يزخر الجنوب المصرى بكتائب متفردة من المبدعين الذين قدموا بصمات فارقة فى شعر العامية، كما تنعم محافظة أسوان بكتيبة ـ اختارت العامية لغة لشعرها ـ مقدرة من الشعراء، والببليوجرافيا التى نواصل إعدادها تمدنا بعدد من أسمائهم على النحو التالى: حجاج الباى – محمد هاشم زقالى – فنجرى التايه – صلاح الفيراوى- محمد الريفى – محمد طاهر برعى – منتصر سلطان – جمال عدوى- علية طلحة – الشاذلى محمد عباس – محمد يوسف حامد – حسنى الإتلاتى الذى يكتب الفصحى والعامية – أحمد الجميلى، حامد عامر، وستتوقف هذه القراءة أمام شاعرين يمثلان الجيل الجديد الذى يبشر بكتابة تحاول أن تقدم مفارقاتها الجمالية وإن لم تقطع صلتها بأجيال العامية الذين رسخوا قيما جمالية فارقة فى هذا النوع الشعرى ، وهما :
ينبغى على الدرس النقدى حين يتوجه للنص الشعرى فى رحلته لمكاشفة طروحه، أن يكاشف الشعر ومفاهيمه من خلال السياقات الشعرية التى تحتفى بالإشارة إلى الشعر ذاته،وما يشعه من دلالات، وما يشكله من أبنية متماسكة يمكن أن نجد لها أمثلة فى التاريخ الشعرى، وما يتجاوزه من أشكال مخترقا ما استقرت عليه بعض النماذج من طرائق وأساليب، وإذا كان مفهوم الشعر وما يدور حوله من كر وفر، ومن اختلافات/ خلافات لازالت دائرة بين النقاد والمستنقدين لا يقوم إلا على أرضية الكتابات النظرية التى رصفها النقد عبر تاريخه، فإننا لابد أن نتوجه لدراسة الشعر من خلال ما يطرحه الشاعر عن شعره.
إن معظم النقاد يجعلون من النظرية أو المقولة مفتاحا للدرس الجمالى دون أدنى عناية لتشوف مفهوم الشعر واختباره من خلال النصوص الشعرية، بمعنى البحث عن مفهوم الشعر داخل الشعر، يقينا لن نجد إلا قلة من الشعراء ممن تتضمن تجاربهم الشعرية كلاما فى الشعر وعنه يمكن أن نخلص منه إلى مفهوم، أو على الأقل، لوجهة نظر فى الشعر تجعلنا نرى الشاعر من خلال نصه. فى هذا السياق نجد بعض النثارات فى ديوان هلال للشاعر أحمد الجميلى يقدم خلالها بعض التصورات عن الشعر دون أن يحول الجملة الشعرية لمقولة، حيث يستعين باللغة صانعا الموازاة بين عالم الشعر والحياة التى تتشكل باللغة مستعينة بمفرداتها المعيشة لتصلنا بالشعر ومفهومه :
إن الشعر عند الجميلى قرين الصدق؛ والإشارة هنا إلى القيم التى يجب أن يحملها الشعر أو يتوجه بها للمتلقى ، كما أن الشعراء ليسو بالعد ، والعد هنا قد تشير إلى عدة معان منها : العد بمعنى العدد أى ليس الشعراء بأعدادهم ، بل بالكيف الذى يكتبون به قصائدهم ، وقد تشير مفردة “العد” إلى النظم، أى عد الأبيات فى القصائد أو عد الدواوين فى رحلة الكتابة ، ولا يقتصر أمر النظر للشعر عند هذه الجملة الدالة، لكنه يوقفنا عند انسيابية القصيدة حين تأتى دون إعمال للذهن ودون تصنع “ لما سطر يشد نفسه من غير جُهد “، وهل الكتابة تأتى فعلا دون جهد فى التأمل واصطياد الشعر من مكامنه البعيدة ، وهل تشير الجملة إلى سطور بعض القصائد التى تشد بعضها بعضا من خلال القياسية الموسيقية أو استدعاء المفردات لقريناتها صوتيا أو دلاليا ، إنها أسئلة تدعونا لتأمل بعض مفاهيم الشعر، وهو ما تطرحه بعض سطور الجميلى :
