قصيدة نزار قباني معلّقةُ دمشق للشاعر عبد القادر الحصني

 أسرى بطرفكَ نجمُها وكتابُها

وسباكَ منها كحلُها وخضابُها

وقوامُها،

بالياسمين موشَّحاً

والمسكرانِ: فثغرُها ورضابُها

وندىً،

أفاقَ على الصباحِ،

فسرّه أنّ الصباحَ سريرُه أهدابُها

وسهولُها، وسفوحُها، وجبالُها

ورمالُها، وفجاجُها، وهضابُها

فيحاء باشرَها الزمانُ،

فكان أنْ شاب الزمانُ،

وما يزال شبابُها

هي، لا أقولُ الحسنُ في ريعانهِ

لا سحرُها منه،

ولا أطيابُها

هي قُلْ بأنّ الحسنَ صوّرَ نفسَه منها،

وصار حضورُه يغتابُها

ويقولُ عنها إنّ سبعةَ أنهرٍ عشّاقُها،

ابتلّتْ بهمْ أثوابُها

ويقولُ عنها: قاسيونُ حبيبُها

والآخرون جميعُهمْ خُطّابُها

ويقولُ ما شاءَ الغيورُ،

بدا لـه سببٌ،

ولم تظهرْ لـه أسبابُها

فأتِحْ لقلبكَ أنْ يكونَ قميصَها

تعرى،

فيسترُها كما جلبابُها

وأتحْ لقلبكَ أنْ يكون حمامةً

لتظلَّه في الهاجراتِ قِبابُها

وأتِحْ لقلبكَ أنْ يقدِّم وردةً

فلربّما يصفو لـه إعجابُها

إعجابُ ساجيةِ اللحاظِ،

كنائسٌ في روحها،

ويضمُّها محرابُها

ولربّما وَثِقَتْ بصدقكَ في الهوى

في آيتينِ:

تحبُّها،

وتهابُها

فتقومُ،

في يدها مفاتيحُ الرؤى

مزدانةً آفاقُها ورحابُها

وتقولُ: هيتَ لك المفاتنَ كلَّها

هذي دمشقُ،

وهذه أبوابُها

***

ويطلّ من عليا البيوتِ بها فتى

خيّلتُه مُلقىً عليه إهابُها

شربتْ ملامحُه الجمالَ بكأسها

ورقى الشعورُ،

فمرتقاهُ حَبابُها

حتى استوى شِعراً،

تقطّرَ فوق ما حلمتْ دوالٍ،

واشتهتْ أعنابُها

شِعراً هو السحرُ العجيبُ،

إذا عرا نفْساً،

فما تدري الذي ينتابُها

حليتْ قصائدُهُ،

كأنّ غيومَها

بلمى الشموسِ مذهَّبٌ تسكابُها

هطلتْ،ملوّنةً،

فأصبحَ موجزًا،

بالرسم في كلماتهِ، إسهابُها

هو شاعرٌ،

جاءَ القريضَ، وقبّةٌ

لشيوخه ضُربتْ لهم أطنابُها

من كلِّ عملاقِ القصيدِ،

كأنّه مَلِكٌ،

تُساقُ إلى حِماه ركابُها

خالوا القوافي من عِداد عبيدهمْ

وتخيّلتهمْ أنَّهمْ أربابُها

وهمُ

ـ وأيمُ الحقّ ـ

أهلُ جمالِها وجلالِها،

وعداهمُ أغرابُها

حطّتْ رواحلَها البلاغةُ بينهمْ

وتنسَّبتْ،

فإذا همُ أنسابُها

حتّى أتى،

وعلى يديه حريرُها

وسوارُها

وعقودُها

ومُلابُها

فاهتزَّ عرشُ الشعرِ،

لا متزعزِعًا وجَلاً،

ولا من ريبةٍ يرتابُها

لكنّه طرَباً تمايلَ بعدما

لعبتْ ببال صنوجِه أطرابُها

إيهٍ (نزارٌ)

حسبُ شعرِكَ رائداً

للحبِّ أرضاً كان طالَ يبابُها

فكشفتَ ألوانَ الجمالِ لأعينٍ

ظمئتْ،

ولم تُسقَ الجمالَ رِغابُها

نظرتْ،

فألفَتْ ظُلمةً مسلولةً

دون الجمالِ سيوفُها وحرابُها

فتكفكفتْ أشواقُها،

وتحمّلتْ وجعَ الظلامِ بأعينٍ أعصابُها

وإذا النفوسُ تفقّدتْ شمساً،

ولم تلقَ،

استضاف عماءها سردابُها

فمباركٌ طفلٌ بأعين شاعرٍ

بعثَ الحياةَ سؤالُه

وجوابُها

ومباركٌ هذا الأميرُ،

تزيّنتْ كُرمى لـه،

وتعتّقتْ أكوابُها

وأنابَ سيافٌ،

فأغمدَ سيفَه خجلاً،

وأعلنَ أنّه بوّابُها

***

اللهَ للشعرِ..

الحياةُ بدونه سِيَّيْنِ كان حضورُها وغيابُها

هو ماؤها ونماؤها،

حتّى إذا خَطْبٌ ألمَّ بأرضها،

فعُقابُها

يهتزُّ منتفضاً،

ويُشهرُ روحَه سيفًا،

لكي يبقى العزيزَ جنابُها

و(نزارٌ) السيفُ المجرَّدُ،

ذادَ عن شرف العروبةِ

حين حُمَّ ضرابُها

شأنَ العظيمِ إذا استُبيحتْ أرضُه

فمصابُه في النائبات مُصابُها

و(نزارٌ) الألمُ العميقُ بأمّةٍ

خذلتْ دماءَ رجالِها أعرابُها

و(نزارٌ) الليلُ الطويلُ عتابُه

لو شدّ نفسًا للملام عتابُها

لكنّه،

و(دمشقُ) في أحداقِهِ أغفتْ،

وأغفى يحتويه ترابُها

ثاوٍ،

يمدُّ بنسغه أشجارَها

كي يستظلَّ بظلّه أحبابُها

وغداً إذا وقفَ الزمانُ بدِمنَةٍ

طُلَّتْ،

وريحَتْ بالشذا أعشابُها

ورنا إلى الورد الدمشقيِّ الذي

حفَلت بنشرِ عبيرِه أعتابُها

وتمثّل الشعرَ العظيمَ وشاعراً

هو كلّما دجتِ الخطوبُ شهابُها

سيطيلُ وقفتَه الزمانُ،

ويزدهي قممَ الخلودِ بشاعرٍ ترحابُها

ويطلُّ رهطُ الخالدين،

فقائلٌ: من ذا؟

ويشدَه أعينًا ترقابُها

حتى إذا وضَحتْ ملامحُ وجهِهِ

وإنجابَ عن قممِ الخلودِ ضبابُها

ذُهلوا!

أهذا كلُّه في شاعرٍ؟

هذي دمشقُ…

وهذه أبوابُها.

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img