من إهداء الديوان يمكن للقارئ أن يتأول تصورا أوليا لشعرية الديوان، وهي شعرية تستسلم لقدرها الفني، قدر الشعر ذلك ما توحي به عبارة الإهداء وعلى الأخص منها:
ولنبدأ الآن رحلتنا في الديوان مع القصيدة الأولى “رامبو”، وقبل قراءة القصيدة لنا أن نتصور خضوع الشاعر لقدر الشعر محتفظا بروح البراءة فيه التي يعادلها الطفل في مرحلة من مراحل القصيدة، يقول الشاعر:
وهو الأمر الذي يصادفنا مرة أخرى في القصيدة الثالثة من الديوان تلك التي بعنوان طفل جنوبي حيث يقول فيها:
والآن مع أولي قصائد الديوان بعنوان: “رامبو” وفيها يقول الشاعر:
فالشاعر يخرج إلى العالم من حوله بهذا الحلم الواضح إلى مجموع مقصود من رسالته” [لبحَّارةٍ .. ومركبةٍ.. لمن ضاقتِ الأرضُ
حتى تشظّوا.. لطفلٍ بلا حُلم .. إليهِ .. إلى لعبةٍ.. لمَنْ يصعدونَ ومَن يركضون..] كل ذلك ليجلسهم ملوكا فوق قلبه كمجلس الحرف في قصيدته من القافية:
بهذا الجو الموسيقي الملتزم المنضبط تأتي رسالة الشاعر وكأنها لم تكن كما أوحى في الإهداء محض قدر بل اختيار واختيار ملزم. لكن الإلزام فيه مناورة في رصف أبيات القصيدة على هذا النحو المنفلت من الشكل الملتزم الذي اعتادته القصيدة فكأنه الوقوع على البراءة الأول للقدر الشعري أو الشعر الطفل أو أولية الشعر من هنا نعاود مرة أخرى استحضار صورة البوق والناي، علامة على الأصل الموسيقي المنضبط بانضباط القدر الشعري أو القدر الموسيقي لذي لا بد له من بداية وخاتمة:
وتحديد البدايات والخواتيم هي قدر الضمير المسؤول أمام نفسه حين ترتبك المسارات فلا بد من انضباط ما يعيد ترتيب المشهد الحياتي للمجموع التائه الذي تعركه اللحظة الراهنة حتى تشظى المجموع واندثرت مقومات كونه مجموعا. من هنا يأتي بوق الشاعر نذيرا وبشيرا لهؤلاء الذين يتوسدون حروفه وقوافيه:
بالإهداء والقصيدة هنا ربما نملك خريطة أولى لحركة سردية سوف تبدأ رحلتها على طريق تحديد البدايات والخواتيم وبالفعل جاءت البداية مع ما تطرحه تجربة الديوان حول الشعر والشاعر ، في قصيدة: “السنبلات الخضر”، وبالتحديد في الثلث الأول من القصيدة، يقول شاعرنا:
ففي هذا المفتتح العام للقصيدة ينسج الشاعر خيوطا يحدد بها نسيج فهمه الشاعر للشعر والشاعر في الوقت نفسه، ففي إطار شفيف من القدرية التي بدأنا بها يولد لشاعر من رحم الغيب والماوراء على طريق الشعراء الرسل، الذين يحاولون الغوص على عمق الحياة:
فإن كان العالم المكشوف للعيان هو عالم الشهادة فهناك عالم الشهود عالم الماوراء، عالم الفهم و الكشف والحقيقة على ما اعتدناه، لكن قفزة الشاعر ومغامرته تحاول الغوص أكثر فيما وراء هذا الماوراء، فكأن لعالم الشهادة باطن أبعد في المسافة يحاول الشاعر الوصول إليه، فحين يرتبك عالم الشهادة يكون الماوراء دليلا للحائرين ومجلى الحقيقة للباحثين عنها، فكيف إذا اشتد الارتباك حتى ارتبك هذا الماوراء نفسه هو الآخر فلا سبيل إذا إلا في الرحيل إلى ماوراء هذا الماوراء لعل البدايات الحقيقية تتضح ومن ثم يتكون الخواتيم هي الأخرى على منصة الوضوح والانكشاف.
ولعل ما يدل على ذلك إن ميلاد الشاعر كان من لغة المجاز لغة الماوراء، ومن ثم يأتي الوعي من لغة هي في أصلها ماورائية ومن ثم يصبح الحل في الكشف عن عمقها الأعمق مارواءها هي ذاتها فكأن البدايات أرغمت الشاعر بقدريتها على هذه النهاية، فتشظي الواقع وانكساراته المتلاحقة هو المولد الرئيسي لهذا الوعى المحلق في عمق المعنى:
ويمتد الخيط الشعوري مع القصيدة التالية حيث يصبح المجاز بذاته مفجر الشعرية الأول على نحو ما أشرنا يقول في قصيدته،”طفل جنوبي”:
وفي قصيدة “جنوب الروح شمال القلب”، مع تجربة الحب المعتادة يجتاح المجاز لوحة العشق ليؤسس لنفسه مكانا في نسج تجربة الحب مع هذا الرشا، وباعتياد محبب للجناسات التي يغلب عليها حرف السين في مفتتح القصيدة مقبلا لحرف الشين الروي الأساسي فيها يقول شاعرنا: