إن حداثة النص الشعري عند “وسام دراز” تنبع من كونها تتجاوز الإطار الزمني للنص إلى إطار آخر يتصل بالرؤية التي يصدر عنها، وببنيته، وبأبعاده، فنصوصه تؤسس للبحث والهيام والرفض والتحول والانشقاق والتمرد والتجاوز، تبعث على خلق التساؤلات المتعددة في ذهن المتلقي.
وفي رحلة التيه عبر صوره الشعرية، تذهب أكثر أنحائه تباعًا مع الحياة المأزومة واللقاءات المؤجلة، يقول في قصيدة “ارتطام”:
لقاءٌ غيرُ ناقِص”. وما بين متاهية الروح وحصار الحياة تتشظى الصورة في مخيلة الشاعر، إنه صراع الأحياء على الأرض داخل الحياة، صراعهم مع الوجود والكينونة البشرية، صراع يلقاه بصدره العاري أمام الأحلام الناقصة، والحياة المؤجلة، ليلتقي بالأرض وحده كي يصيح دمه، قائلًا: انظري هذا ارتطام أو لقاء غير ناقص، يعكره في ذلك انعكاسه مفردًا في النيل، وظله عالق في الورد، تنقصه انحناءة قاطف حزين من اللقاء المؤجل، لكنه في لحظة اشتهاء وانتشاء يرغب في التوحد مع الماضي والتماهي مع عناصره وأحيائه، مع الحياة والأحياء بلا أدنى تلوث(أمُرُّ على لقاءاتٍ مُؤجَّلَةٍ / يُعكِّرُني انعِكاسِيَ مُفردًا في النِّيلِ / هذا البدرُ يَنْقصُهُ انتصافٌ / النَّسيمُ الرَّطْبُ تنقصُ صدرَهُ رئةٌ / ظِلي عالقٌ في الوردِ تَنْقصهُ انحناءةُ قاطفٍ / أنا حزينٌ واللقاءُ مؤجلُّ واليومُ ناقِصْ! / فوقَ هذا النهرِ وحدي من سيلمحُ في انحداريَ كيف يبكي الجِسرُ.. / كيف يفوتُ في طَيفي المُشاةُ.. وأيَّ خَشْخَشةٍ يُخلِّفُ بائعُ البوشارِ في صَدري؟ / الجميعُ هنا أَنيقٌ / الرصيفُ مُمهَّدٌ لتجوُّلِ الأعيادِ والحَلْوَى / أقامَ الليلُ حفلتَهُ ولكنَّ اللقاءَ مؤجَّلٌ.. وأنا الحزينُ! / كأن هذا الليلَ تَذْكارُ الحنينِ / هذه النجماتِ أقدامُ الذين يُسافرون إلى الغيابِ / وَجْهَ هذا البدرِ منديلٌ يُوَدِّعُنا به المَوتى / انتظرتُكِ كي نسيرَ معًا كأوَّلِ عاشقينِ يؤوِّلانِ الليل مَقهى والنجومَ كراسيًا مَرْصُوصةً
متى سيَمنحُ مِعطفي جِسمَكْ؟! / لكنَّ اللقَاء مؤجَّلٌ.. وأنا حَزين…./ لا أغانِيَ في أواني الجائلينَ / لا نقودَ سوى لُعابي / من سيلمحُ في مروري دون أُنثى كيفَ أخسرُ رقصة كانت ستُلهي الجوعَ عنِّي؟ / حضنُ قرطاسينِ فوق الأرضِ يجرحُني / يَدهسُني انتظارُ الباصِ أن تَجري يدانِ أمامَهُ لرصيفٍ / ارتدَّ المساءُ على انتظارِيَ / لا تَذاكر للجلوسِ هُنا لأرقبَ كم يُؤجِّلُني اللقاءُ بلا دموعٍ أو تعامُدِ نظرتين كأن هذا الحُزنَ ناقصْ..! / إن أتيتِ فقدْ نطيرُ معًا بغيرِ تَلَفُّتٍ / هذا لقاءٌ ناقص / سيمرُّ صيَّادٌ لمنزلهِ سعيدًا تَحْتَنا / سألتقي بالأرضِ وَحدِيَ كي يصيح دمي: انظُري! هذا ارتطامٌ! أو