بيت الشعر بالأقصر

عن موسيقى الشعر العربي – قراءة تحليلية في ثلاثة دواوين حديثة (1)
  • بيت الشعر بالأقصر
  • Comments 0
  • 23 Feb 2026

عاطف عبدالعزيز الحناوي

لنا أن نتجادل كثيرا أو قليلا حول قضية موسيقى الشعر العربي و العَروض الخليليّ  و لنا أن نتفق و أن نختلف و اتفاقنا و اختلافنا علامة صحية و دليل حياة و نمو و النمو سعي نحو الأكمل و الأجمل و الأكثر إبداعا و فيما يلي عرض و تحليل لثلاثة دواوين صدرت في هذا القرن الواحد و العشرين ألا و هي

  • “فتنة التاريخ المقيم” للشاعر بهجت صميدة

  • “سفر نشيد إنشادي” للشاعر خالد البوهي

  • “شهقة الجرح” للشاعر عبد العزيز سمير

فيما يلي أعرض جداول إحصائية مستخلصة من الدواوين قيد البحث ثم أبدأ في استخلاص النتائج و بعدها نرى إن كانت تستحق النظر و التأمل و الجدل أم لا و ما دلالتها  .

(ملحوظة : التحليل التالي مرتب وفق تاريخ صدور الدواوين الثلاثة و ليس وفق تفضيلات معينة أو معايير فنية) .

  • شهقة الجرح – صدر في العام 2012 :

  • أمل

البحر عدد القصائد الشكل البيتي الشكل التفعيلي النسبة المئوية لانتشار البحر في الديوان
المتدارك/ الخبب 1 1 2.77%
الكامل 12 12 33.33%
الخفيف 5 5 13.88%
الوافر 4 4 11.11%
البسيط 5 5 13.88%
الرمل 3 3 8.33%
الطويل 2 2 5.55%
المتقارب 4 4 11.11%
الإجمالي 36 36

الواضح من الجدول أن الشاعر عبد العزيز سمير مخلص تمام الإخلاص للشكل البيتي للقصيدة العربية حيث جاءت قصائده بنسبة 100% عمودية البناء و توزعت قصائده بين البحور الصافية و الممتزجة بنسبة 66.66% إلى 33.33% على الترتيب .

ب- سفر نشيد أنشادي – صدر في العام 2015 :

البحر عدد القصائد الشكل البيتي الشكل التفعيلي النسبة المئوية لانتشار البحر في الديوان
المتقارب 4 1 3 20%
المتدارك/ الخبب 5 5 25%
الطويل 1 1 5%
السريع 1 1 5%
البسيط 3 3 15%
الكامل 3 1 2 15%
المديد 1 1 5%
الرمل 1 1 5%
المتدارك 1 1 5%
الإجمالي 20 9 11

أما الشاعر خالد البوهي فقد جاء الفارق طفيفا بين نسبة القصائد البيتية (9 قصائد) بنسبة 45%  و التفعيلية (11 قصيدة ) بنسبة 55% بفارق قصيدتين فقط بين الشكلين أما البحور الصافية فقد جاءت بنسبة 70% و الممتزجة بنسبة 30%.

  • فتنة التاريخ المقيم – صدر في العام 2017 :

البحر عدد القصائد الشكل البيتي الشكل التفعيلي النسبة المئوية
الوافر 7 4 3 21.875%
الكامل 6 2 4 18.75%
المنسرح 3 3 9.375%
المتدارك/ الخبب 1 1 3.125%
الرمل 2 2 6.25%
الطويل 1 1 3.125%
المتدارك 3 3 9.375%
مزيج بين التفعيلات 1 1 3.125%
المقتضب 1 1 3.125%
الخفيف 3 3 9.375%
المتقارب 3 3 9.375%
المضارع 1 1 3.125%
الإجمالي 32 16 16

و الشاعر بهجت صميدة تساوى عنده تمثيل الشكل البيتي و التفعيلي بعدد 16 قصيدة لكل منها بنسبة 50% و جاءت البحور الصافية بنسبة 71.875% أما البحور الممتزجة فكانت نسبتها 28.125% في تسع قصائد فقط من مجموع قصائد الديوان الاثنين و الثلاثين .

نلاحظ أن نسبة البحور الصافية هي الأعلى عبر الدواوين الثلاثة كما أن نسبة تمثيل الشكل البيتي 69.3% تقريبا و هذه النسبة الكبيرة لدى شعرائنا الثلاثة لا سيما حينما نضيف إليها شاهدا آخر هو أن هناك أمثلة كثيرة من المبدعين الشباب يكتبون القصيدة البيتية – والتفعيلية أيضا –  و يبدعون فيها إبداعا متميزا بالفعل سواء على مستوى التمكن و السلامة اللغوية أو على مستوى بناء الصورة الشعرية أو على مستوى التنوع  و الثراء الموسيقي ألم يقل “إدجار ألان بو” أن : (الشعر هو خلق الجمال الموزون) !؟  .