إن الشعر ليس مجرد مجموعة من الصور والتراكيب ، لكنه قد يكون بمثابة الحياة أو المكان الذى يستريح إليه الشاعر أو المطرح ــ على حد تعبير الشاعر ــ الذى يأوى إليه ، كما تتضمن السطور إلى المعلم الذى ساهم فى ثقل الخبرة، الخبرة بالحياة والشعر ، إنه “أول فصيح”، والفصاحة هنا تعنى الإبانة، ونعنى المعرفة، كما تشير إلى مصدر القيم والعلم والشعر الذى لم يتعلم فى المدارس النظامية ، لكنه ابن الجماعة الشعبية التى نقلت إليه خبراتها ، ولم يتوقف التعليم عند حد تعريف الشعر لكنه كان مصدرا وكتابا للتعرف على الشعر وتوهجاته وقلقه الدائم حينما يستدعى متناصا مع شطر المتنبى “على قلق كأن الريح تحتى”
وينتقل الشاعر من وصف الشعر ودوره ومكانته بالنسبة للشاعر، ومصادره إلى وصف حالة الشاعر قبل أن تولد القصيدة ، ويأتى الوصف مجازيا كأنه يقدم إشارة لتصوره عن الشعر، و تمنحنا السطور دلالات مهمة تؤكد أن الشعر يكمن فى المناطق البينية بين الأشياء والكائنات حين تتحرج وتضج بالحياة وعلى الشعر اصطياده من مكامنه التى لا توجد مستقلة عن حراك الوجود ، كما تقد سطور القصيدة إشارات للحظة تخلق القصيدة التى تنتقل من حالة الصراخ الواقعى لتتشكل سطورا على الورق ، إذن الشعر فى المسافات البينية ، فى التخيل الذى يزاحم الذات ليصنع مفارقاته ومجازاته، إذن نحن أمام شعر يحتفى بالمجاز حد الافتتان ليخرج من الأطر الجاهزة للكتابة ، فهل فعلت القصيدة ذلك وتمردت على أعراف القصائد السابقة، ربما نرى الإجابة فى رؤى الشاعر عن الشعر ومفاهيمه حين نعرج على باقى المجتزأت :
بعيدا عن الخلافات الدائرة حول مفهوم الإلهام، وحالات الغياب التى يكون فيها الشاعر أثناء كتابته للقصيدة، وعن أسطورة وادى عبقر وخيالية ربات الشعر على جبل الأولمب ودورهن فى منح الشعر والشاعر الإلهام ، فإن الجميلى هنا يمزج بين ربات الشعر ووادى عبقر ورحلة المعراج ومعجزات موسى ليضفرها جميعا ببعضها مشيرا إلى بداية الرحلة للشعر ليأتى بالمعجزات كما أتى موسى بمعجزته حين شق البحر بعصاه وكأنه يعقد موازاة بينهما لتأتى قصيدته المتفردة ـــ على حد قوله ــــــ ليفلق بها البحر، ربما فى إشارة للبحر الشعرى ” وأفلق البحر بقصيدتي.. وانفرد باللحن وحدي” – لاحظ أن البحر لم ينفلق وظلت القصيدة تراكم سطورها على تفعيلات “فاعلتن”، فالغاية إذن تتمثل فى الانفراد باللحن الذى قد يشير إلى الشعر أو إلى موسيقاه الذى يستدعيه مع مطلع الأغنية النوبية “آي كا دو لّي” / فاعلاتن ليتواصل العزف على أوتار الشعر وموسيقاه الصافية :