لقاءٌ غيرُ ناقِص). إن “وسام دراز” يعمل جاهدًا على أن يبين ما يجعل نصه الشعري نصًا شعريًا حداثيًا، فهو يؤكد في نصوصه على “أن شرط الفكرة لكي تكون شعرية أن تتوحد مع الكلمات في كل بنيوي واحد، بحيث لا نشعر أنها كانت موجودة سابقًا، بل نشعر على العكس أن الشاعر يبدعها شيئًا فشيئًا، ولا يتناولها من الكتاب أو مما هو جاهز، شائع، مكتفيًا بإعادة صياغتها”([1])، وهذا يعني أن نقل الأفكار جاهزة مباشرة لا يرقى للشعرية، حتى وإن بدا لنا بشكل جديد، وهو ما يتجاوزه الشاعر؛ ليؤسس بهذا إلى حداثة شعرية مبتكرة في نصوصه الشعرية يقول في قصيدة “العشاء“:
كي تبدأ رَقصَتُنا”. إنه بحث في النص عن كل غريب غير مألوف، وإطلاق لعنان النفس؛ لتبحر في عالم رؤياها بلا تقييد في أفق رحب، لا يعرف الانتهاء، ورفض لكل تقليد ولكل نهاية، وتحول يرمي به إلى الصيرورة وعدم التوقف، وانشقاق عن كل قديم، وتجاوز من الكائن إلى غير الكائن، وقفز على المباشر إلى غير المباشر (عيناها شفَتا قِيثارٍ تنظرُ.. فتراني مُوسيقى / يَهبطُ أو يعلُو إيقاعي حَسْبَ سُدولِ الجفنِ وطولِ الرمشِونقرِ الدمعةِ فوقَ الخدِّ / تُسامِرُني، والليل خَلاخيلٌ في أقدامِ سماءَيْنا / الريحُ مَسارِحُ تمتدّ / قلبي راقصُ صَالْصا / يدعوها لعشاءٍ لَيْليٍّ لتُدغْدِغَ قدماهُ أصابِعَها من تحتِ الطَّاولةِ / يَقْطعَ عن فَخذَيْها الفستانَ ليَختبرَ نُعومتَها في الرَّقصِ…. / تقول له: قبَّلني، فيقولُ لها: عيناكِ على شفتيَّ أغانٍ وقصائدُ / كم قَبَّلْتُ عيونكِ في حفلاتِ الرَّقصِ / كم ضاجعْتُ دُموعكِ فوقَ مناديلي وأنا أقرأ عينَكِ مِنها / كم قبَّلَكِ معِي مَن حفظوا عنِّي شِعري / قالت: أين أنا؟ / يقولُ: مُقَسَّمةٌ قِسْمةَ سُنبُلةٍ بين الطيرِ / أُراقبكِ تُخبِّىء عِطركِ أُمٌّ في حَمَّالَةِ نَهْدَيْها زَوْجا لابْنتها.. / يُراوِدُ نهرٌ خَصرَكِ عن سيَلانِ أُنُوثتهِ.. / يُفاوِضُ نجمٌ طَرْحَتَكِ على شَعركِ.. / يُداعِبُ كوبُ الشَّايِ السَّاخن ساقَيْكِ النعناعَ.. / تَطلبُ يدَكِ جيوب الشجرةِ من تَرْزِيِّ الغابةِ….). إن الحداثة الشعرية عند “وسام دراز”، “تتجسد في الإفضاء إلى المجهول، والابتعاد عن كل قالبية ونهائية، فكلما كان الشعر مؤديًا للمجهول ومحرضًا على التساؤل، ونائيًا عن كل نمطية، ومتحررًا من كل قاعدية ومرجعية، كان حريًا بأن يرقى إلى الحداثة الشعرية”([2]). وتتضح ملامح ذلك لدى الشاعر في قصيدة “أنشودة الأرض الضائعة”، يقول:
