يُتَّهم شعراء العامية بأنهم ضد القومية العربية نظرًا لاختيارهم اللهجات المحلية لغةً لإبداعاتهم الشعرية، كما يُنظر إلى الشعر العامي نظرة محدودية دونية سوقية مبتذلة، مقارنةً بالشعر الفصيح. ولعل الدافع وراء (المغالاة في) الحكم على هذا الفن بالابتذال اللغوي والسوقية الفنية وتذويب الهوية القومية ـ هو الغيرة على اللغة العربية الفصحى أمام مد العامية التي يُخشَى أن يجد فيها الشعراء والمبدعون بديلا عن الفصحى. إلا أن هذا الحكم يتهاوى إذا ما تدبرنا الدوافع الكامنة وراء اختيار الشعراء العامية المصرية في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات ـ أمثال بيرم التونسي وصلاح جاهين وفؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم ـ اللهجة المصرية لإعلان انحيازهم للطبقات الشعبية من الفلاحين والعمال والجماهير؛ للتعبير عن أحوالهم وأوجاعهم بلغة مألوفة لديهم من خلال القصائد والأغاني العامية. وهو حراك فني مثَّل مدًّا ثقافيًّا قوميًّا مصريًّا انصهر في كيان الإنسان المصري المهموم بلقمة العيش والمتمرد على واقع لا يرضاه. وهذا ما أدركه العقاد مبكرا حين قرر أن “اللهجة العامية التي اتخذها بيرم أداة له في الكتابة لا تتناقض أبدا مع العروبة والثقافة العربية، لأن بيرم لم يكن يكتب بالعامية ليعبر عما هو إقليمي ومحدود، بل ليعبر عن الروح العربية بلهجة شائعة من اللهجات التي يتكلمها العرب في حياتهم اليومية”.
وشعر العامية فن مكتمل الملامح الشعرية من وزن وقافية وإيقاع وصور فنية وإيحاءات رمزية ورؤى فلسفية وعوالم شعرية وقيم جمالية وأنساق ثقافية ترتكز على الأعراف المجتمعية والموروثات التراثية. والمقارنة بين شاعر العامية وشاعر الفصحى لا ينبغي أن تُختزَل في المقارنة بين العامية والفصحى؛ وإنما هي مقارنة بين شعرية الشاعرين. فإذا كان شاعر العامية مطبوعًا موهوبًا، فإنه يطرِّز إبداعه بحلي المفردات الثقافية والصورة المركبة التي تفقد أنساقها اللهجيَّة المحدودة لتعبر عن أنساق ثقافية وأفكار فلسفية مضمرة قد لا يأتي بها شاعر الفصحى المتكلِّف. وإذا كان شعر الفصحى يتفوق بأفضليته وأصالته وتفاعله مع القضايا الكبرى، فإن شعر العامية يتفوق بسعة انتشاره. وأما قضية الفصحى والعامية فقد حسمها اللغويون؛ فكلتاهما تمثل مستوىً لغويًّا له خصائصه الصوتية والصرفية والمعجمية والتركيبية. والفصحى فصاحات (منها الكلاسيكية والمعاصرة)، والعامية عاميات (منها عامية المثقفين، وعامية المتنورين، وعامية الأميين). والعلاقة بين المستويين علاقة ازدواجية في استعمال المجتمع؛ لكن الذي يعنينا في هذا السياق هو أن ثقافة المجتمع تستوعب النمطين، وإن كانت العامية أكثر التصاقًا بالحياة اليومية وما تفيض به من حاجات وخبرات واهتمامات لشرائح مجتمعية واسعة.
ومن هنا، فإن تجاهل القراءة الفنية اللغوية الثقافية التاريخية لشعر العامية نوع من التهميش والابتذال والتعصب الفني الذي يرفضه المنهج العلمي. وليس الغرض من قراءة الشعر العامي الدعوة إلى تكريسه أو تقعيده أو اتخاذه بديلا عن شعر الفصحى؛ وإنما قراءته بغرض استكشاف الأنساق الثقافية التي يضمرها، والقيم التراثية التي يرسخها، والرؤى الفكرية والفلسفية التي يطرحها، والهموم المجتمعية التي يعبر عنها في ثوب شعري إبداعي يسلك دروبًا ربما لم تُطرق من قبل. وهناك فرق بين الدعوة للعامية بديلا عن الفصحى، وبين التماس الشعرية في العامية أو في الفصحى. وفي هذه الورقة، أطوِّف في فضاءات واحد من الأعمال الفنية التي تفيض بالشاعرية في قضاياه التي يتناولها، وفلسفاته التي يطرحها، وصوره التي يغزلها، ومفرداته التي الشعرية التي يختزل فيها معاني عميقة، ورموزه وتوظيفاته للموروث الحضاري والتاريخي والديني، وقيمه الجمالية وأنساقه الثقافية. النموذج الذي نقرأه في هذه الصفحات هو ديوان “آخر صلاة” لشاعر العامية حامد عامر؛ نستجلي فيه بعض الأنساق الثقافية المضمرة والقيم الجمالية والصور الفنية والإيحاءات الرمزية التي يزخر بها هذا العمل.
أول ما يستوقفنا في هذا الديوان هو عنوانه “آخر صلاة” المفعم بمعاني الوداع، واللجوء إلى الله، واستمالة المتلقي ليتجاوب وجدانيًّا مع هذه اللمسة الدينية، وليتعاطف إنسانيًّا مع هذا المودع.
الملمح الدلالي العام الذي يمكن ملاحظته من عناوين هذه القصائد هو اختزالها للقضايا التي يتناولها الشاعر في مجموعته الشعرية، فقصيدة “السقف البوص” على سبيل المثال، وقصيدة “كل القصائد وجع”، وقصيدة “كترت في الأحلام”، وقصيدة “نزيف غير مطابق لمواصفات العاصمة” كلها تفيض بمعاني المكابدة والمعاناة الحياتية التي تعيشها الطبقة الريفية المهمشة. أما قصيدة “مريم”، و “العامرية” فتوحيان بتجربة العشق الذي يعيشها الشاعر. وفي قصيدة “لأنه”، و”شبيه النيل”، و”موسم الهجرة”، و”حافظاه الشوارع صم” ينسج الشاعر هموم الشاب الباحث عن لقمة العيش. ويتكون الديوان من ثلاثين قصيدة، هي:
| · لإنه | · علامة تنصيص | · سفر الوداع | · سطرين |
| · آخر صلاه | · بعد التحيه | · مانيش من نسل آل عمران | · شبيه النيل |
| · سموكن | · ورد | · تجلي | · حي علي الصلاه |
| · تصاوير | · العامريه | · سجده للترتيل | · تسعه ملي |
| · قماشه | · ريق | · حافظاه الشوارع صم | · طقطوقه |
| · السقف البوص | · زي الثبات فالحرب | · كل القصايد وجع | · كلام فالمطلق |
| · طوفان | · هامش داخل المتن | · موسم الهجره | |
| · كترت فالاحلام | · مريم | · نزيف غير مطابق لمواصفات العاصمه | |
بهذا الإهداء الذي تتمازج فيه المفردة البسيطة بالمشاعر الإنسانية النبيلة، اختزل الشاعر فلسفته كسحابة تلقي بظلها على من يلتمس عندهم معنى الحب والعطاء والولاء، ومصدر الإلهام في وطنه، والأحلام المترددة.
يلخص الشاعر تجربته الشعرية في هذه المقدمة الرمزية التي يحادث فيها نفسه عن عمره المحترق وقلبه المتفحم وابتسامته الدامعة والحزن المختلج بداخله. وفي محاولة لمقاومة هذه المعاناة التي تئن بها الطبقة الريفية المهمشة، يهمز الشاعر ثنائية المجتمع التي تنتصف فيها الحياة بين شقي وسعيد. وفي صورة فنية عميقة، يعبر الشاعر عن حرقة ذاته الفنية ورسالته النبيلة دون تقدير.
وفي إحدى عتباته، يستوحي الشاعر حادثة الطوفان وسفينة نوح؛ ليجسد ناموس الحياة الذي يحكمه قانون الحب والعشق الذي يتفجر طوفانه في داخله الولهانة. يقول ببراعة:
وفي عتبة ثانية، ينسج الشاعر بإبداع فائق حواريةً أفلاطونيةً فلسيةً يسأل فيها شخصيةً رمزية عن بعض الأحاسيس الدفينة التي تختلج بداخله كالوجع والألم والكينونة الذاتية؛ فيتوالى الحوار المتجاوب حتى يعجز عن الإجابة فيرد بصمت متألم: آآآه. يتساءل:
في قراءة “آخر صلاة”، سأحاول أن أطوِّف ببعض الأنساق الثقافية والقضايا الكبرى والسمات الجمالية التي استوقفتني في هذا الديوان، من خلال العناصر الآتية:
2 Comments