عاطف عبدالعزيز الحناوي
لنا أن نتجادل كثيرا أو قليلا حول قضية موسيقى الشعر العربي و العَروض الخليليّ و لنا أن نتفق و أن نختلف و اتفاقنا و اختلافنا علامة صحية و دليل حياة و نمو و النمو سعي نحو الأكمل و الأجمل و الأكثر إبداعا و فيما يلي عرض و تحليل لثلاثة دواوين صدرت في هذا القرن الواحد و العشرين ألا و هي
فيما يلي أعرض جداول إحصائية مستخلصة من الدواوين قيد البحث ثم أبدأ في استخلاص النتائج و بعدها نرى إن كانت تستحق النظر و التأمل و الجدل أم لا و ما دلالتها .
(ملحوظة : التحليل التالي مرتب وفق تاريخ صدور الدواوين الثلاثة و ليس وفق تفضيلات معينة أو معايير فنية) .
| البحر | عدد القصائد | الشكل البيتي | الشكل التفعيلي | النسبة المئوية لانتشار البحر في الديوان |
| المتدارك/ الخبب | 1 | 1 | 2.77% | |
| الكامل | 12 | 12 | 33.33% | |
| الخفيف | 5 | 5 | 13.88% | |
| الوافر | 4 | 4 | 11.11% | |
| البسيط | 5 | 5 | 13.88% | |
| الرمل | 3 | 3 | 8.33% | |
| الطويل | 2 | 2 | 5.55% | |
| المتقارب | 4 | 4 | 11.11% | |
| الإجمالي | 36 | 36 |
الواضح من الجدول أن الشاعر عبد العزيز سمير مخلص تمام الإخلاص للشكل البيتي للقصيدة العربية حيث جاءت قصائده بنسبة 100% عمودية البناء و توزعت قصائده بين البحور الصافية و الممتزجة بنسبة 66.66% إلى 33.33% على الترتيب .
| البحر | عدد القصائد | الشكل البيتي | الشكل التفعيلي | النسبة المئوية لانتشار البحر في الديوان |
| المتقارب | 4 | 1 | 3 | 20% |
| المتدارك/ الخبب | 5 | 5 | 25% | |
| الطويل | 1 | 1 | 5% | |
| السريع | 1 | 1 | 5% | |
| البسيط | 3 | 3 | 15% | |
| الكامل | 3 | 1 | 2 | 15% |
| المديد | 1 | 1 | 5% | |
| الرمل | 1 | 1 | 5% | |
| المتدارك | 1 | 1 | 5% | |
| الإجمالي | 20 | 9 | 11 |
أما الشاعر خالد البوهي فقد جاء الفارق طفيفا بين نسبة القصائد البيتية (9 قصائد) بنسبة 45% و التفعيلية (11 قصيدة ) بنسبة 55% بفارق قصيدتين فقط بين الشكلين أما البحور الصافية فقد جاءت بنسبة 70% و الممتزجة بنسبة 30%.
| البحر | عدد القصائد | الشكل البيتي | الشكل التفعيلي | النسبة المئوية |
| الوافر | 7 | 4 | 3 | 21.875% |
| الكامل | 6 | 2 | 4 | 18.75% |
| المنسرح | 3 | 3 | 9.375% | |
| المتدارك/ الخبب | 1 | 1 | 3.125% | |
| الرمل | 2 | 2 | 6.25% | |
| الطويل | 1 | 1 | 3.125% | |
| المتدارك | 3 | 3 | 9.375% | |
| مزيج بين التفعيلات | 1 | 1 | 3.125% | |
| المقتضب | 1 | 1 | 3.125% | |
| الخفيف | 3 | 3 | 9.375% | |
| المتقارب | 3 | 3 | 9.375% | |
| المضارع | 1 | 1 | 3.125% | |
| الإجمالي | 32 | 16 | 16 |
و الشاعر بهجت صميدة تساوى عنده تمثيل الشكل البيتي و التفعيلي بعدد 16 قصيدة لكل منها بنسبة 50% و جاءت البحور الصافية بنسبة 71.875% أما البحور الممتزجة فكانت نسبتها 28.125% في تسع قصائد فقط من مجموع قصائد الديوان الاثنين و الثلاثين .