وليسَ بِها للأرضِ أَثَرْ”. تتجلى داخل النص ملامح استشراف فوضى العالم، ورثاء للذات والروح حال الحياة، مما يبعث على الألم، ويؤكد على التيه الحقيقي داخلها من خلال انشطار الذات وتغييب الهوية، وعبر رحلة الموت الحقيقي، التي تبعث على التشظي التام، ويقينية التلاشي، الموت يطبق على أنفاسه، ورائحته تفوح من المكان(سأُحبكِ.. لكنّ الأرضَ تَضيقُ، فكيف سنرقصُ باسمِ الحبِ الواسعْ؟! / كيف سنَتّخِذُ العِطرَ طريقًا والخُطواتُ مَحاضِرُ جاهزةٌ للوَرد؟ / وكيف نُحرّرُ دمعتَنا وتَجاعيدي مُعتَقلٌ في أرضِ الخَدّ؟ / موتِي إن شِئتِ / أنا سأظلُّ هُنا أَبكي: خَفرٌ يا ربُّ على قلبي / يا ربُّ وتحتَ القلبِ خَفَرْ / معصوبَ اللحنِ أدورُ أدورُ / أَنزفُ في الدائرةِ وَتَرْ / تقول البِنتُ: الرقصَ الرقصَ / أقولُ: على الإيقاعِ حُفَرْ / تقولُ: رأيتُ الموتَ.. وأنتَ؟ / أقولُ: معي للموتِ صُوَرْ / تقولُ: الموتَ.. الموتَ معِي / أقولُ: أنا شَبَحي أصلًا وقُتِلتُ هَدَرْ / البَدرُ شَبحْ والشمسُ شبحْ والأرضُ مكانٌ للأشباحِ
وليسَ بِها للأرضِ أَثَرْ). وعبر تلك الصور الشعرية التي أصبحت حيزًا وفضاءً ينتشر فيه هذا السديم، تيه حقيقي أمام الموت، ورغبة في الخلاص والتلاشي، عقد الشاعر حوارًا دراميًا متخيلًا مع محبوبته، يؤكد فيه على الموت، ذلك الموت الذي يملك صورًا له، فالبدر شبح والشمس شبح والأرض مكان للأشباح. وبعيدًا حتى عن اقترابه من حافة الأبدية حيث التماهي لديه، يندب ذاته المليئة بالانطفاءات المتكررة، فهو تيه الجسد والروح في عالم الحصار، الذي يبدو كتائه ينتظر كارثة قادمة لا محالة أو قيامة، إن صورة التيه تتجلى في ذلك الانفصال عن العالم، عن الحياة والأحياء، لتنذر بغياب متحقق داخله.
إنه بحث في النص عن كل غريب غير مألوف، وإطلاق لعنان النفس؛ لتبحر في عالم رؤياها بلا تقييد في أفق رحب، لا يعرف الانتهاء، ورفض لكل تقليد ولكل نهاية بصورة أو بأخرى، وتحول يرمي به إلى الصيرورة وعدم التوقف، وانشقاق عن كل قديم، وتجاوز من الكائن إلى غير الكائن، وقفز على المباشر إلى غير المباشر.
فالشاعر يستدعي تلك الصور متألمًا بتفاصيل المشهد الكلي، عبر مشاهد شعرية متقاطعة من الحياة واللاحياة، تتجلى فيها متاهية الروح والجسد داخله، جاءت مكثفة وموحية من خلال الصور الشعرية التي سجل عبرها الشاعر هذه الفوضى التي تسكنه، فيتعارض نصه الشعري الحداثي في صوره مع المنطقي والعقلاني، وهذا التعارض ينتج عن خرق المألوف، الذي يثبته المنطق المستقر ويقره العقل الكامن في غياهب الماضي، وهذا لا يتجسد إلا بالمجاز.
([1]) أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب، ج3، صدمة الحداثة، دار العودة، بيروت، ط(1)، 1987م، ص289،290.
([2]) أحمد بن محمد إبليلة، شعرية الحداثة عند أدونيس، ماجستير، كلية الآداب، جامعة وهران، 2015م، إشراف أ.د. محمد الأمين خلادي، ص61.