محمد سيد عبد المريد
تتناول الدراسة في هذا المحور عنصرين مركزيين من عناصر البناء الصوتي، وهما الوزن العروضي والقافية؛ لأنهما ينطويان على القيم الصوتية التفعيلية؛ وما يشكلانه من وظائف دلالية مؤثرة في تكوين الخطاب الشعري.
يرتكز هذا الخطاب الشعري على الوزن العروضي التفعيلي، الذي ينطوي على حرية نسبية في كم التفاعيل، كما أن الشاعر أنتج تداخلا بين التفعيلي والعمودي في بعض النصوص الشعرية،
بحر الكامل، بحر المتقارب، بحر الطويل.
ولقد شكل بحر الكامل ثمانية نصوص شعرية:” نشيد، تكوين جديد، ما قاله الراعي، باسم السيدة الأولى، عن الحرب، ليلة رأس السنة، أنبياء الهامش، أغنية الثوار”.
وشكل بحر المتقارب أربعة نصوص شعرية:” أكتب بالدم الأسود، عودة الغرباء، رجل متأخر وامرأة أخيرة، بالتزامن مع صوتك”.
وشكل بحر الطويل نصا شعريا واحدا:” العارف بالسر”.
وتوزيعها وفقًا للنسب المئوية على النحو الآتي:
بحر الكامل= 61,53 بحر المتقارب= 30,76 بحر الطويل= 7,69
وفقًا لما سبق يرتكز الشاعر في تجربته هذه على بحر الكامل بنسبة بالغة، حيث مثل ما يقرب من ثلثي نصوص الديوان، وبحر المتقارب مثل ثلث الديوان، وهنا إبراز لمركزية البحرين الأثيرين لدى الشاعر في تشكيل خطابه الشعري في هذا الديوان، ويعبر عن الإستاطيقية لوعيه الشعري؛ فـ”إن الوزن من جهة، هو نتاج الفعالية الإستاطيقية للوعي الشعري إذ يمارس وجوده في الزمان ويمنحه عينيته التي يبعثرها الزمان الموضوعي الخارجي”(6).
الممارسة العروضية في الأساس ممارسة قائمة على مدى التناسب الكمي – لكن قصيدة التفعيلة أحدثت حرية في التناسب الحاد دون الإطاحة الكلية بالكم- مع وجود عنصر ثان مختلف، وهو القافية، فالعروض العربي “قد بني أساسا على إحساس واضح (وإن لم يكن إدراكا علميا) بالكم مع إمكانية وجود بعض العناصر الأخرى غير الكمية، وهذه العناصر التي تبدو بسيطة وغامضة في الأوزان، نجدها واضحة كل الوضوح وشديدة الأهمية في العنصر الثاني من عناصر الإيقاع الشعري كما أدركه العروضيون، نقصد القافية”(7).
يرتكز الشاعر على آليات القافية المتواترة بشكل مركزي، حيث تتواتر القافية على مسافات متقاربة بين التفاعيل؛ مما يكسب الخطاب الشعري الطابع الإيقاعي الكثيف، ولقد تشكلت القافية في عدة أشكال حيوية:
الشكل الأول: تتواتر القافية كل عدة أسطر تفعيلية قليلة، حيث تنتهي المقطوعة أو الأسطر بالقافية المتواترة والملتزم بها طوال النص كله، وتمثل هذا الشكل في القسم الأول كله؛ لأنه يتماثل مع عدد الفصول الأربعة، أي أن هناك تعالقات آلية بين الفصول الأربعة، أبرزها توظيف التفاعيل العروضية والقافية بهذا الشكل، وكان حريصا أيضًا على تماثل التفاعيل في بعض الأسطر الشعرية، أي تتماثل في القالب العمودي، في داخل هذا الشكل الحيوي؛ وهذا يعكس أهمية توظيف البناء العروضي بالشكل الذي يتمازج مع البناء العمودي أو يقاربه، عبر آلية التجريب؛ وتدل أيضًا على المركوزات العروضية في إنتاج الخطاب الشعري.
