إن الذات هنا يتآكل عمرها تحت سنابك الحزن الغرق فى الهموم ولأن الحزن صار عميقا ولا مجال لاقتناص الفرح لأنه صار ملكا لفئة من الناس فإن الغرق داخل الذات لا نجاة منه غير التعلق بقشة الخلق “غرقان يا واد جواك والخـــلق قشـايــــه…” وتتأكد دلالة الانحياز للناس ليس فى اللجوء إليهم حين الغرق فحسب، لكنه سيتحول إلى رحلة للتفتيش عن الروح بين الناس، أى فى همومهم ونصوصهم ، والتفتيش هنا أداته “القلم”، أى أنه بحث عن الكتابة عن الذات من خلال الغوص فى تفاصيل الناس :
وتنتقل القصائد لتعمق الإشارة من العام إلى الخاص، حين يأتى العيد ليحفر أحزانه فى قلب الشاعر واخوته ، حيث لا ملابس جديدة ولا أفراح ، ويتجلى الفقر فى صورة الأم التى تصورها القصيدة فى هذه الحالة النصفية ، حيث تعانى من عدم الشبع ، وعدم اكتمال الفرح والحياة على حافة الموت :
وعبر إيقاع يعتمد الجملة القياسية موسيقيا يطلب من الأم / الرمز أن تهز النخيل لتأتى بنبى يرحم الفقراء من الغلابة ويطرد الغربة من دواخلهم ويجمع الناس وراءه لينتصروا على الهوان والخوف ، إذن الشاعر ينتظر نبيا مخلصا لناسه من آلامهم وفقرهم ليعودوا من جديد إلى حيواتهم العادية يمارسون عاداتهم وتقاليدهم وزراعتهم ، ويتواصل البناء المعتمد على التقفية التى تأتى طيعة فى معظم أجزاء القصيدة وإن لم تخل من تصنع فى بعضها والوقوع فى فخ القياسية الموسيقية التى تقترب من روح الزجل فى هذه القصيدة وفى عدد آخر من قصائد الديوان :
ويفتح الشاعر طاقة التذكر على لسان الجدة ليخبرنا بما يتعرض لها الغلابة من قهر وتهميش، وكأنه يريد القول إن هذا القهر تاريخى لأنه يستدعيه من تذكر حكايات الجدة :
إن حامد عامر لا يقف منحازا للفقراء فحسب ، لكنه يفتش عن روحه فيهم ومعه قصيدته يواصلون طرق أبواب الفقراء ربما منحته بعض المعانى التى يأمل أن يقتنصها فى أشعاره ، لكنه بعد أن دار على بيوتهم قر على معناه الحكيم “الحرف فاعل خير لكنه ناقصه ضمير”
من هذا الملمح الذى ينتصر للفقراء شعرا وموقفا يتضح لنا أن ديوان أخر صلاه ينشغل بالتواصل مع البسطاء الذين كتبت من أجلهم القصيدة، وتعلن قصيدته بوضوح عن توجهه وقناعاته الشعرية التى ربما تأكدت حين نعاين دال الشعر وتجلياته فى قصائد الديوان.
إن القارئ لديوان حامد عامر سيجد اتساقا بين انحيازه للفقراء والمهمشين ورؤيته للشعر بوصفه مغيرا وداعما لجماعته التى ينتمى إليها ، بل تدعم جماعته القصيدة من خلال ما تملكه من معارف وخبرات وفنن قولية ومفردات تتجلى فى متن القصائد :
إن الشعر هنا له فاعليته وقدرته على التغيير وكأنه ذلك الوسيط السحرى الذى يضعه الشاعر مع باقى تفاصيل الحياة ، هذه القصيدة المنفوشة على الجسد ستهب الشاعر ـــ مارة بذكر الحبيبة ــــــ دقة تغير أوزان الشعر، وكأن الشاعر يستمد موسيقاه من دقات قلب محبه ، فالشعر هنا ليس علما فى كتاب وموسيقاه ليست مجرد تفاعيل لكنها هبة من قلب الحبيبة وأن التغيير رهين بالمحبة وبنقش الشعر ووجوده كجزء بارز فى جسد الشاعر
نعم يؤمن الشاعر بانحيازه للناس خاصة من الفقراء والمهمشين ، ويؤمن بقصيدة تدرك معنى الشعر بعيدا عمن يعرضون أشعارهم بشكل مهين ليحصلوا على تصفيق الجمهور مبتلين أنفسهم والشعر ، هكذا يصور لنا بعض النماذج التى ظهرت على الساحة الشعرية ممن يقومون بعرض أعمالهم عبر الحفلات الشعرية مستلهمين تراث القردة والحواة فكانت النتيجة الحط من قدر الشعر وأقدار الشعراء :
نحن إذن أمام شاعر منتمى لهموم وأوجاع الناس، لكنه فى الطريق لهمومهم وفى انتقاده للقيم السالبة فى المجتمع والشعر يجرى وراء موسيقاه ومضامينه التى قد تحول بعض أجزاء القصيدة إلى سطور إنشائية تقترب من الروح الزجل فى صياغتها وفى حسها الانتقادى، فليس معنى الانحياز للناس أن تقع فى فخ المباشرة.
إن ديوان “أخر صلاه”بشكل عام مشغول بالشعر ومفرداته ، وتتجلى فى سطوره مجموعة من المفاهيم التى يتبناها الشاعر، وكذا مصادر الشعر، لذا سلمح القارئ مفردات من مثل : الشعر – القصيدة – القلم – الورق – الأوزان – القافية – الصورة – السطر – تفعيلة – حروف – المعنى – الكلام .. إلخ ، وكلها تشير إلى شاعر يحاول أن يمسك بصوته، يتحسسه بين الناس ويختبر قصيدته بينهم ، نعم استطاع فى بعضها أن يجمع بين كتابة شعرية صافية وإقامة علاقة مع الناس بحد تعبيره بينما استسلم لسطوة المضامين المباشرة فى بعضها حين لم يلتفت للصورة والمفارقة وفضل عليها الخطاب المباشر والروح التى تقترب من الزجل ، نعم ه يؤمن أن عرف الشعر فى اتباع الإحساس والتزود منه سيكون بين الناس، لكن هذه القناعة وحدها لا تكفى لصيد الشعر؛ فالشعر متعدد ومصادره كثيرة ودوافعه متشعبة، نعم سيجد الشاعر، أى شاعر موهوب سبائك من مادة الشعر بين الناس بحاجة لمن يجلو عنها الصدأ أو يذوبها فى رؤاه ليخرج بقصيدة جديدة ، وعموما الشعر الحقيقى لا يوصف ولا يوجد فى شكل محدد سلفا ، ويستعصى على كل تحديد، من هنا أخشى أن تثبت بعض هذه المقولات التى تنسرب بين سطور الشعر قناعات الشاعر وإن كنت أرى غير ذلك فالديوان يشير إلى شاعر موهوب استطاع أن يمسك بأول سلمات الشعر وهو فن طويل سلمه