حين يكون الشعر مستراحا من كل ما يعوق الوجدان لينطلق معبرا عن كل ما يعتمل به من رؤى ومعاناة، تكون شعرية البوح والفضفضة التي تحاول التواصل مع غيرها بشفافية وانكشاف يجعل من فعل التواصل وسيلة للمشاركة والتأمل المشترك بين المبدع والمتلقي، فهذا الديوان “الجزامة” بهذا العنوان المباغت “الجزامة” وبنصوصه الثمانية عشر، يجعلك تدخل عباب تجربته مستريحا لهذه اللغة المباشرة التي تقترب من المستوى المكي الحياتي الطبيعي الذي ربما مارسناه ولا ندرى أننا في فضاء من فضاءات الشعرية المراوغة التي تستعصي على التحديد ومن ثم القبض عليها بفهم واحد جامع مانع.
أقول هذا لأنى حين بدات القراءة ظننت هذا القرب وهذه المباشرة ستجعلان من قراءة الديوان مستراحا بين الدواوين الأربعة التي حاولت قراءاتها لكنني كلما مضيت مع الديوان استحالت هذهه اللغة البسيطة إلى مستويات وطبقات تعلو حتى يتلبس بها المجاز والتخييل بالصورة بعفوية لا تجعلك تفارق الإحساس الول بالبساطة لكنك تتاكد أنها بساطة معقدة أو قل انفجرت من قلب تعقيدات الحياة بتفاصيلها التي ربما غاب عنا تاملها في وضعها الشاعري بين اظهرنا دون أن ندري. وربما كان الديوان بمجموع نصوصه ينطلق من فهم واقعي للشعر والشعرية، حيث يصبح الواقع هو مجلي التشعير ودافعه الأول نحو مجازية الرؤية التي ينسج خيوطها الوعي الشاعر الوعي المتالم، ومن ثم تبدا متعة التلقي مع طبقات التاويل التي يمكن أن يثيرها النص.
ذلك الناويل الذي يمنحك قدرا كبيرا من التعاطف مع التفاصيل داخل القصائد مرورا بتمثلها في التجربة الحياتية الخاصة بعمومها لدى الناس جميعا وانتهاء بجوهر شعريتها التي تعنى هنا الجوهر القابع فيها والذي قليلا ما ننتبه غليه كما قلنا.
وشعرية النصوص هنا وأدبيتها بوجه عام تُدركُ من طرف خفي، من عدد من المساحات الضافية بين جنبات النصوص، وأولها مساحة الاختلاف مع المجموع، اختلاف الشاعر مع المجموع من ىحوله في فهم طبيعة الشعرية على نحو يخصه، من هنا تفجئنا النصوص باستراتيجيتها الأم أو قل واقعيتها وشجاعتها في هذه الواقعية التي تبلغ حد الاعتراف، وذلك بالتحديد في النص الخامس من نصوص الديوان، نص “الكلاب”، يقول الشاعر:
فتجربة الشاعر هنا تري في الواقع حولها شكلا من أشكال التواطؤ على الزيف بحيث لم نعد نرى ما تحولنا إليه من حيوانية تبرزها عناوين الصحف والمواقع الإلكترونتية صباح مساء، فكأنها الفضفضة والمكاشفة والفضح بهذه اللغة التي تغلب على خطابنا المحكي حيثما اجتمعنا ودار بننا السمر دون العروج إلى لغة مضببة تدعي السباحة وراء لولؤة المستحيل.
فهذا هو الدليل على ما قلنا أن الزيف يحتاج الصراحة والمكاشفة والصدح بالحقيقة مهما كانت مرة، ةوكأني بالشاعر يتمثل أو قل يمضي على الطريق نفسها طريق الشعراء الذين يرون في الشعر نارا تحرق الواقع وتقتله، لتخرج من الجوهر الحقيقي المكنون والحياة الحققة المحبوسة في قمقم الزيف والادعاء، ولعل من هؤلاء الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل الذي يقول في إحدى قصائده:
والشاعر هنا بنثرية متعمدة يقتنص من الواقع جوهره البعيد عن الزيف، ولعل اللغة المباشرة المعَّاة من المجاز المعتاد، ونقول المجاز المعتاد؛ لأنه مجاز من نوع خاص تتشكل مقوماته من لغة تعكس الواقع نفسه، بحيث يتخلق من بنيات هذا الواقع ومقوماتهمتناميا عبر نصوص الديوان حتى نصل إلى النص المركز “الجزامة” الذي ربما يكون التطبيق المباشر على ما نقول، والخلاصة هنا أن مجازات الشاعر تخلو من القصدية التي هي أساس من أسس الشعرية التي تمضي قاصدة التخييل أو الترميز أو الكنايات.. إلى لآخره.