نعم يجب الاعتراف بأن شعرية عبدالعزيز سمير أكثر لصوقا بالكلاسيكية شكلا و مضمونا و لكن البوهي و صميدة أكثر اقترابا – بل توغلا – في الحداثة الشعرية من حيث تعدد الأصوات و استخدام السرد و تكنيكات الفنون المختلفة في كتابة القصيدة و كذلك التعبير عن أزمة الإنسان المعاصر في هذا الكون الغامض كل هذا مع قام به شعراؤنا مع التسلح برصانة اللغة و سلامة قوامها و الارتباط بقواعد ثابتة و أصول و جذور راسخة و معنى الرسوخ و الثبات هنا لا يدل على السكون و عدم التطور بل هو رسوخ و ثبات جذور النبات و الذي لولاه ما عاش النبات و أينع و أثمر و تطور .

و يتحدث الدكتور صلاح فضل عن ” ثورة الإيقاع” و التي يمثل التكرار – تكرار التفعيلات و القوافي – فيها عنصرا يحمي الشعر الغنائي من التفكك و الانحلال و أن قصيدة النثر تمثل غاية الانحراف عن هذا القالب المحتوم المقولب أو الصلابة العروضية و التشكيلية كما عبر عنها ( أساليب الشعرية المعاصرة  صفحة 28 و 76 )

و يذهب المذهب نفسه الدكتور محمد عبدالمطلب في كتابه ” قراءات أسلوبية في الشعر الحديث حين يصف الإيقاع الخارجي / العروض بأنه بنية صورية لا سبيل إلى التمايز فيها بين مبدع و آخر  و المعاناة تتمثل في التوفيق بين الإيقاع الصرفي و العروضي ( صفحة 26 ) لكنه يعود ليؤكد أن الشعرية يتم تخصيبها بمجموعة من الظواهر الإيقاعية و بخاصة ما تنتجه البنى البديعية و التي يعتبرها البعض مجرد زينة هامشية و لكن التدقيق في دورها التعبيري يؤكد تدخلها الحاسم في إنتاج الدلالة  ( صفحة 36 )

و لعل الدكتور السعيد الورقي في كتابه الثمين ” لغة الشعر العربي الحديث – مقوماتها الفنية و طاقاتها الإبداعية ” و في فصل بعنوان ” موسيقى قصيدة النثر من صفحة 245إلى صفحة 247″ يذكر القضية بوضوح و حسم أكبر حيث أن قصيدة النثر ألغت كلية  الموسيقى الموسيقى الظاهرة في كل أشكالها و أصبحت تعتمد على الإيقاع الذاتي الخاص الذي يتبدى كإيقاع حدسي ندركه من خلال إدراكنا للتجربة الشعرية و يقول لم يعد الجمال الموسيقي المطلوب من الصورة الموسيقية في القصيدة جمالا منسجما منطقيا و إنما أصبح جمالا – لا نكون مغاليين إذا وصفناه بأنه جمال موضوعي يتملص من كل محاولات التقنين القواعدي و يعرض نموذجا لمحمد الماعوط في قصيدته ” مصافحة في أيار” :

هل وجدت عملا ؟

لا

هل كتبت شيئا؟

لا

هل أحببت أحدا ؟

لا

يقول أستاذنا تعليقا على هذا المقطع : هذا المونولوج الشعري إلى جانب ما فيه من سيولة نثرية ، يمتلك أهم خصائص الموسيقى كلغة شعرية و هي الشحنة الانفعالية المتوترة !.

و هذا الكلام و ما شابهه إنما هو من باب الاحتفاء بكل موجة وافدة و كل تيار صاعد أو صاحب سطوة و شهرة و انتشار و إن الزبد يذهب وأما الذي يبقى  فهو ما ينفع الناس . و أتساءل كيف يمكن لشئ أن يكون موضوعيا و هو يتملص من كل محاولات التقنين القواعدي ؟!

قصيدة النثر ليس بإمكانها أن تلغي الموسيقى من اللغة إلغاء تاما و حتى النثر نفسه تظهر فيه جملا و مقاطع موزونة على عروض الخليل و هذا شائع في كلامنا كله  هكذا اتفاقا  و بدون تكلف وزن و تقفية فتلك خاصية فريدة في لغتنا لا يمكننا إلغاؤها إلا إذا تخلصنا من اللغة العربية بكاملها .