والنموذج التالي دال على هذا الشكل الحيوي، يقول في نصه “تكوين جديد”:
هنا يتبدى الالتزام بالممارسة العروضية والقافوية، إلى درجة بالغة، تتبدى من خلال مؤثراتها الصوتية الدالة شديدة الوقع على الأذن، بجانب الالتزام بالقافية الواحدة وتحقق الأبيات الشعرية العمودية، وانتهاء المقاطع أو الأبيات وفقًا للقافية، مع فراغ سطر بعد كل قافية في التشكيل الكتابي؛ لإنتاج المعنى الموسيقي للقافية.
الشكل الثاني: يتحرر الشاعر من الالتزام الذي تحقق في الشكل الأول، فهو لا يلتزم بقافية واحدة، ولا بشكل محدد، وإنما يتحرك وفقًا لحسه الإيقاعي الخاص، فتتحقق أشكال فرعية كثيرة للاشتغال القافوي في هذا الشكل المتحرر نسبيا، وإليك نموذجا تطبيقيا دالا، يقول في نصه “باسم السيدة الأولى”:
في هذا النموذج يكثف تواتر القافية إلى درجة تكاد تكون متحققة في كل سطر، رغم تفاوت عدد التفاعيل في الأسطر؛ والذي قد يقلص من إيقاعية القافية، حيث تصاب بتوتر نسبي لكنه لا يؤثر على كلية الإيقاع، وتعكس هنا الحس التجريبي التفعيلي لدى الشاعر، وعلى النقيض من هذا التوتر النسبي، يطرح الشاعر شكلًا أكثر حدية في اشتغال القافية:
الشكل الثالث: يرتكز الشاعر فيه على قافية مركزية يختم بها كل مقطع شعري، ولكن القافية الموظفة داخل المقاطع الشعرية تتنوع بتنوع المقاطع، كما يقول في نصه “أغنية الثوار”:
ولقد ختار هذا الشكل لانطوائه على الطابع الغنائي، الذي يتشكل وفقًا لما ورد في بنية عنوان النص؛ ولتبيان الحالة الثورية الجمعية وواقع مصر السياسي.
لعب التكرار دورا مركزيا في تشكيل الخطاب الشعري، ومن أشكال تجليات آليته، والغرض منها التعديد:
هنا يطرح عبر هذه النواتج الدلالية كيف تم تحرير – المقترن بنا الفاعلين- هذه الحناجر من أجل الغناء الموجه للمخاطبين/ رفاق الملح، فمن رحم المعاناة الجمعية تم هذا التحرير.
كما ينتج التكرار أيضًا للتأكيد على الاغتراب، فبعد أن يذكر أشكالا كثيرة لما معه يعاني الاغتراب:
إن الأشكال الكثيرة التي أوردها الشاعر التي معه لم تؤنسه، وهي أشكال في معظمها تنطوي على الشجن والحزن، حيث يمزج الشاعر بين واقعه الذاتي البسيط وواقع البلاد السياسي المعقد؛ لتبيان معاناته الذاتية المتداخلة مع معاناة البلاد، ومن الملاحظ هنا اختياره الدقيق لمفردات لغوية من نسيج الواقع المجتمعي، دون الإيغال في المجاز الشعري المركب، ومن خلال تعديده السابق تتضح لنا كيفية اغترابه.
ويوظف التكرار في شكله المحوري في نصه الأخير “بالتزامن مع صوتك” وهو يستدعي فيروز، حيث يهدي إليها النص، إلى جارة القمر، ويخاطبها طالبا منها الغناء، فالتكرار يتمثل في فعل الأمر “غني” والذي يبدأ به كل مقطوعة شعرية في النص، حتى ينتهي به أيضًا، طالبًا منها أن تستمر في الغناء وهو يوضح أشكال الواقع السياسي والمعاناة الجمعية، ويتعمق في التثوير، يقول آخر مقطع شعري:
فدال الغناء ينطوي على النزعة الإنسانية التي يمكن لها أن توقف المدافع الصماء، كما أنها تدفع سامعيها إلى التثوير والتعبير عن الانتماء إلى الأرض.