خالد طايع
لعل الذى أوجد لهذا المحور مكانا فى الدراسة هو حديث الشاعر فى أكثر من موضع عن تصوره للشعر وعلاقته به ودوره فى حياته ، ودوره فى حياة الناس كما يتمنى :
* فى قصيدة ” وشوا به للحنين “ نجد أنفسنا أمام طرح لمفهوم الشعر ودوره ورسالته ، يقول الشاعر فى أول بيتين :
والبيت الثانى يشير بوضوح إلى الملحوظة التى سبق طرحها فى المقدمة والخاصة بالتعبير الشعرى ، حيث الميل للتجريد مما يفتح باب التأويل لطرح دلالات عدة يمكن للقارئ الوقوف عليها ، ومما يمكن فهمه من هذا البيت ؛ أن الشعر لن يكون شعرا إذا لم يدافع عن المحزونين ( فالبنفسج رمز للحزن ) العاشقين أو المظلومين المهمشين الذين جرحتهم الحياة وأصابتهم بألمها .
أما البيت الأول فصريح في التعبير عن مفهوم الشعر ودوره ، إذ يختزله في ( التطريب ) والغزل . يتأكد هذه المعنى فى الأبيات الأربعة الأخيرة حيث تحضر المرأة / المحبوبة التى تجعله متمسكا بوجوده فى الحياة :
ولا تخفى دلالة التعبير عن الشاعر بكلمة ” المغنى ” إنه تأكيد لمعنى التطريب .
ورغم انفتاح باب التأويل على دلالات أخرى للمرأة قد تجعلها معادلا للوطن أو حتى القصيدة ذاتها ، فإن المرأة /المحبوبة هي الأقرب للحضور .
وفيما بين بداية النص ونهايته يتساءل الشاعر عن الشعر وكيف استوطنه وابْتلى به :
إن الحديث عن الدور التطريبى للشعر جعلنى استحضر دون وعى المفهوم المقابل للطرب فى المعجم الشعرى ، وقد وجدته متمثلا فى ( الغضب ) والشاهد على ذلك قصيدتان ؛ أولهما لنزار قبانى ” من مفكرة عاشق دمشقى ” يقول فيها :
والثاني لمحمود درويش وقد وضعه فى الصفحة الأولى لأعماله الكاملة ، وكأنه ينبه القارئ لما سوف يقرأ وطبيعته ليعد نفسه لذلك ولا أدل على ذلك من أن عنوان القصيدة هو “إلى القارئ” والقصيدة تؤكد معنى الغضب ويكفى أن نشير منها إلى قوله :
والحق أن هذه الأقوال لا تُعد حكما فاصلا على الرؤية النهائية لوظيفة الشعر كما يراها الشاعر ، فالمحك هو مجمل الممارسة الشعرية ، فمن العجيب أن ينفى نزار – وهو شاعر المرأة الأول وأشهر من تغزل بها فى العصر الحديث – عن الشعر الطرب ، بينما شعره – إجمالا – غارق فيه ، كما أن مسيرة درويش الشعرية ، وهى عريضة ومتسعة ، لم تقتصر على الغضب الزاعق ، بل لعلها لم تقربه إلا فى مناطق محدودة . والديوان موضع الدراسة – وإن شهد غزلا أحادى الدلالة يقتصر توجهه للمرأة المحبوبة دون سواها – فإنه شهد حضورا لدلالات مختلفة للمرأة سنقف عليها ، كما أنه احتوى على غضب يمكن وصفه بأنه غضب صامت فى مواجهة العالم ؛ فالذات التى تعلن رفضها لهذا العالم ورحيلها عنه أو الخروج فى رحلة للبحث عن معنى لوجودها هى فى الحقيقة ذات تمتلئ بالغضب قدر ما تمتلئ بالحزن والاغتراب .
* ومن اللافت أن نجد للشعر حضورا فى القصيدتين اللتين أشرنا إليهما عند الحديث عن الذات ، وهما ” عصفور وهذا قفصى “ و ” على باب غرفتك المستعارة ” :
– فى القصيدة الأولى تخشى الذات المغتربة المتألمة أن يداهمها الوقت دون أن تلتقى بالحب ودون أن تحقق حضورها الشعرى فى العالم :
– وفى القصيدة الثانية تحتاج الذات المرتحلة عن الخوف والباحثة عن الحب إلى أمور عدة منها الشعر :
الموضعان يشيران صراحة إلى رغبة الشاعر فى أن يكون لشعره حضور بين الناس ، فتصير قصيدته مقروءة ومتداولة وجزءا من حياة الناس .
صحيح أن القصيدة لا تفصح عن أن الذات موضع النص هى ذات الشاعر ( أعنى الشاعر بالمفهوم الأشمل ) لكنها المرجحة للحضور ، وما يعنينا هنا هو الإشارة إلى أن دور الشاعر مرداف لدور النبى فى مواساة جروح الضعفاء .
* يطالعنا مفهوم الشعر مرة أخرى فى قصيدة ” مكابدة الدخان “ والسؤال المحورى فى النص ” لم الشعر ؟ ” ومن يجيب على هذا السؤال هو ” المحب ” وإجابته المتكررة ( هى الشعر ) :
ومع اقتراب النص من مفهوم التطريب إذ يشير إلى المرأة أو الفتاة / المحبوبة ، لكنه ليس أحادى الدلالة ؛ فحضور المرأة / الوطن أو حتى المرأة / القصيدة ليس تكلفا بل لعله أمر واجب يمنح النص تعددا فى الدلالة ، هو من مقتضياتها .
* وهو ما نجده فى القصيدة التالية لها والتى اختار الشاعر عنوانا طريفا لها ” – …..؟ – ……” يستهلها بسؤال مسكوت عنه ، نفهم من الإجابة أن السؤال هو : ” ما الشعر ؟ أو ما القصائد ؟ ”
فالقصيدة – كما يرى الشاعر – هى محاولة لتجميل العالم ، لا ينال منها الشاعر إلا الإعجاب من أناس لا يدركون أوجاعه . والنص يعيد المراوحة بين القصيدة والمرأة والوطن ، فأيّاً من كانت المقصودة هنا فإنها لم تأتِ رغم طول انتظارها لتُسلم الشاعر / محبوبها / المناضل للوحدة والعمى والكذب والتعاسة والإفلاس .