ثم في نموذج الماغوط السابق و غيره لا نرى أن التخلص من سلطان الوزن له مزية على الإبقاء عليه من حيث الشحنة الانفعالية المتوترة بل إن الشحنة الانفعالية المتوترة تكون أكثر حضورا و جمالا حينما تأتي في إطار من الموسيقى و الإيقاع العروضي المنتظم و يكفي نماذج شعر صلاح عبدالصبور أو نزار للتدليل على هذه القضية و هو نفسه ما ذهب إليه الدكتور الورقي في فصل بعنوان ” موسيقى التعبير” من كتابه سالف الذكر و لعلنا نعرف جميعا قصيدة ” لاعب النرد ” لمحمود درويش و هي من أكثر قصائده تحقيقا لجوهر الشعر و هي من قصائده الموزونة على بحر المتدارك – في أغلب أجزائها – و هي أكبر نموذج يؤكد ما ذهبت إليه من الارتباط الشديد بين الشحنة الانفعالية المتوترة و بين الموسيقى الظاهرة دون اللجوء إلى تهويمات و ألعاب لفظية لتبرير براعة و إنجاز قصيدة النثر الرهيب في التخلص من موسيقى الشعر و عروضه الخليلي ! و إني أتفق مع أحمد عبدالمعطي حجازي في قوله للأستاذ الصحفي أسامة الرحيمي في كتاب ” بوح المبدعين الصادر عن الهيئة العامة للكتاب ” : “قصيدة نثر يعني أنها غير موزونة و أنا أعترض على عدم وجود الوزن ؛ فالوزن ليس حلية ، بل هو في جوهر البناء الشعري ، و لا يمكن الوصول إلى اللغة الشعرية بكامل تحققها بدون الوزن ”

“منذ ظهور الشعر في اللغات المختلفة و من أهم أدواته الوزن و التقفية “.

عودة إلى شعرائنا الثلاثة :

في قصيدته ” ما بعد الغرق ” و هي من بحر الخفيف يرسم عبدالعزيز سمير صورة كلية تتبادل فيها الجمل الاسمية و الفعلية بما يدعم حالة النص الدرامية بين السكونية و الثبات التي تدل عليها الجملة الاسمية و بين الحركية و النمو التي تؤكدها الجمل الفعلية ثم نلاحظ غلبة الفعل الماضي على النص كله إلا قليلا فانظر إلى شاعرنا يقول  في جمل اسمية :

عينها العش و اللحاظ غصون

 و أنا الطير نحو عشي لاجئْ

و قوله في جمل فعلية :

خيم الصمت في خيام هوانا

 إثر هذا شب الحريق المفاجئْ

و هي قصيدته التي بدأها بقوله :

مر موج على ضفاف الموانئ

هيج القلب و الحنين يناوئْ

نرى الجناس بين ” خيّم و خيام  ” كما نرى اجتماع حرف الخاء و الغين و هي حروف مفخمة  و فيها ثقل بعض الشيء بحرف الصاد و الهاء و الميم  و كذا في مثال الخصر غصن – سيأتي ذكره بعد قليل –  فهذا التراوح بين حروف اللين و الصفير و الرقة و التفخيم كل هذا يسبب نوعا من الاتساق و كسر الاستكراه الصوتي مسببا قدرا كبيرا من الهارموني و التوازن الموسيقي الفعّال في إنتاج جماليات النص .

و كذا فإن الأفعال تتراوح صيغتها بين الماضي و المضارع تكريسا لصراع الأمل و اليأس في وجدان المبدع كما يتضح من مطلع القصيدة و دلالته النفسية البارزة .

و في قصيدة ” همت بشاعرها”  من بحر الكامل نرى التناص مع قصة يوسف – عليه السلام – إذ يقول :

همت به ، لما بها همّا

  قلبي! و زادت مهجتي همّا

قدت قميص الحب من قبُلٍ

  و تأججت و توهجت لمّا….

فتبعثرت منى الرؤى عجبا!

 كيف استطاعت للرؤى لمّا؟!

و هنا نلاحظ التجنيس و قد يعتبره البعض مجرد حلية لفظية  و لكن الحقيقة أن  له دوره في إنتاج الدلالة الشعرية كما أسلفنا و انظر الحذف و استخدام النقط و هي بديل عن الفراغ التشكيلي في البيت الثاني و له فائدة كبرى في البناء الفني للنص و في انفتاحه الدلالي كذلك .

و القصيدة فيها العديد من الصور الجزئية الطريفة منها قوله :

و الخِصر غصن في تمايله

   أيُلام عصفورٌ إذا ضمّا ؟

و كذلك تقديم و تأخير فيه الكثير من البلاغة في قوله :

ضد و حلّ اليوم في خلَدي

  ترياقَ كانت أبطل السُّمّا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *