وهذا التيه – ان صحّت التسمية – إن لم يفهمه القارئ ، سيحسه وسيشعر به ، وليس معني ما أقول أن الوعي الباطن سيلغي الوعي الظاهر ويمنعنا أن نري الدنيا ، ولا يجب أن نفهم أي نص ، وكأنه خاضع للرصد ، فمن العبث أن يتحول الرمز إلي مجرد عناصر، وعلامات أو إشارات للوصول إلي المغزى ، لأن الرمز تورية موجودة في الحياة كما في الفن كما أشرنا آنفا ، ولكننا قد نستغنِى عنه في الحياة ، ولا نستغنى عنه في الفن ، فلا يوجد نص فني دون أن يكون نصا رمزيا ، أو له بعده الرمزي ، وهنا يمكن التفرقة بين الرمزية وبين أبعادها ، فالرمزية لا تظهر نفسها ، أما أبعادها فهي البرهنة علي وجودها ، وإن غابت عنها الدلالة ، انغلقت علي نفسها وأصبحت نصا لا انحراف فيه ، خاليا من التأويل ، أي من الرمز ، أي من الفن ذاته ، وقد لا أكون مغاليا إذا قلت أن الرمز ألصق بالشعر من النثر ، ولم يكن العربي القديم يهّرف حين أطلق حكمته البليغة بقوله أن ” المعني في بطن الشاعر ” والرمزي – أو الباطني – هنا – هو الأصل ، وكأنه الولوج إلي العتمة ، أو محاولة استكناه المجهول ، ويمكن أن تتجاوز الرمزية في القصيدة مثلا ، حدود الطاقة اللغوية ، أي أن أبعاد الرمز فيها لا محدودة ، وفي حالة اتساع دائم ، أشبه بقول – النّفري – كلما ضاقت العبارة اتسع المعني ، بحيث يسمع الإنسان ما لا يسمع ، و يرى ما لا يُرى ، الكلمات إذن في الفن ليست الكلمات ، ولكنها حياة الكلمات ، أي كيف أصبحت شيئا مختلفا رغم أن حروفها لم تتغير ، ولكنها وفق تركيب معين لا تعطيك ذاتها للوهلة الأولي ، وهي أشبه بإنسان سمته يبدو مبتسما ، لكن ما يعتمل بداخله من حزن وأسي لا حدود له ، ولكننا إذا دققنا النظر جيدا ، فسنرى أو نسمع نبرة صوت محشرجة ، أو تقطيبة وجه منكسرة ، أو ارتجافة يد خائفة ، وهنا سندرك العمق ونصل إلي المعنى . في ضوء ذلك يمكن القول أن أبعاد الرمز في الأدب هي نوع من الكتابة ، أو هي الكتابة ، وأعنى بالكتابة هنا تلك التي تقوم علي رفض الظاهر ، واختراق الباطني الغائب الذي يمكن تأويله باستمرار ، أي أنه يمكننا القول أنه ليس المقصود بالكتابة الأسطر من الكلمات ، والتي ينتح عنها معني ” محدد ” ولكنها فضاء له أبعاده الرمزية ويمكن مقاربة معانيه من خلال ثلاثة مراحل ” ما وراء اللغة ، ثم الأسلوب الخاص بصاحبه ، ثم أبعاد الرمز ودلالاته والتي سيشارك القارئ في استخراجها … وقد نحتاج إلي قراءة القصيدة التي عنون بها الشاعر ديوانه – معنى على التّل – لنتعرف علي طقوسية الأداء الفني للشاعر ، وبعض أبعاد الرمز عنده ، وأزعم أنها قد تمنحنا مفتاح ذائقة الشاعر ورؤيته معنى على التل
وكما قرأنا فإن تعبير – معنى على التل – تعبير مصحوب بالانفعال الجمالي ، والنص كاملا يجيء علي درجة عالية من الانسجام والترابط لتكوين كليّة القصيدة التي تتراص مفرداتها شبه العادية ، ومن خلال تتابع المعني الظاهري تتجاوز – اللغة – ذاتها إلي دلالات جديدة ذات مغزى رمزي ، وبالأحرى الرمزي هنا هو المنتج المتخيل من النص ، فإلي ماذا تقصد القصيدة ، وأي قيمة فنية رمزية يريد الشاعر إيصالها إلينا عبر نصه ؟ … ” معنى علي التل لم يعد لأتركه ولم يدعني إلي ظل له أصل قالوا: وكيف وصفت الحال بينكما ؟ فقلت: منفصل عني .. ومتصل ” فمن الواضح أننا بإزاء رؤية تتأسس من خلال متن شعري حواري يسائل فيه الشاعر شعره من جهة الشكل والمضمون ، ويشكل من جهة أخري ذاته وهمومها الشعرية والإنسانية ، وأيضا معاناته في الواقع الذي يعيش فيقول : ” وقد مشيت إليه ما عرفت ونيً مشي السحابة لا ريث ولا عجل ” وهو نوع من الخطاب الشعري الرمزي سيواجه القارئ في الديوان كله ، فسؤال الشعر والبحث عن معناه ، هو ذاته سؤال الذات ومحاولة استكناه ماهيتها ، ومراوغة المعني ، و مراوغة الواقع ، فالتل هو التل ، وليس هو في اللحظة ذاتها ، والمعني علي التل ، وليس عليه أيضا ، وربما يشير إلي أن المعني موجود – علي قارعة الطريق ، أو فوق تل ، المهم من ينتبه لوجوده ، وهو ما يؤكده الشاعر : ” وكلما قلت : صار الأمر تحت يدي إلا هنيهات … يخزيني وينفتل هكذا يكتب الشاعر بعيدا عن تزوير المشاعر ، وأيضا بعيدا عن البرود الفكري ، فالشاعر طليق وحر وقادر علي التعبير دون تعقيد لفظي ، أو تصوير مبالغ فيه ، فيكمل تعبيره بالقول أخشي عليه صوابا أن يحل به يوما … وأخشى إذا ما شابه زلل … وكما نرى فإن التماثل بين العناصر الداخلية للنص شديدة الدقة ، وأيضا التنوع رفيق التماثل ، وقد يجيء كما لو كان مكرراً ، لكنك لا تستطيع أن تستغن عن التكرار أو تظنه بديلا لصورة أو معني ، مثل قوله :- معنى علي التل والوادي العميق هنا … ثم يردفها بقوله : – معنى علي التل والوادي العميق أنا وهذا الذي قرأناه ليس تكرارا ، ولا يمكن استبداله بمعني أخر ، ولكنه تنوع بمنطق بنائي ، أي أن هناك علاقات بنائية تشير إلي معان عميقة من خارج النص ، ومن داخله – فالوادي العميق ” الأولي ” ، تختلف عن الثانية ، فالأولي تتكلم عن واد عميق خارج الذات – أي مرئي ، أو مادي أو حتى نظن أنه وادي عبقر الذي توهمه صناع الشعر الأول ، أما الثاني فعن واد عميق أخر هو الأنا ، وكأن أبعاد الرمز في شعر شاعرنا تقع بين بنيتين هما :
وقد يستلزمان من الشاعر أن يعبر بصيغتين تعبيريتين متلازمتين كما أشرنا آنفا ، وهي حالة أو تركيبة صعبة جدا لا يقدر عليها إلا الأصفياء من الشعراء نتيجة أن مصدرها غالبا اللاشعور ، وقد لا أكون مغاليًا إذا قلت إن شعرية – صقر عليشى – تتعامل مع الكون المادي ولكنها لا تهتم له ، فهو يرّمز كل شيء مادي ، ورغم أن علاقة الشاعر مع الوجود هي العلاقة المادية ، إلا أنه يعيش فيه لا لينقله لنا ، ولكن ليحّوله إلي وجود شعري ، فليس الوجود في حقيقته ” الأشياء” ، ولكن ما تقوله الأشياء كما يقول هيجل ، لأن نظرة الشاعر للوجود هو أن يصبح وجودا إنسانيا ، أي وجودا شعريا بالدرجة الأولي ، وتكشف القصيدة آنفة الذكر – معنى على التل – عن جهد بنائي رمزي معين ، ويجوز أن تكون كافية وحدها لتمثيل شعرية ” صقر عليشي ،” بين المادي وهو التل ، سواء كان حقيقيا أو وهما ، وبين الروحي أو المعنوي وهو المعني ، والمعني بلا حدود ولا تصور ، ويتمثل في تنويعات باطنة وظاهرة يلعب الرمز فيها دورا فاعلا وهي الغاية الأساسية للشاعر الذي يجعل للمعني وجودا ماديا بطريقة ما ، كتعبير الباطني عن الشيء الظاهر ، وبالانتقال إلي قصيدة – عنب – سنجد أن لصقر عليشي أسلوبه في لعبة التدقيق في التعبير بمنطق الفن التشكيلي – النِسَب – ليحدث التآلف أو الانسجام بين الكلمات والحروف والمعاني لدرجة – الكمال – يقول :
إن محاولة الشاعر أن يستقل عن ظاهر الطبيعة المرئية أمر ليس سهلا ، إذ أصبح عليه كفنان أن يري ما لا يُري ، وأن يدرب روحه علي معرفة الأشياء معرفة مغايرة ، لا تتوقف علي الرؤية المباشرة ، بل تتخطي كل هذا حتى في إيقاع الكلمات السجعي إلي إيقاع روحي – باطني – له تأثيره في النفس أشد تأثيرا من الإيقاع الظاهر ، لأن الأشياء كالعنب مثلا – والتي سيحيلها القارئ إلي مصدرها الطبيعي – الشاعر يستخدمها كرموز ، وأيضا كحقيقة مغايرة ، باعتبار أن العنب هنا ليس العنب الذي نعرفه ولكنه أصبح عنب الشاعر يقول :
وهنا يكشف لنا الشاعر عن عناصر أو رموز جديدة ، من خلال ما طرأ علي العنب من تجليات جديدة ، وقد يظن القاريء أن الشاعر من خلال الرمز ينفي وجود العنب مثلا ويقصد به شيئا أخر ، وهو تفكير غير صحيح ، وحدس ليس في محله ، فالشاعر يجعل للعنب فوق عناصره الطبيعية الظاهرة عناصر باطنية أيضا ، وهذه مهمة ليست سهلة ، لكنها تنبىء عن شاعر يدرك القيمة الباطنية للفن ، في وجود الشكل الظاهر كاملا …
وهنا هل يمكن القول أن العنب هنا يرمز لشيء ما ، بالطبع لا ، ذلك أن الشاعر يلاحقه ليحيل معناه إلي الأدب ، ولهذا لا يصح أن نحصر الرمز في قصيدة صقر عليشي في تشبيه أو إيحاء أو صورة ، أو إشارة من أي نوع ، ولهذا فإن أي تحديد لأشكال الرمز، أو حصرة في حدود معينة ، أمر غير مستحب في تجربة شاعر كهذا ، ولنضرب علي ذلك مثالا ، فمثلا قصيدة محمود درويش يطير الحمام – كما يقول د/ أحمد الزعبي ، أن درويش وظف الحمام كرمز للسلام المفقود في وطنه وفي نفسه يقول درويش :
في إشارة إلي حلم السلام الذي يراود الشاعر وحبيبته ، أو الذي يضيء وينطفيء في حياة شعبه الذي ينتظر هذا السلام المتأرجح بين الأرض والسماء – ولكن الحمام شكلا ومضمونا ليس هو المعني في القصيدة ولكن الشاعر استخدمه للإشارة إلي شيء ليس الحمام جزءا منه مطلقا ، إشارة أو رمزا ليس في القصيدة مطلقا ، وهذا النوع من الرمز – صقر عليشي – ليس معنيا به ، فالعنب ، هو الشيء ورمزه ، وشاعرنا وصل إلي مرحلة ، لا يكلم الناس – إلا رمزا ، وهذه القصيدة و إن كانت قصيدة عنب ، لكنها أيضا عنب القصيدة .. ومن المعلوم أن أشكال الرمز المتعددة ليست قدرا مكتوبا ، فمن المؤكد أن هناك بعض الكتابات الرمزية التي قد لا تكون لها نظائر يقاس عليها تنويعات الرمز المعروفة في الأدب العربي ، وهو ما يجعلها تحتاج إلي رؤية مختلفة ، وتأول مفارق ، وليس بالضرورة أن تكون هذه الكتابات جديدة كل الجدة ، ولكن الأهم أن يكون لها زاوية رؤية مختلفة ، وهو ما يجعلنا نستزيد من تكرار كلامنا عن قصيدة ، عنب ، ومعلوم أن العنب شيء من الطبيعة ، وغالبا ، الشعر العربي اتصاله بالطبيعة يتجلى في المناظر الظاهرة ، أي في الشكل ، وإذا ما قدم شيئا جديدا في اتصاله بها اتصالا حيا يجيء علي سبيل التشبيه مثل قول أمريء القيس ( وليل كموج البحر أرخي سدوله ، علي بأنواع الهموم ليبتلي ) والتشبيه من وجهة نظري ليس هو الرمز ، ولكن الرمز في مثل قول شاعرنا : شعرٌ ما شاهد في الأعلى عنبا يأخذ بالألباب نضيرا وامِض لم تسعفه القامة في القبض عليه وقال لنا : حامض هكذا يصبح العنب جزءا من تكوين الشعر ، والشاعر ، وما طرأ عليهما من تغّيُر جزء لا يتجزأ من العنب أيضا … ولعل الشاعر أراد بهذا الفكر الشعري أن لا يرينا العنب الذي نعرفه في الواقع فقط ، لكنه يريدنا أن نري حجم عمقه في ذواتنا ، هذا التحول من الخارج إلي الداخل ، والعكس ، ينطوي علي قدرة الشاعر علي جعل قصيدته – عنب – ليست مجرد قصيدة عن العنب وحلاوته وشكله وتحوله إلي نبيذ ، بل بات العنب ينطوي علي رؤية الشاعر للذات وللعالم وللشعر وللعنب أيضا ، ويُخّيل لي أن أهم ما في القصيدة الشعرية – أي قصيدة – هو وعي الشاعر بها ، وبقدرته علي بناء لغة داخل اللغة كشرط أول للشعرية المضمرة التي يريد أن يوصلها لقرائه ، أي الرمز الذي يلعب عليه الشاعر ، بأبعاده التي تبدو متجلية في كل شيء ، بداية من توظيف الرمز من خلال التناص أو الصورة أو انحراف اللغة عبر تركيباتها المختلفة ، وحتى الإيقاع ، فقد وجدت أن نهايات القصائد غالبا ما تكون أشبه بوقفة تعبيرية إيقاعية ، أو ما يمكن تسميته أيضا بالسكتة الرمزية والتي تتجاوز إغلاق المعني ، أو نهاية السطر الشعري ، بهدف الإشارة إلى معني أخر ، أو محاولة لإعادة النظر والتفكير والقراءة مرة أخري ، أو إضافة معني ، أو فك طلّسم لغامض لا ينفتح إلا بهذه الوقفة التعبيرية الرمزية الفائقة وهو ما نجده في مواضع عدة في قصائد هذا الشاعر – في ديوانه – الذي بين أيدينا واقرأ معي نهاية قصيدة – عنب – التي ستحيلك إلي البداية حتما لإعادة القراءة بوعي مختلف عن القراءة الأولي ، فالشاعر ينهي قصيدته – عنب – هكذا :-
والملاحظ أن القصيدة انتهت بخطف العنقود من حضن الصبي – أي بلقطة صعبة جدا ، تجسد ت فيها رؤية الشاعر للحياة بعد رحلته المضنية مع الكائن الحي – العنب – والذي انتقل في رحلته في الحياة أو في رحلته الشعرية ، أو رحلة القيّم الإنسانية من حادثة إلي أخرى ، أو ما تمخضّت عنه الرحلة بعد التعب والشقاء بهذه الحادثة المحزنة ، ولهذا يفاجئنا الشاعر بجملة هي ذات الجملة التي بدأ بها قصيدته ، فيقول : سأقص عليكم من أنباء العنب … وكأنه سيبدأ في قص قصة العنب مرة أخرى ، قصة العنب الكونية ، قصة الإنسانية المكررة والمحزنة التي نعيشها كل يوم ، هذه السكتة الرمزية ، أو الوقفة التعبيرية البديعة بإيقاعها المفاجئ تجعل القارئ يفيق مما كان فيه ، ليبدأ محاولته الجديدة لاستعادة الرحلة الغامضة وفك رموزها من جديد …