الشاعر/ محمد عبادي
لم يختر محمد عبادي ما يمثله هنا إلا ست قصائد ، نصفها عمودي ، ولا نعتقد أن لديه أكثر مما اصطفى من نصوص ، فالقريحة – فيما تبدى لنا – في بشائرها الأولى ، ولا بأس به أن يجاهد لإقامة شعره على أبنية خليلية ولا بأس به أن يزاحم أطنانا من الحداثات الشعرية ، ولا بأس به يرصف قدرا من التناصات الدينية أو يتكيء على أصداء سيرة الحسين بن على –رضي الله عنهما – ،أو حتى يتناص – كغيره من شعراء بيت الشعر – مع بعضهم البعض ، لا بأس له في ذاك طالما كان ذلك من بشائر قريحته وكان مهيئا لأن يتوحد مع ما ينبغي للشعر وساعتها لن يخاطب فتاته بقوله :
– يافتنة الليل يا سمراء مثل أبى … ياكسرة البوح للأيتام إذ جاعوا
ولن يرضى له الشعر ورسالته أن تكون علاقته بفتاته تلك :
– إما الوصال وإما الموت دونكم … هذا لعمري في الحالين إبداع
والحق أن عبادي سرعان ما التفتت إليه محبوبته الكبرى ( فهذا زمان الطغاة تمطى / ومحبوبتي ملت السير حتى / تأجج في لوح عهدي بها فاض شعرى فتاهت وتهنا / وكأس الندامى استحالت دما / وفى كل بيت أرى كأس حزن …….)
وتتبدى حشرجات الغناء / الثورة في قمة البائس المرتعد ( أنا ابن النخيل المطأطأة هاماته /…./…/ قد تمدد ظلي / ونجمي تساقط في / نغمة العمر بين ثغاء اعرابين / فأنا حواري هذا الزمان الذى /شب في حضن فرعون كليما / يسطر في اللوح أنا / عبيد ال … )
وما خشي الشاعر هنا عن إثباتها وجعل بدلا منها نقطا سوف نراه يذكرها صراحة في قصيدته التالية ( سفر القصيدة ) التي تمد دلالة القصيدة فيها بدلالات ضافية ( لا الوجه يذكر دمعنا / كلا ولا والأرض القصيدة / تحتوى وجع الدماء)
ويكثر الشاعر من تلقط تناصاته الدينية فيمزج بين سيرة الحسين وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (اركض برجلك يا فتى الأحلام / ينتفض الضريح / سيطوف حولك ألف كذاب / سراقة لن يعيرك عن اكف الرفق / يا هذا الجريح /مائة عام من النوق العصافير اجتررن / عيونه الصفراء/ للنصر المعتق بالمذابح / بالرياح الصم / بالميدان/ بالثوار / بالطين القديم /… من ذا يغنى للرصاصة غير من شدوا رحال العشق / في وادي الشهادة أيها المدد الكبير … )
ويبدو أن قصيدته ” وطن كبير ” هي محاولة لتعلم بحر الوافر وهى للنظم أقرب مثالا ، ادعى فيها ما يفعله ” صوت فيروز ” التي كادت تصبح قاسما مشتركا بين أكثر شعراء بيت الشعر
– سأسمع صوتها فيروز غنت … سأسمع فاسمعوا يا للرجال
ويشيد الشاعر وجيعة الوطن ومحاولاته في التغيير بميدان التحرير :
– من التحرير أحمل بعض شكى … وألقى ببعض ظني في الرمال
– وجيعتنا بلاد تزدرينا … وتلقف كفنا غدر الليالي
ويعقب البيت السابق بقوله :
– فسافر يا أخي روحي ( بلاد ) … إذا ضاقت بلادك في الرجال
سأفترش الخُطى حبا قديما … يلملم حبنا ( يوم النوال )
– سأسمع صوتها ( وطن كبير ) … على قدر انتصاري ( واختزالي )
– بلاد إن تشردنا ضياعا …سنجمعها حروفا من لآلي
وفى مرثية “الوجع الأخير” يكشف عن معاناته إنسانا ووطنا وشاعرية
– من يعرفونا حين نكشف وجهنا … إلا صليبا ينتشى لمسيح
– صح خلف ركبي يا ابن أمي شاعرا … واذكر هنالك ميتتي وجروحي
-لى دولة في الشام أحفر مجدها … ويزيد خلفي ينتشى بصيوحي
– وأرى الحسين مكبلا في كربلا … ودم العراق على دمى المسفوح
ويختمها قد تنامت الثورة وتبعاتها بقوله :
– التائهون وراء ركبي هرولوا … فوقفت أبنى للسماء ضريحي
– طوفوا به الدنيا وقولوا شاعر … قد مات مكلوما بغير جروح
– مات انتظارا للحسين وأن في … عينيه اول ثورة التصحيح
– وهناك ينكسر النخيل لظله … تعبت حياتي فاستقرت روحي
و نصه الأخير ” لك ما ترى ” الذى يبدؤه بقوله : ( ديوان شعر ميت / وقصيدة صماء / أرتها الثرى / لك ما ترى / رغم الذى بينك وبيني لم أزل ) .تحاول ما عناها بـ “ربيبة دربه المجنون” أن ( اخلع عذارك وابتدئ ) و( مزق الحروف على عيون الصبح ماتت / منذ أن شدت رحال الريح وانزلق التراب / من ثورة النسيان كل قصائدي / لكنني ما استطعت يوما أن أثور )
وكيف له أن يثور غناء أو أن يغني ثورة وهو كما قال 🙁 وكل ملامحي قد خطها ليلي / بسواق حطمْ / فسقطت في ظلم الفراغ / منادما هذي الظلمْ ) وأن محَّص هذا الفرار في نهاية النص وقد شبت الخطى واستطالت قامة الصلصال مخاطبا أخا العدم ليلقى أو ربما يلقي الذى يوما حلما به ( من ها هنا / شبت خطانا / واستطالت قامة الصلصال /فامدد يديك أخا العدم /فلربما نلقى الذى / يوما حلمنا أن نراه ).