نلاحظ أن نسبة البحور الصافية هي الأعلى عبر الدواوين الثلاثة كما أن نسبة تمثيل الشكل البيتي 69.3% تقريبا و هذه النسبة الكبيرة لدى شعرائنا الثلاثة لا سيما حينما نضيف إليها شاهدا آخر هو أن هناك أمثلة كثيرة من المبدعين الشباب يكتبون القصيدة البيتية – والتفعيلية أيضا – و يبدعون فيها إبداعا متميزا بالفعل سواء على مستوى التمكن و السلامة اللغوية أو على مستوى بناء الصورة الشعرية أو على مستوى التنوع و الثراء الموسيقي ألم يقل “إدجار ألان بو” أن : (الشعر هو خلق الجمال الموزون) !؟ .
نعم يجب الاعتراف بأن شعرية عبدالعزيز سمير أكثر لصوقا بالكلاسيكية شكلا و مضمونا و لكن البوهي و صميدة أكثر اقترابا – بل توغلا – في الحداثة الشعرية من حيث تعدد الأصوات و استخدام السرد و تكنيكات الفنون المختلفة في كتابة القصيدة و كذلك التعبير عن أزمة الإنسان المعاصر في هذا الكون الغامض كل هذا مع قام به شعراؤنا مع التسلح برصانة اللغة و سلامة قوامها و الارتباط بقواعد ثابتة و أصول و جذور راسخة و معنى الرسوخ و الثبات هنا لا يدل على السكون و عدم التطور بل هو رسوخ و ثبات جذور النبات و الذي لولاه ما عاش النبات و أينع و أثمر و تطور .
و يتحدث الدكتور صلاح فضل عن ” ثورة الإيقاع” و التي يمثل التكرار – تكرار التفعيلات و القوافي – فيها عنصرا يحمي الشعر الغنائي من التفكك و الانحلال و أن قصيدة النثر تمثل غاية الانحراف عن هذا القالب المحتوم المقولب أو الصلابة العروضية و التشكيلية كما عبر عنها ( أساليب الشعرية المعاصرة صفحة 28 و 76 )
و يذهب المذهب نفسه الدكتور محمد عبدالمطلب في كتابه ” قراءات أسلوبية في الشعر الحديث حين يصف الإيقاع الخارجي / العروض بأنه بنية صورية لا سبيل إلى التمايز فيها بين مبدع و آخر و المعاناة تتمثل في التوفيق بين الإيقاع الصرفي و العروضي ( صفحة 26 ) لكنه يعود ليؤكد أن الشعرية يتم تخصيبها بمجموعة من الظواهر الإيقاعية و بخاصة ما تنتجه البنى البديعية و التي يعتبرها البعض مجرد زينة هامشية و لكن التدقيق في دورها التعبيري يؤكد تدخلها الحاسم في إنتاج الدلالة ( صفحة 36 )
و لعل الدكتور السعيد الورقي في كتابه الثمين ” لغة الشعر العربي الحديث – مقوماتها الفنية و طاقاتها الإبداعية ” و في فصل بعنوان ” موسيقى قصيدة النثر من صفحة 245إلى صفحة 247″ يذكر القضية بوضوح و حسم أكبر حيث أن قصيدة النثر ألغت كلية الموسيقى الموسيقى الظاهرة في كل أشكالها و أصبحت تعتمد على الإيقاع الذاتي الخاص الذي يتبدى كإيقاع حدسي ندركه من خلال إدراكنا للتجربة الشعرية و يقول لم يعد الجمال الموسيقي المطلوب من الصورة الموسيقية في القصيدة جمالا منسجما منطقيا و إنما أصبح جمالا – لا نكون مغاليين إذا وصفناه بأنه جمال موضوعي يتملص من كل محاولات التقنين القواعدي و يعرض نموذجا لمحمد الماعوط في قصيدته ” مصافحة في أيار” :
يقول أستاذنا تعليقا على هذا المقطع : هذا المونولوج الشعري إلى جانب ما فيه من سيولة نثرية ، يمتلك أهم خصائص الموسيقى كلغة شعرية و هي الشحنة الانفعالية المتوترة !.
و هذا الكلام و ما شابهه إنما هو من باب الاحتفاء بكل موجة وافدة و كل تيار صاعد أو صاحب سطوة و شهرة و انتشار و إن الزبد يذهب وأما الذي يبقى فهو ما ينفع الناس . و أتساءل كيف يمكن لشئ أن يكون موضوعيا و هو يتملص من كل محاولات التقنين القواعدي ؟!
قصيدة النثر ليس بإمكانها أن تلغي الموسيقى من اللغة إلغاء تاما و حتى النثر نفسه تظهر فيه جملا و مقاطع موزونة على عروض الخليل و هذا شائع في كلامنا كله هكذا اتفاقا و بدون تكلف وزن و تقفية فتلك خاصية فريدة في لغتنا لا يمكننا إلغاؤها إلا إذا تخلصنا من اللغة العربية بكاملها .
ثم في نموذج الماغوط السابق و غيره لا نرى أن التخلص من سلطان الوزن له مزية على الإبقاء عليه من حيث الشحنة الانفعالية المتوترة بل إن الشحنة الانفعالية المتوترة تكون أكثر حضورا و جمالا حينما تأتي في إطار من الموسيقى و الإيقاع العروضي المنتظم و يكفي نماذج شعر صلاح عبدالصبور أو نزار للتدليل على هذه القضية و هو نفسه ما ذهب إليه الدكتور الورقي في فصل بعنوان ” موسيقى التعبير” من كتابه سالف الذكر و لعلنا نعرف جميعا قصيدة ” لاعب النرد ” لمحمود درويش و هي من أكثر قصائده تحقيقا لجوهر الشعر و هي من قصائده الموزونة على بحر المتدارك – في أغلب أجزائها – و هي أكبر نموذج يؤكد ما ذهبت إليه من الارتباط الشديد بين الشحنة الانفعالية المتوترة و بين الموسيقى الظاهرة دون اللجوء إلى تهويمات و ألعاب لفظية لتبرير براعة و إنجاز قصيدة النثر الرهيب في التخلص من موسيقى الشعر و عروضه الخليلي ! و إني أتفق مع أحمد عبدالمعطي حجازي في قوله للأستاذ الصحفي أسامة الرحيمي في كتاب ” بوح المبدعين الصادر عن الهيئة العامة للكتاب ” : “قصيدة نثر يعني أنها غير موزونة و أنا أعترض على عدم وجود الوزن ؛ فالوزن ليس حلية ، بل هو في جوهر البناء الشعري ، و لا يمكن الوصول إلى اللغة الشعرية بكامل تحققها بدون الوزن ”
“منذ ظهور الشعر في اللغات المختلفة و من أهم أدواته الوزن و التقفية “.
في قصيدته ” ما بعد الغرق ” و هي من بحر الخفيف يرسم عبدالعزيز سمير صورة كلية تتبادل فيها الجمل الاسمية و الفعلية بما يدعم حالة النص الدرامية بين السكونية و الثبات التي تدل عليها الجملة الاسمية و بين الحركية و النمو التي تؤكدها الجمل الفعلية ثم نلاحظ غلبة الفعل الماضي على النص كله إلا قليلا فانظر إلى شاعرنا يقول في جمل اسمية :
نرى الجناس بين ” خيّم و خيام ” كما نرى اجتماع حرف الخاء و الغين و هي حروف مفخمة و فيها ثقل بعض الشيء بحرف الصاد و الهاء و الميم و كذا في مثال الخصر غصن – سيأتي ذكره بعد قليل – فهذا التراوح بين حروف اللين و الصفير و الرقة و التفخيم كل هذا يسبب نوعا من الاتساق و كسر الاستكراه الصوتي مسببا قدرا كبيرا من الهارموني و التوازن الموسيقي الفعّال في إنتاج جماليات النص .
و كذا فإن الأفعال تتراوح صيغتها بين الماضي و المضارع تكريسا لصراع الأمل و اليأس في وجدان المبدع كما يتضح من مطلع القصيدة و دلالته النفسية البارزة .
و في قصيدة ” همت بشاعرها” من بحر الكامل نرى التناص مع قصة يوسف – عليه السلام – إذ يقول :
و هنا نلاحظ التجنيس و قد يعتبره البعض مجرد حلية لفظية و لكن الحقيقة أن له دوره في إنتاج الدلالة الشعرية كما أسلفنا و انظر الحذف و استخدام النقط و هي بديل عن الفراغ التشكيلي في البيت الثاني و له فائدة كبرى في البناء الفني للنص و في انفتاحه الدلالي كذلك .