ : مسألةٌ ورَدُّ

وأنت تُرَتِّلُ الماشينَ دمعًا

وليلُكَ عابِدٌ والناسُ وِردُ

وهذا الشعرُ آخرُ ما سنَلقَى

إذا انحسرَ المدى وأشاحَ وَردُ

قصيدة أخرى للشاعر

الشاعر محمد المتيم قصيدة وألقى الألواح

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img