الإبداع الشعري الشعبي فى الصعيد..السيرة الهلالية أنموذجا (2)

د. خالد عبد الحليم أبو الليل مدرس الأدب الشعبي بكلية الآداب، جامعة القاهرة

عملية حفظ الشعر الهلالي وتذكره:

تمثل عملية حفظ الشعر الهلالي عملاً بالغ التعقيد، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار تنوع الأشكال الشعرية، وارتباطها في النصوص الشفاهية بالإنشاد بمصاحبة الفرقة والآلات الموسيقية، وتنوع الإيقاع بين السرعة والبطء والفرح والحزن. هذا بالإضافة إلى أن الشاعر يؤدي نصه وجهًا لوجهه أمام جمهور عارفٍ ـ بل حافظ ـ للهلالية، وهو مطالب بأداء نصه دون خطأ أو نسيان؛ إذ لا مجال ـ أثناء الأداء ـ للخطأ، وإلا فقد الشاعر شعبيته (وإن شئت فقل سلطته المؤقتة). وفي قلب هذا التعقيد تعد نظرية الصيغ الشفاهية مدخلاً مهمًا لتفسير عمليات الحفظ والتذكر والارتجال. فالمتأمل للنسخ المدونة سيلحظ مجموعة من الصيغ الجاهزة المتكررة، يميل إليها الرواة، سواء في بداية القصيدة، أو من حيث النعوت المستخدمة للشخصيات، أو في مشاهد وصف المرأة أو الحب أو الحرب… إلخ. فقد يستخدم الراوي الفعل (قال) ـ بمشتقاته ـ مع الاسم أو الصفة، ثم يكمل الشطر بلقب الشخص، ثم يستخدم في الشطر الثاني صيغًا من قبيل (بدمع جرى فوق الخدود…)، كما في الصيغ التالية:

ـ يقول الفتى المدعو سلامه

بدمع جرى فوق الخدود سكيب

ـ يقول السركسي هو ابن نارب

بدمع جرى فوق الخدود يسيل…إلخ

 

وقد يستخدم الراوي صيغة (قال “أو مشتقاتها” + الاسم أو النعت) في الشطر الأول، ثم صيغة (ونيران قلبي زيدات…) في الشطر الثاني:

ـ يقول أبو زيد الهلالي سلامه

ونيران قلبه زايدات شعال

ـ يقول الفتى زيدان بن غانم

ونيران قلبه زايدات لقاح

ـ يقول أبو زيد الهلالي سلامه

ونيران قلبه زايدات ضروم…إلخ

 

ولقد طبقت الباحثة الأمريكية Bridget Connelly في بحثها “سيرة بني هلال وتقنية تأليف الملحمة الشفاهية”، نظرية الصيغ الشفاهية. وانتهت إلى أن هناك عددًا من الصيغ الشعرية، التي تتردد كثيرًا في النصوص المدونة، وهو ما أسمته بالنظام الصيغي formulaic system ، والتي رصدتها فيما يلي:

1 ـ أن القصائد ـ غالبًا ما ـ تبدأ بالفعل (قال فلان وفلان)؛ إذ يتبع ـ غالبًا ـ الفعل “قال” بتركيبة نعت الاسم لإكمال الشطر. مثل (يقول الحجازى والحجازى سلامه).

2 ـ أن يتبع الفعل “قال” باسم علم (يقول الهلالي). هذا بالإضافة إلى مجموعة الصيغ المرتبطة بكلمات [تبدَّى، مقال، ومقالات، وأنشد، وصيغ: بدمع جرى فوق الخدود (غرار/بدار/سجام/يسيل…)، أو صيغ: نيران قلبه زايدات (اللهايب/شعايل/ضرام…) ]. إلى غير ذلك من هذه الصيغ التي رصدتها الباحثة، سواء مثَّلت هذه الصيغ جزءًا في أول البيت أو آخره، أو مثَّلت شطرة كاملة في البيت.

