د.هويدا صالح
في ديوان”بائعة الفطير” يقيم الشاعر منذ القصيدة الأولى جدلية وحوارية مع الآخر، ما هو خارج الذات، ليقدم لنا صوتا شعريا يحاور الذات الشاعرة، إنه صوت بائعة الفطير التي تتمثل رؤية فاعلة تحاول أن تغير العالم، تحاول أن توجد مساحات للتواصل مع العالم. استعارت بائعة الفطير صوت الذات الشاعرة، وحاولت أن تقدم لنا رؤيتها للعالم:”
في قصيدة”العشاء” يقيم الشاعر حوارا بين صوتين، صوت الأنا(الذات الشاعرة) وصوت الأنت(الآخر)، وفي هذا الحوار يكشف الشاعر عن رؤية للعالم منفتحة ومتجادلة، تحاول أن تقيم جسورا للتواصل، يقول:”
في قصيدة” الزمار” يقدم الشاعر رؤية للعالم تنحاز للشعراء، تؤمن بدور الشعر، بدور المجاز في تخفيف آلام البؤساء. ورغم هذا الإيمان بدور الشعر والشعراء في حياة الشعوب الذين يمثلهم الشعراء كطبقة مهمشة من هذه الشعوب إلا أنه في النهاية يؤمن ألا شئ يخفف حدة الفقر والبؤس حتى الشعر والمجاز:”
وأخيرا إن التجربة في التيار الأول واجه الشعراء فيها الواقع والعالم، حيث قاموا بتفكيك ـ بإمكانات اللغة- الإبداع الأنطولوجى، فى العالم الواقعى أو الموضوعى وأعادوا صياغة العالم، وصياغة علاقتهم بهذا العالم على نحو يحقق الولادة الممكنة لهم ولهذا العالم.
فى التيار الثاني الذي تنغلق فيه الذات الشاعرة على ذاتها العميقة وتنفصل عن العالم، عما هو خارج الذات، عما هو موضوعي تصبح الذات أكثر ميلا إلى البوح المباشر. ويصير الخطاب الشعرى في هذا التيار يحمل ذواتًا مغايرة، لما كنا نتوقعه، أو نحلم به؛ فقد انكفأت الذات على نفسها، وأصبح خطابها الشعرى موجهًا للداخل- على حد قول عز الدين إسماعيل- فقد “يغلب على شعراء الحداثة الانكفاء على الذات، والغوص فى أعماقها وسراديبها ومتاهاتها. لقد صار الصوت يتجه إلى الداخل، حتى عندما يتجه الشاعر/ الشاعرة بصوته/ ها، لتخاطب الآخرين. إن الفرح الصرف والحزن الصرف لم يعد لهما معنى؛ لذلك يسقط من معجمها كل لغة الشعارات، وتنسحب معها كل الإيقاعات الحادة البارزة، لتحل محلها لغة الضمير المعذب”(1). كما تصبح ذات الشاعر ذاتًا وجودية عرضية حادثة أو آنية، تمثل وضع الشاعر الآنى (الآن- هنا) فى فضاء الشعر”(2).
صحيح إن عالم النص هو النسيج الذي تنغرس فيه الذات، ويشكل هيئة تحركها؛ ومهمة الناقد أن يتبين مجال اشتغال ما هو شعري بين الذات وعالم تكوينها، محدثة جدلا بينها وبين العالم، من خلال وعي جمالي يطرح أسئلة الذات تجاه العالم، والتي تشكل رؤية الشاعر له.
ودور الناقد يكشف عن تشكلات رؤى الذات للعالم من خلال مظاهر نصية تشير إليها وإلى حالها، ومن خلال الإشارة المشبعة بالذاتية التي يريد الشاعر أن يجعلها بؤرة تؤول ذاته ووجوده في النص.
إن الشاعر في التجربة الثانية أو التيار الثاني ينكفئ الشاعر على الذات، ويعود للداخل من أجل قراءة العالم، وكأن العالم يبدأ من الداخل، يقرأ الذات في خصوصيتها، في ألمها ووجعها، فرحها وتطلعاتها، ثم ينطلق إلى الخارج إن استطاع تجاوز عثرات الذات، فإن “التوجه بالنص فى الأغلب [هو] إلى الذات الشاعرة نفسها؛ فهى حين تتوجه للآخر/ المتلقى، تتوجه فى الوقت نفسه إلى ذاتها (الأنا) كى تجادلها وتحاورها لتعيـد اكتشافها مرة أخرى ومن ثم ابتكارها من جديد. إذن هل تكـون هذه الحيـاة مختلفة؟”(3).
