قصيدة لحوم فكرية قابلة للنهش للشاعر محمود عقاب

قصيدة لحوم فكرية قابلة للنهش

(1)

أريدُ أنْ أعْرفُ رَغْبَتَكَ المُلِحَّةَ على اصْطيادي

والتَّحَرُّشَ المُسْتَمِرَ بحياتِي؟!

هَلْ شَهْوَتُكَ نَحوي هي:

شَهْوةُ أسدٍ نَحْوَ غزالةٍ

شَهْوةُ ثَعْلب نَحوَ دَجَاجَةٍ

شهْوةُ قِطٍّ نَحْوَ فأْرٍ؟!

ما الشَّيءُ الذي يُثيرُ فيكَ رَغْبةَ اقْتِناصي،

وأنْتَ واقفُ خَلْفَ شَجَرَةٍ زَرَعْتها لكَ؛

حتَّى تُظِلَّكَ في يومٍ نويتَ فيه

الاخْتباء بها أثناءَ تصْويبِ البُنْدُقيِّةِ تِجاهي..

أظُنُّ أنَّ لَحْمِي لا يَصْلُحُ لأنَّ يُطْهَى

على نَارِ غِلِّكَ لتَأكُلَهُ،

وأنَّ دِمائي لنْ تَصْلُحَ لكَ

أنْ تكونُ “عصيرَ فراولةٍ”

خاصَّةً أنَّ الذِّئبَ الذي وَهَبَكَ أنْيابَهُ لمْ يَهِبْكَ مِعْدَتِهِ،

وأنَّ قلبي لَنْ يَصْلُحَ لإطْعامِكَ،

لأنَّه مِنْ لِزُوجَةِ الحُبِّ أصْبحَ متآكلاً

مِنْ حَبِيبَاتِهِ كقِطْعَةِ الحَلْوى التي انْقضَّ عليها النَّمْلُ..

أعْلمُ أنَّكَ ذِئْبٌ بَشَرِيٌّ..

لَنْ تأْكُلَ لُحومي بَعْدَ القَتْلِ،

كُلُّ ما يُهمُّكَ هُوَ لُحوم فِكْري التي يَسيلُ لُعابُكَ أمامَها..

الفِكْرُ غالِبًا يكونُ مُشَوَّهًا أوْ مَريضًا،

وأحْيانًا يَكونُ مسْمُومًا

كيفَ تَقْبلُ أنْ تتَغذَّى على لُحُومِ فِكْري الفاسِدَةِ،

وتُسِمِّمُ لُحُومَكَ الصَّالِحة..

أنْتَ رُبَّما تُريدُ التَّخَلُّصَ مِنْ هذهِ اللحُومِ الفِكْريَّةِ المَريضَةِ

كَنُوعٍ مِنْ تطهيرِ البيئةِ..

وإنْ كانَ الأمْرُ كذلكَ؛

كيفَ لطبيبٍ مِثْلكَ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ المَرْضى،

ولا يَسْتطيعُ عِلاجَهمْ بما أُوتِيَ مِنْ علمٍ وفِقْهٍ؟!!

بَلْ كيْفَ قَتَلْتَ طِفْلاً وهُوَ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ قِطْعةُ لَحْمٍ فِكْريَّةٍ واحَدةٍ تُشْبِعُ نَهَمَكَ؟!

(2)

أنا ضِدُّ إسْعافِ المَرْضى بطاعُونِ العُنْفِ والإرْهابِ

بالشِّدةِ والسِّجْنِ..

الفِكْرُ في الرأس دائمًا يتظاهر بأنَّه يحملُ شعلةً نُور،

لكن الأزمة في الدُّخان الذي ينتج عنِ الشُّعلة،

ويُهِدِّدُ أنفاس الزهور واستنشاق الفراشات للعطور

لذلك لا يَمْكِنُ قَتْلُهُ أو وضْعُهُ في قَفَصٍ..

بيْنَما مِنَ المُمْكِنِ: إسْعافُ هذهِ الحالاتِ الحَرِجةِ

في أقْرَبِ مُسْتَشْفَى بيْطَريَّةٍ..

كَأَنْ يَقومَ الطَّبيبُ بإجْراءِ عمَليَّةٍ جِراحيَّةٍ

بَنَقْلِ مُخِّ عُصْفُورٍ مَكانَ مُخِّ الحَالةِ..

فِي حالةِ نجاح العَمليَّةِ؛ سَيَتَحَوَّلُ المَريضُ

مِنْ صيَّادٍ للأطفالِ والنِّساءِ والشَّبابِ والشُّيوخِ

إلى شخْصٍ يَكْرَهُ رائحةَ الدُّخانِ،

ويَفْزعُ لصَوْتِ الأعْيَرةِ والتَّفْجيراتِ..

ويعْشَقُ عُشَّهُ فِي شَجَرةِ الوَطَنِ الخَضْراءِ..

يَبْكي كَثيرًا إنْ رأى أوْراقًا تتساقَطُ مِنَ الغُصْنِ،

ويَبْكي أكْثَرَ إنْ رأى غُصْنًا مُنْكَسِرًا،

نتيجةَ تَسَلُّقِ شَخْصٍ عابثٍ يَقطُفُ ثَمَرَةً ليْسَتْ مِنْ حَقَّهِ..

ومنْ ظواهِرْ نجاحِ العمليَّةِ

سيسْعَى المَريضُ لإنْشاءِ مَسْرَحًا كَبيرًا للغِناءِ،

رُبَّمَا أوبرا لَمْ تَكُنْ تَحْلُمْ بها العَصَافيرُ مِنْ قَبْلُ..

(3)

على الطَّبيبِ البَيْطَريِّ أنْ ينْتَزعَ

مَخالِبَ قِطَّةٍ وَديعَةٍ ويَضَعُهَا مَكانَ أظافِرِ المريضِ بالعُنْفِ..

أولاً: القِطَّة لا تَستَطيعُ مخَالِبُها أن تدوسَ على زِنادِ البُنْدقيَّةِ الآليَّةِ

ولا بِمَقْدورِها رَمْيَ قُنْبُلَةٍ على كِنيسةٍ أوْ مَسْجِدٍ..

ثانيًا: برَغْم أنَّ مَخالِبَ القِطِّةِ حادَّةٌ جِدًّا

قَدْ تُسَبِّبُ جِراحًا بِخِلافِ أَصَابِعِهِ المُقَلَّمَةِ الأظَافرِ

قَبلَ أداءِ الفَريضَةِ،

لكِنَّها لم تَسْتَطِعْ أنْ تَحْفُرَ آبارًا مِنْ الدِّماءِ فِي جَسَدِ الأرْضِ الطَّيِّبةِ..

بعْدَ إتْمامِ هذه العَمَليِّةِ؛

سَيَجِدُ المَريضُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ بيْتٍ

بَعْدمَا كَانَ مطارَدًا في الجِبالِ والأنْفاقِ،

سَتَلْعَبُ مَعَهُ الأطْفالُ،

وَتُغَنِّي لهُ أناشيدَ الطُّفولَةِ المَدْرَسَيِّةِ،

ولنْ يَكُونَ للسُّمِّ ـ الذي يُخْشى على الأطْفالِ مِنْهُ ـ

مَكَانٌ في هذهِ البُيُوتِ؛

لأنَّ هذا المَريضَ؛

أصْبَحَ مُكَافِحًا لِكُلِّ الفِئْرانِ وهُوَ فِي مُتناوَلِ الأطْفالِ..!

قصيدة أخرى للشاعر:

قصيدة بَرْديَّةُ العِشْقِ الأولى للشاعر محمود عقاب

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img