3 ـ أشارت الباحثة إلى استخدام الهلالية المدونة لثلاثة أنظمة أساسية من الصيغ، هي:

(أ) استخدام فعل حركة + مكان + تعبير مكمل (الذى عادة ما يكون نعتًا لاسم مكان)، مثل (فسار إلى ديوان/ لما وصل له…).

(ب) استخدام فعل حركة + الفاعل + تعبير مكمل، مثل (وجاءوا هلال كبارهم وصغار).

(ج) استخدام فعل حركة + فعل + حرف جر + ضمير غير مباشر أو اسم + فاعل + تعبير مكمل، مثل: (نزل لها العلام حافي على القدم…) … إلى غير ذلك من هذه الصيغ التي توقفت عندها الباحثة ([1]) .

هذا عن أمر الصيغ الجاهزة في النصوص الهلالية المدونة. أما بالنسبة لدور الصيغ الشفاهية الجاهزة في النصوص الهلالية الشفاهية، فإنها تلعب دورًا مهمًا. فـ (المغني أو قاص الحكاية الشعبية يضطر بسبب مقتضيات ـ النقل الشفاهي ـ إلى الاعتماد على رصيد من العبارات الجاهزة أو الصيغ، وعلى مجموعة من الأبنية العروضية الحديثة episodic كنوع من السند أو التدعيم لذاكرته، ولكي يتمكن من ارتجال كل أداء جديد…) ([2]).

إذا فالشاعر/الراوي لا يحفظ القصة ـ شعريًا ـ على نحو حرفي، وإنما يحفظ في عقله الجسم أو الإطار العام لها. وهو يؤدي هذا المحفوظ بطريقته الخاصة، تساعده ـ في ذلك ـ مجموعة الصيغ الشفاهية الجاهزة، التي تلعب دورًا كبيرًا في المربع، الذى يتخذه الشعراء ـ كشكل أساسي ـ لرواية الهلالية في الصعيد. فوحدة أشطر هذه المربعات ليست الكلمات، وإنما وحدات تتكون من مجموعة من الصيغ أو مجموعات من الكلمات المترابطة مع بعضها في شكل عنقودي، حسب وصف أونج. فمثلاً قد يستخدم الشاعر كلمة “الزين” كقافية لشطرين في مربع. فيكون معناها في أحدهما “صفة للنبي”. وتستدعي هذه الكلمة صيغة شفاهية جاهزة في الشطر الآخر هى: “خاليين من الكدب والزين”. ويكون معنى الزين هنا “الزنا”.

صبح الصباح صلوا ع الزين

بعد مارجعوا الصبايا

خاليين من الكدب والزين

انتشرت… الحكاية

فالشاعر الهلاـي لا يحفи المربع السابق ɃتɄة واحدة (أى الشطرات الأربعة كاɅلة)Ќ وإنما يحفظ فكرة المءبع ـ فъ ذهنه ـ، ثم يترك لنفسه حرية التعبير ظنه بش؃ل عنقودي مɆتظم. وتتأكد لنا هذه الطريقة الشف؇هية في التأليف، إذا راجعنا المربعاتالتي ترد فيها ؄فظة “الزين” ذات المعنيين المختلفين، بما تستدعيه من إيغ مختلفة ([3]) . فالشاعر يبقي فكرة مربعه على كلمتي القافية، إحداهما للطرح أو الشد، والثانية للةتب أو الصيد. وفي الغالب تكون إحدى هاتين الكلمتين (أو كلتيهما) محور فكرة المرȨع. ولقد تم رصد المفردات المتراباة مع بعزها البعض في شكل عنقودي، والتي يستدعي وجود إحدى المفردتين الУخرى (أو تستدعي صيغة بعينكا) كشكل من أشكألالتذكر، وذلك على النحو التالي:

ـ كلمة (العقل أو الؙقيلى)، التي يكون معناها في أحد الشطرين “العقل”، ومعناهȧ في الشطر الآخر (نسبة إلى بني عقيل)، كما في المربع التالي:

خدته من إيده اـصبيَّه

بنت الملك العقيلى

وسلامɇ في الحيرة ديَّه

تايه منُّه العقيلى

فالمقصو؏ بكلمة “العقيلي” الأولى (الملك جابر العقيلى)، أما معцى “العقيلى” الثانية، فهو (العقل).

ـ استخدام كلمة “ألامه” ف؊ شسري المربع، فيكون معناها في إحدهم؇ “النجاة”، وفي الآخر “أحد أسماء أبي زيد”، كما في قول الشاعر:

طلع النهار يا محبِّين

من الهول يا لله السلامه ٭

٭ النجاة

حنضل حالف يمين

نصب مشنقه لسلامه ٭

٭ اسم لأبي زيد

ـ استخدام كلمة “البيت” في شطري المربع، فيكون معناها في أحدهما: “البيت”، وفي الآخر “البنت”، كما في المربع التالي:

وادى بنتك فِ البيت

أدِّيت أوامر سيدي

هوَّه اللى تحفَّظ البيت ٭

٭ البنت

وانا جبتها لك بإيدي

ويمكن أن نلمس ذلـك الترابط فـي مفردات أخرى، مثل: كلمة “عمي”، التي تأتي بمعنى “العم” فى أحد الشطرين، وبمعنى “البحر الذى زادت مياهه” أو “العمامة” في الشطر الآخر. ومثل كلمة (عليا أو عاليه)، التي تأتي بمعنى “اسم الأميرة عليا ابنة الملك العقيلى” في أحد الشطرين، وبمعنى “العلو” في الشطر الآخر. ومثل كلمة “الكحيلة”، التى معناها “الفرس”، و “السوداء”. ومثل كلمة “فرسى أو فرسكم”، بمعنى “حصانى أو حصانكم”، و “في رأسي أو في رأسكم” …إلخ. وقد تستدعي كلمة “ميعادي” بمعنى “الموعد” كلمة “الأعادي”.

* من الوسائل المعينة للذاكرة، أن ينتهي أحد أشطر المربع بكلمة معينة، تستدعي شطرًا/صيغة جاهزة معينة من مخزون الشاعر. وهي في الغالب صيغة استطرادية (لا تضيف شيئًا إلى الأحداث، فدورها يقتصر فقط في المحافظة على الإيقاع). ومن هذا الربط العنقودي ما يلي:

ـ أن ورود كلمة “الهلايل” في قافية طرح أو عتب المربع، يستدعي صيغة/ شطر (أولاد جعفر ونايل) في الشد أو الصيد، مثل:

العبد ضحَّى العمر

ونصرنجوع الهلايل

أبو زيد استغرب الأمر

على اولاد جعفر ونايل

ـ ارتباط كلمة (يتيم) بصيغة (اللى ف علم ربك يتيم/ يتمه)، مثل:

وترك الغلام ده يتيم

واللى أتى لى أقوله

اللى ف علم ربك يتيم ٭

٭ يُتمُّه

وادى الزمن وادى هوله

ـ اقتران اسم (حسن بن سرحان أو الملك سرحان أو سرحان) بصيغة (اللى على حسه البل سرحان = سارْ وحنَّ)، مثل:

وصل إلى حسن بن سرحان

صباح الخير يا نسل نايل

اللي على حسَّك البل سرحان

حسن يا ملك الهلايل

ـ اقتران كلمة (كداب) بصيغة (عقلك في راسك يا كدَّاب = ياك ادَّب أى فُقد) ، مثل:

طاوع ناسك يا كداب

يا واد يا بو صدر واقع

عقلك فى راسك يا كدَّاب ٭

٭ ياك ادَّب: أصابه جنون

كلامك على غير نافع

ـ ارتباط مفردة (ولدي) بمعنى “ابنى”، بصيغة (كل البلاوى/المصالح ولدى = إلا دى = إلا هذه)، مثل:

نادى وقال: يا قمصان يا ولدي

ضاقت معايا الخلايق

كل المصالح ولدى ٭

٭ إلا دى: إلا هذه

ما يعلم غير إله الخلايق

ـ ارتباط كلمة (النهارده) بمعنى “هذا النهار”، بصيغة (دمعي جرى كالنهارده = مثل هذا النهر)، مثل:

شوفي لك بصاره النهارده

أستأذن واروِّح بلادي

دموعي جرت كالنهارده

أنا بدي أبلغ مرادي

ـ ارتباط مفردة (ورِّيهوني) بمعنى (دلني عليه) بصيغة (أبيع لك الملك والرهوني). ـ (الرهوني = المرهون).

ـ ارتباط كلمة (الممالك) بمعنى “المملكة”، بصيغة (أهدِّى ف نفسى ممالك). ـ (ما مالك : لا أملك).

ـ ارتباط كلمة (في عرضك) للاستنجاد، بصيغة (لساني ما يقدر يعارضك). ـ (يعارضك = يخالفك).

ـ ارتباط مفردة (نبينا) بمعنى “النبي”، بصيغة (والصبر واخده نبينا). (نبينا = ناب أو نصيب لى).

ـ اقتران كلمة (الدريدي) لقب السلطان حسن، بصيغة (شارب كاس مر ودريدي). ـ (دريدي = علقم).

ـ ارتباط كلمة (قلُّه) بمعنى (قال له) بإحدى الصيغتين:

ـ (كتر الكلام كيف قِلُّه). ـ (قِلُّه: القليل منه).

ـ (اركز لحملك وقلُّه).            ـ (قِلُّه: ارفعه).

ـ ارتباط كلمة (هجينا) بمعنى “الفرس”، بصيغة (خلِّى عقلي في راسي هجينا). ـ (هجينا = يصيبه الجنون).

ـ اقتران كلمة (القوم) بصيغة (شرب المر علقوم). (علقوم = علقم).

ـ اقتران مفردة (يسيدى)، بمشتقاتها (يسيده ـ يسيدك،والتى تعني “السيد)، بصيغة (من فتح بابًا يسيدى/أو يسيده/أو يسيدك)، حسب القافية وهى بمعنى “يسده”.

ـ ارتباط كلمات (قمصان) = (اسم عبد أبو زيد)، أو (توبه = بمعنى التوبة)، أو (الخلايق = بمعنى الناس)، بالصيغ التالية على الترتيب:

على جسمي ما حاملشي قمصان ٭

٭ القميص

على جسمي ما حاملشي توبه

٭ الثوب

على جسمي يا ما احلى الخلايق

٭ الملابس

* من الوسائل التي يعتمدها الشاعر في التذكر والارتجال، أن كل قصة ترتبط بتكرار مجموعة من الصيغ الشفاهية الجاهزة الخاصة بها، والتي ترتبط بأهم الأحداث أو الشخصيات في القصة. ففي قصة “فرسة العقيلى جابر”، يكثر بها تكرار الصيغ المرتبطة بكلمات (عقل، عقيل)، (الكحيله والهجينه…). وتكثر في قصة (أبو زيد والأميرة عليا بنت العقيلى جابر)، الصيغ المرتبطة بكلمة (عليا ـ عاليه) أو (عقل ـ عقيلى ـ عقيل…). وتكثر في مرحلة الميلاد الصيغ المرتبطة بكلمة (شريفه)، من قبيل (خضره الشريفه ـ حمول البلا مش خفيفه ـ حربه رهيفه…).

(1) – Connelly, Bridget. (1990), Sirat Bani Hilal and The Oral-Epic Technique of Poesis. P. 91-105.

([2]) ـ ريتشارد دورسون: نظريات الفولكلور المعاصر، ترجمة د. محمد الجوهري، د. حسن الشامي، دار الكتب الجامعية، 1972 ، ص 136 .

([3]) ـ يمكن مراجعة هذه المربعات وغيرها في ملحق النصوص الهلالية الشفاهية المجموعة (الجزء الثاني من رسالتي للدكتوراه بمكتبة جامعة القاهرة، عنوانها: “السيرة الهلالية في محافظة قنا: دراسة للراوي والرواية/ 2007).

موضوعات متعلقة:

الإبداع الشعري الشعبي فى الصعيد.. السيرة الهلالية أنموذجا (1)

الإبداع الشعري الشعبي فى الصعيد.. السيرة الهلالية أنموذجا (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img