يواصل ديوان “هلال” لأحمد الجميلى مناوشاته مع الشعر ومفرداته، لذا سنجد احتفاء بعدد من المفردات التى يستدعيها من عالم الشعر من مثل “القصيدة – الشعر – الشاعر- الوزن- الموسيقى – المعانى – الديوان – الغناء – اللحن”، فضلا عن المفردات التى تحوم حول مفاهيم الشعر ومفارقاته وأخيلته وآليات صناعته، هكذا نرى البنت التى رفضت أن تدخل قصيدته وكأن القصيدة مكانه الأثير الذى يمارس فيه اللعب ، لكنه هنا يحول الصورة إلى شكل كاريكاتيرى سرعان ما يعدل عنه لنرى البنت / المقاومة للشعر، الرافضة الدخول إليه تمارس فعلا ضد الشعر حتى أنه بلعبها فى الوزن شوهت المجاز، فهل يؤثر الوزن إذا اختل أو تغير فى تشويه المجاز، ربما نرى الإشارة فى مجازيتها تعلن عن رغبة فى الانعتاق من كل من يقف أمام حلم الشاعر باللعب بالحروف والطيران بعيدا عن العوالم الأرضية التى لا تعى دور الشاعر وقدرته على اصطياد الشاعر من مكامنه الحرة
يتجلى هنا دور الشاعر فى الحياة مخاطبا أنثاه ومتسائلا عن طرحه للمعانى فى مجتمع تغيرت قيمه وصارت القلوب لا تستقبل الشعر، بل غير قادرة على طرحه لأنها صارت قلوبا مقفرة لا تعتنى ولا تعى الجمال ، وتستمر الأسئلة للحبيبة وللذات ولنا عن كيفية وجود القصيدة بيناعتها وقدرتها على الحياة فى أجواء لا تشع إلا الموت :
إن الاستشهادات الشعرية الدالة على الشعر ومفرداته تهيمن على عدد كبير من القصائد، وجميعها تعكس تصورات الشاعر عن شعره وعن مفهومه للشعر، لكن القاسم المشترك هو ارتباط الشعر بالطيران والانتعتاق من العوالم الأرضية المكبلة للروح وبالتالى للشعر، وسيملح القارئ أن القصائد تتسع لتكون مكانا للأحبة وللفقراء وللغناء وللشهداء، وأنها ضد كل إطار أو برواز يحجم تمردها أو حتى قدرتها على الطيران ، فالقصيدة عند أحمد الجميلى مسكن للمفارقات والموسيقى وبيت متسع لاصطياد الأخيلة والمجازات، فهل استطاعت قصيدته أن تشق لنفسها طريقا خاصا وكى نجيب على السؤال علينا التعرف على بعض ملامح الديوان الأخرى ربما دلتنا على الإجابة :
والسؤال الذى تطرحه القصائد هنا هل يكفى استدعاء الكلام والتصورات عن الشعر نفسه أم أن الشاعر ما زال يسأل أسئلة الشعر ويتعرف إلى ذاته ويجرب حروفه ويشتبك مع الرؤى المطروحة ويقدم تصوراته عن حالة الكتابة وتوجهاتها، وانشغال الشاعر بهذه السياقات تؤكد حرص الشاعر على موهبته وقلقه الدائم فى التعرف على طرق وطرائق الشعر والتمرد على كل إطار يكبل شعره ويحصره فى أنماط شعرية جاهزة لا تقدم جديدا :
إن الشاعر يحول بعض حكايات وأساطير الخلق لحكايات وأساطير تتعلق بخلق القصيدة ، فالشاعر هنا وفى مواطن كثيرة يأخذ قرارا بالغناء، يغنى متعمدا اختيار هذا الطريق والغناء هنا ليس مجانيا لكنه غناء الاختلاف، أو على وجه أكثر دقة غناء مخالفة قصة الخلق التى يستعيرها هنا ليحاكى بها خلق الشعر ووجوده فى الكون، بداية من نفخ الروح فى آدم وحواء ومرورا بقصة الخلق واصحابه زوجين من الكائنات ليستمر الوجود واستمرار نسل الخلق فى هذه الدنيا، هكذا يبدأ التشكيل بآية، لنرى القصيدة وهى تخرج للوجود لتجتذب بحروفها القارئ الذى يدرك معناها، ويواصل الشاعر الإعلان عن هدف القصيدة وغاياتها وقدرتها على قتل الغواية حين تعلن عن نفسها بالصورة الشعرية التى تظهر الكلمات فى خلق جديد يقدمه الشاعر للعالم :