قصيدة بَرْديَّةُ العِشْقِ الأولى للشاعر محمود عقاب

سلامٌ على النَّيلِ مِقْدارَ ما رتَّلتُهُ السَّواقِي أَمامَ النَّخيلِ

فردَّدَ صوفيَّةَ الماءِ عِنْدَ تمامِ الصُّفوفْ.

ومِقْدارَ تجديفِ معْنىً

سعى بالقواربِ نَحْو اصْطيادِ الجمالِ

وفي شفتيَّ شِباكٌ رَمَتْها الحُرُوفْ..

ومقْدارَ أشْرَعَةِ الرُّوح

فوْقَ انْسيابِ الرَّبابَةِ في ضَفْتَيِّ الدُّفُوفْ..

سَلامٌ على النِّيلِ حيثُ جرى؛

ليُعالجَ عُقْمَ الصُّخُورِ،

وفي مقلَتَيْهِ خُيُوطُ الدُّمُوعِ

تُحَرِّكُ أفْئدَةَ العاشقينَ دُمًى

فوقَ مسْرَحِ طِفْلٍ بهيجٍ يُقدِّمُ وجْبَةَ أَحْلامِهِ للضُّيُوف.

سلامٌ إذا اصْطَفَّ شَمْعُ الهوى فَوْقَ حِنِّاءِ قلْبٍ يؤُمُّ طُمَأنينةَ النُّورِ،

والليلُ سجَّادةٌ لم يطأْها خُسُوف.

سلامٌ إذا صَافحَ الخِصْمُ خِصْمًا لكي تتوَضَّأَ بالرَّحَمَاتِ الكُفُوفْ.

إذا غَضَّ طرْفُ الحِجارةِ عنْ أمْنِياتِ الثِّمارِ،

إذا امتَصَّ زَهْرٌ قُلُوبَ الصِّغارِ،

وعِطْرٌ شَهيٌّ

سعى في بريدِ الرِّياح

يزورُ تجاعيدَ وَجْهِ الخريفْ..

سلامٌ على فَرْحةِ الشَّعْبِ بينَ شُمُوعِ المواليدِ

في كُلِّ ليْلٍ يُقيمُ احتِفالاً لكُلِّ هِلالٍ جديدْ..

سلامٌ على الأمنياتِ..

على الأغنياتِ..

على النَّايِ،

والشَّايِ في سَهْرةٍ في القُرَى.. في نُجُوعِ الصَّعيدْ

فما زِلتُ طِفْلاً أغَنِّي، وقلبي فوانيسُ تُطلي ضفائِرَ قُبَّةِ شَيخٍ

مشى في بلادِ الإلهِ يُمَشِّطُ فيها الكُهُوفْ.

فوانيسُ أُشْعِلُ شَمعاتِها بالحَنينِ

إلى بائعٍ شَاخَ في بيع حَلْوى الطُّفُولةِ

فوْقَ الرَّصيفْ.

وما زالَ ينثُرُ فوقَ رَحَى الصَّبْرِ حِنْطةَ جَوْعى،

يُداوي على سُمْرةِ الطَّمْي شيْبًا،

ويلْعَبُ بينَ النَّخيلِ الفتيِّ،

ويرْمِي ببَسْمَتِهِ كُرَةَ الودِّ؛ تُسْعِدُ مَرْمَى اليتامى،

وينزعُ كَأْسَ البُطولةِ عَنْ مُعْلِنِ الحَرْبِ في كُرَةٍ

لا تَدورُ بجَوِّ الدُّخَانِ المُخِيفْ.

سلامٌ على مِصْرَ دِلْتا ووادي،

ونيلٍ يقدِّمُ قهْوةَ سُهْدٍ لليلٍ يُحنِّي فؤادي

على امْرأةٍ هذَّبَ المشْيُ مِنْ قدّميها الدُروبْ..

تبيعُ لريقِ الصَّباحِ الحليبْ..

تُعالجُ مِنهُ سوادًا سرى في مشيبِ القلوبْ..

سلامٌ عليكَ أخِي يا بْنَ أمِّي:

لماذا نَشِيبُ؟

نمزِّقُ تلكَ الوصايا،

ونَفْطِمُ فينا الطُّفولَةَ عَنْ لَبَنِ الحُبِّ،

ثُمَّ نُرَبِّي لأكْلِ اللحُومِ ضُروسًا؟!

فهَيَّا لِنَبْقَى رَضِيعَيْنِ فِي ثَدْيِ أُمٍّ، تعيشُ مَدَى الدَّهْرِ بِكْرًا،

ومنها تَغارُ الصَّبايا متى ملَئَتْ مِنْ فَمِ النِّيلِ فُخَّارَ حُسْنٍ،

فتُنْجِبُ فينا الشَّهامَةَ، ثٌمَّ تَعُودُ عَرُوسا..

ونصطَفُّ فِي عُرْسِها بقلوبٍ

تدُقُّ عليها كُفُوفُ الحَضَارةِ مِثْلَ الدُّفُوف..

سلامٌ على النيلِ مذْ أخذَ الطِّفلُ منه مواقيتهُ للرَّضاعْ..

ولم يفطم الأرْضَ،

إنَّ بلوغَ الفِطامِ يُحَدِّدُ سِنَّ الصِّراعْ..

وكيْفَ نُقَلِّبُ فينا الجِدَالَ

        ـ ونحنُ ككوبَيْنَ مِنْ لَبَنٍ ـ

قد غَدَوْنا نَصُبُّ بوادي الصَّفاءِ نُفُوسا؟!

فتستَوطِنُ النسمةُ البِكْرُ أفْئِدَةً تتدلَّى بجذْعٍ

يُداعِبُهُ الفَجْرُ في رِئَتيِّ الشُّمُوخِ،

متى هزَّهُ الحُبُّ؛

ساقَطَ في حِجْرِ كُلِّ الليالي شُمُوسا.

سلامٌ إلى كَفِّ مَنْ لا يصيدُ العصافيرَ

حينَ تُرَتِّبُ فِي الغيْمِ بعْضَ الرُّفوفْ.

وخوفٌ الليالي تبخَّرَ بينَ اصْطفافِ الأشعَّةِ من خلْفَ بُرْجِ الحمام..

سلامٌ إلى كفِّ مَنْ سَدَّ كُلِّ جُحُورِ الثَّعابينَ ليلاً وكلُّ العِبادِ نيامْ.

إلى شَمْعةٍ في الظَّلامِ

تُناصِرُ بدرًا تلقَّى مِنَ الأرضِ فِكْرَ الخُسُوفِ.

سلامٌ عليكَ أخي.. قُلْ لماذا نَشِيب؟..

 سَنَبْقى صِغارًا نُصَبُّ على شَفَةِ الأَرْضِ

أَسْفَلَ كُوبِ الحليبْ..

فكُوبُ الدِّماءِ ـ إذا ما كَبُرْنا ـ مُحلَّى بَعقْلِ المَشيبْ..

سنَبْقَى صِغارًا

نُلملمُ حبَّاتِ أفْئَدَةٍ خَلْفَ مِسْبَحةٍ حمَلتْها أيادي الشَّتاتِ..

لنا أبْجَدِيَّةُ وُدٍّ لكُلِّ اللغاتِ،

ومرضعةُ الصَّبر فينا

لديها الطُّفُولَةُ تَعْطي الأماني دُروسًا..

تَوَرَّثُ للأرْضِ عِشْقًا بقلْبٍ يخُطُّ الوَصايا..

وتتلو على الكونِ

برْديَّةً تتهجَّى الحَضَاراتُ مِنْها الحُرُوفْ..

قصيدة أخرى للشاعر:

قصيدة لُحُومٌ فِكْريَّةٌ قابِلةٌ للنَّهْشِ للشاعر محمود عقاب

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img