الناقد : وائل النجمي
يَشُق (محمد ملوك) طريقا خاصا من الشاعرية محاولا التعبير عن الوجدان، في نمط من الخطاب الذي يُشْرِك فيه القارئ، ويدخله في حلقة البحث بتقديم الرؤية الشخصية لمعطيات الواقع، وإذا كان (أدونيس) يرى أن الابداع هو بالأساس دخول في المجهول، وأنه يتفجر من رحم
اللا معلوم[ ]، فإن (محمد ملوك) يعي ويحاول تملك معطيات اللغة، لكي يقدم خطابا يراوغ بين المعلوم والمجهول، حاثا القارئ على بذل المجهود في الإمساك بالصورة، وفي التعاطف مع الواقع الذي يتحدث عنه الشاعر، مُقدما هذا الواقع بوصفه ما يجدر أن يراه القارئ، وأن يتعاطف معه، ولا عجب في ذلك فأحد مهمات الشعر الضغط على الشعور، ومحاولة بناء علاقات داخلية وخارجية بين القصيدة، والعالم، والمتلقي[ ].
ويراوغ (محمد ملوك) منذ افتتاحية ديوانه يقول:
هنا يُذَكِّرنا الشاعر بأحد أغراض الشعر التي نلمس له الخفوت منذ فترة في الشعرية العربية، ألا وهو الفخر، وذلك نتيجة لما تتعرض له الأمة العربية من أحداث مؤلمة منذ فترة، أثَّرت ربما نفسيا على الشعراء العرب، فَنَدُرَ أن نجد غرض الفخر، وإن دققنا النظر في الافتتاحية، وجدنا الشاعر يقدم لنا فخرا وهميا، إن دعامة فخره هي الشعر، فبه وربما فيه فقط، يستطيع أن يشعر الشاعر بأن له مقدرة على مواجهة الواقع، ومواجهة مجتمعه.
ويدور الديوان عبر أربعة وعشرين قصيدة، تتنوع بين الطول والقصر، تتخذ خطا ما بين الذاتي والوطني، ما بين العاطفي الوجداني، يبث فيها الشاعر شكواه متقلدا خط الرومانسية التقليدية للشعر العربي، أقصد وجود محبوبة يأمل الشاعر في التواصل معها، وثمة هناك ما يعيق هذا التواصل، ويبدأ الشاعر في التفنن بذكر معوقات حدوث الوصال مع المحبوبة، وما يعتريه من هزائم مِن قِبَل المجتمع، تحول دون أن يتمكن من تحقيق الظفر بمحبوبته، يقول في قصيدته «فانتازيا» – وهي أطول قصائد المجموعة، يقول:
ومنذ القصيدة الأولى، يتداخل الذاتي مع الوطني، مع التاريخي،
يقول:
المراوغة بين الذاتي، واسقاط تحليل تاريخي على ما مضى، لجعله عِلَّة لعدم قدرة الشاعر – العاشق – على تحقيق الوصال مع المحبوبة، هي أحد التقنيات التي يعتمد عليها الشاعر (محمد ملوك) هنا بكثرة، حتى إنك لن تعرف في القصيدة التي يتحدث فيها عن العشق والغزل، إن كان يقصد معنى سياسي اجتماعي، أم معنى عاطفي وجداني، فالمعنى السياسي عنده يتخذ نمط التفكر العميق، ويتخذ شعره نمط التثوير وتعبأة الشعور، حتى عندما يتكلم عن الثورة ذاتها، تأتي التعبيرات بنغمة التحليل المنطقي، يبث فيها رؤيته بأسلوب التسلسل المنطقي، يقول:
إن عملية تشكيل الصورة هي أحد محددات الشعر الأساسية، وقد أشار الدكتور (جابر عصفور) إلى ذلك؛ فيقول: « لأن طريقة الشاعر في تشكيل مادته تشبه طريقة الرسام على أساس أن كليهما يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من التناسب والتألق بين عناصر مادته»[ ]، بيد أننا نشهد حاليا تطور تشكيل الصورة، بحيث لم تعد تقنية الرسم بالكلمات والاقتصار على الوصف، هي فقط احدى محددات تحقيق صورة متناسبة مع روح العصر، وإنما حل التفكير المنطقي، والبناء باستخدام متغير العصر الحديث، من إمكانيات التجسيد وتقديم منظور جديد من الصور، خاصة مع التطور السينمائي، بما يفتح الباب أمام الطاقة الشعرية لدى شعراء العصر الحديث اليوم، فيحاولون إيجاد صور كلية، يستعينوا فيها بخصائص ما تتيحها لهم السردية العربية[ ]، فيصبح الشاعر حكاء، ومصورا لمشهد سينمائي، مثلما يقول (محمد ملوك):
إذن محاولة (محمد ملوك) هي محاولة تسند إلى وجدان يعاني ألم الواقع المرير، وهو في هذه المرارة لا ينسى رومانسيته، ما يزال حالما، يعالج كل شيء من حوله بقدر من الرقة، وأمله أن يُسهم ما يكتبه في رفع الوعي، فيحقق مخاض ثورة تغير قتامة الواقع، إنه كمِثِل من يصوب سهامه إلى كبد الواقع لكي يغيره، بيد أنه فقد قوسه، فصار يضرب السهام بقوة التعبير فقط، دون أن يكون ورائها قوس يطلقها بقوة، ولا عجب، فهو منذ البداية اعتمد على الشعر وحده كسبيل لاكتسابه القوة، ولمواجهة المجتمع.