ولماذا أذهب بكم بعيدا وبين ايدينا النص الأول الذي يصلح مفتاحا من مفاتيح شعرية الديوان أقصد نص “المقدمة” فالشاعر ارتضى أن يلح على الوعي المتلقي بأن ثمة مقدمة بين يديه لرحلة قد تطول بين قصائد الديوان، فكانها المقدمة للرحلة تختصلر البداية والنهاية وتضع العلامات الإرشادية للمرتحل بين جنبات القصائد مستريحا هادئا متاولا مرة، وعابرا في سرعة مرات، يقول الشاعر في مقدمته:
على هذا النحو يستسلم الكاتب لهواجس الكتابة، ببساطة تستعصي على الفهم إن لم نكن نحسن الظن به على النحو الذي ابناه من قبل، هذه البساطة التي انفجرت من عمق ماساة ورؤية تزلزل وجدان الشاعر الواعي جدا بالواقع من حوله، وهو ما يتاكد حين تنمو الفضفضة شيئا فشيئا لنجدنا أمام هذا الولد الحزين الذي يرقب الحياة من حوله الذي يبحث عن هذه البنت التي تختصر الحياة بكاملها أو تختصرها الحياة، يتفقدها صبحا ومساء كما كان سليمان يتفقد طيره، هذه البنت التي تستحيل مع السطر الرابع في القصيدة إلى محض أحزان هي احزان هذا الرائي الذي يتفقد الحياة من حوله، حتى تستقر هذه الأحزان بقلبه فإذا غاب منها حزن حزن على حزنه فتتعقد المسألة لنجدنا في عمق ماساة تقبع خلف هذه اللغة الواضحة الشفافة بما تفجره فينا من احاسيس، يقول الشاعر:
والتفتوا معى إلى صورة من صور تخلق المجاز في النص وتناميه وبالتحديد في قول الشاعر:
هنا مكمن شعرية القصيدة حيث تصبح كالمنديل الذي يلملم به الشاعر اطراف القيدة في نهاية الرحلة وهو الأمر الذي يعد علامة من علامات شعرية هذا الديوان حيث خواتيم القصائد صورة تكتنز الواقع بمجازية مركزة فيها خلاصة البوح والاعتراف عن وجد.
وحتى لا تطول بنا الوقفة هنا اسمحوا لي أن أطوى مسافات بكم في رحلة الديوان لنقف مع النص المركز فيه نص الجزامة: الذي يقول فيه الشاعر:
فالقصيدة تامل بسيط وربما تصور البعض سذاجته على نحو ما لكن ما إن يمضي مع سطور النص حتى تبدا شعرية النص في مناوشته بهذا التامل الدقيق لتفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية وكيف تعكس هذه التفصيلة وجها من وجوه الحياة التي كنا في مرحلة ما نحتاج أن يتاملها لنا الخبراء الاستراتيجيون وكهنة الأفكار، لكن الشعر يبرز هنا أن الشاعر إذا ما استطاع ان يفك اغلال التانق وإذا ما استطاع أن يفارق غرف العناية المركزة يستطيع ان يتامل قضايا الإنسانية الكبرى بهذه البساطة المباشرة الدقيقة التي تلقى بظلال شعريتها دونما افتعال واحتشاد تغيب مع الحقيقة اكثر مما تبين.
هذا ما يمكن ان نطالعه في النص السادس “عيون أمهاتنا”، بالرغم من حمولة الثأر فيه وهي حمولة بغيضة على نفوسنا جميع إن صح القول وكذلك في الن السابع “بلا إنجازات” الذي يبلغ بلغته الشفيفة حد الاعتراف وهو أمر غير معتاد في الشعر وفي الجنوب على نحو أخص وغن توفر لدي الكثير من غير الجنوبيين، ولعل النص التاسع “أرقص” خير دليل على ذلك.
مع ملاحظة شفيفا جدا تصحح لشفيف جدا