عندئذ تمتلك الذات الشاعرة فرصة التمرد، التمرد الذي يعني في النهاية الخروج من أزمات الذات والانكفاء عليها، فالتمرد حالة من حالات الرفض للأزمات والانكسارات، فالذات المتطلعة هي ذات متجاوزة للأزمات”: “إنها لا تعرف لحظة المجد أو لحظة الانتصار، ولا تحصّل فى مسعاها بهجة الكشف أو التجلى المطلق للحقيقة، ولا تملك القدرة على تغيير مجرى الأحوال التى تقع حولها، ولا تستطيع أن تحقق فعليًّا فى واقعها ما تفتخر به سوى أن تتمرد على هذا الواقع”(4)
لكن إن وقع أسير أزمات الذات وانكساراتها لن يغادرها؛ ليقدم رؤية للعالم تكون جديرة برسالة الشعر الفنية والنفسية والأدبية. تتشظى الذات الساردة، وتحاول النهوض، لكن الانكفاء يشدها للداخل، فتظل حبيسة الانكفاء. في ديوان “روضة شاهين” ، حيث تفتتح الشاعرة ديوانها بقصيدة بعنوان”أقصى المدينة”، يتجلى فيها التشظي الذي يعتور الذات الشاعرة ويكسرها، فهي عاجزة عن الفعل، وحينما تسعى للتحقق مع الآخر الذي مرّ بها كأنها خيال يتحول بالنسبة لها إلى قبر، وما يمثله القبر من انغلاق وانزواء وانكفاء:”
في قصيدة”بيني وبيني” منذ العنوان، نرى الذات الشاعرة منكفئة على نفسها، لا تسعى للخروج من أزماتها، إنها تغوص في الذات هربا من قسوة العالم،تقول:”سرَّ بيني وبيني
وحينما تحاول الخروج من كفن الذات الذي انكفأت داخله، تسعى للتواصل مع العالم( ألوذ إليكم)، لكنها تفشل في التواصل مع الخارج، وتظل قابعة في كهف الذات:”وحين
نجد أن الذات الشاعرة تتشظى في عالمها، تبحث عن الالتئام؛ لكن ذلك الالتئام يؤول إلى تشظ، تقوم معه أسئلة مقاومة الزمن، الانزواء في الظل، في قصيدة”أقيم” نراها تقول:”
إن الخطاب الشعرى حسب توجه الذات الشاعرة؛ يفصح عما يمكن أن تعانيه تلك الذات المنكفئة، فرغم أنها حاولت أن تخرج من الداخل إلى الخارج، ومن الخاص إلى العام، ومن الذات إلى الآخر، إلا أن كل محاولاتها فشلت.حينما حاولت أن تبوح، تتكلم، أجبروها على العودة إلى كهف الصمت مرة ثانية:” فَتَحْتُ فَمي
إذن الخطاب الشعري للذات هنا يكشف محاولات الخروج التي فشلت، ولا شك أن “الخطاب فى الشعر يكون من الذات إلى ذاتها، ويكون من الذات إلى الآخر، كما يكون عن الذات فى منظور الآخر، ويكون كذلك من خلال التماهى أحيانًا مع الآخر، إنها أشكال مختلفة من العلاقات، إذا كان الخطاب فى تماهٍ مع الآخر نستطيع أن نقول إجمالاً إن الآخر فى أى شكل من أشكاله هو بمثابة المرآة التى تتجلى فيها الذات لذاتها التى يتضح فيها ومن خلالها وعى الذات بذاتها”(5).
في ديوان” أعتاب العودة” نرى الذات الشاعرة منكفئة على عالمها، حينما فشلت في تحقيق أحلامها مع الحبيبة، تعود الذات منهزمة، تتقوقع في الداخل، بعد أن فشلت في التواصل، فتعود منهزمة للداخل، تجتر انكساراتها:” لم يَختبرْني طريقٌ إليكِ
في قصيدة”طيف ومدى أزرق” تواصل الذات الشاعرة كتابة انكساراتها وهزائمها، إنه الانكفاء للداخل، دون أن تقيم جدلا مع العالم، دون أن تتمرد على الهزائم:”
في قصيدة” فوق السحابة” تنفصل الذات الشاعرة عن العالم نتيجة ما عانته من هزائم، وتغرق في رومانسية تعزلها عن هذا العالم، فهي لا تريد أن تقيم حوارا أو جدلا معه، فقط تكتفي بمقعدين وحيدين لها وللحبيبة بعيدا عن الآخر الذي يمثل العالم الواقعي:”
كذلك في ديوان “يوسف عابد” منذ القصيدة الأولى”رحيل إلى المجاز” ومن عتبتها النصية الأولى(العنوان) يتجلى انكفاء الذات وعزلتها في رفضها للواقع، وعدم قدرتها على إقامة علاقة جدلية مع العالم، فيهرب للـ “المجاز” بما يمثله المجاز من عدم واقعية، وبما يعتبر جسرا للهروب للداخل، لداخل الذات الشاعرة :”
كما أن الوحدة والهروب للداخل يتجلى كذلك في القصيدة الثانية من الديوان، وهي بعنوان”ثقب في جلباب الظلام”
كذلك يواصل رصد انكفاء ذاته الشاعرة وغرقها في آلامه ووحدته، في قصيدة “سفر المأساة”نراه يرصد تجليات الوحدة وعثراتها.
وهكذا نرى أن تخلي الذات المنسحبة من العالم المنفصمة عن الواقع الاجتماعي أو التاريخي يصير تخليا بالتالي عن إقامة جدلية مع العالم في كليته وانفتاحه، أي على الداخل والخارج معا في سياق تحولهما وصيرورتهما معا، ووقوعها بدلا عن ذلك، ضحية الانغلاق على العالم في جزئيته وانغلاقه، أي على الداخل فقط، في محدوديته وثباته.
إن تخلى الذات المنسحبة في هذه التجربة عن موقع المواجهة مع الواقع على هذا النحو، إنما يعني بالأساس تخليها عن إمكانية الضرورة، بوصفها شرط الحرية، ومن ثم، عن إمكانية “الهم الحقيقي”؛ هم الوجود النابع من معاناة الواقع في حضوره، من ثم، في سياق تحول عالم رؤياه، فالذات الشاعرة في سياق هذه التيار الذي مثّلته الدواوين الثلاثة المخطوطة تختلف عن تجارب دواوين التيار الأول في انفتاحه على العالم.