خالد طايع
قبل الوقوف على مواضع التوظيف الموضوعى الملموس للتراث بمختلف تجلياته كما ظهر في الديوان يمكن أن أشير إلى نمط خاص من حضور التراث يتمثل فى استحضار الظلال والأجواء العامة للتراث ، ويتمثل ذلك فى لغة الشاعر ، فهى فى مجملها لغة معجمية رصينة تجعلنا نقول مطمئنين إننا إزاء شاعر هو ابن بار للتراث ، مع ملاحظة أنه سعى حثيثا للتخفيف من سطوة اللغة المعجمية حين جعلها تتجاور – فى مواضع عدة ودون إحساس بالتنافر – مع مفردات من الحياة المعاصرة مثل : ” المقهى – القهوة – زجاجات الكولا – الجرنال – السينما – البلكون – فيونكة – شيش الشباك – الرنّة – الفيكس …”
* هذه الأجواء التراثية يطالعنا ظلها فى قصيدة ” كالأطفال إذا صلوا ” :
فالمشهد يردنا إلى بادية العصر الجاهلى وليل امرئ القيس وصحراء الشاعر الجاهلى الذى اعتاد الرحلة .
* يستلهم الشاعر لغة القرآن الكريم فى أكثر من موضع ، ومثل هذا التوظيف يكون فى العادة حلية لغوية ، إذ تنسرب لغة النص القرآنى المحفورة فى ذاكرة الشاعر إلى لغة نصه الشعرى . وبديهى أن العبارة الموظفة تكتسب دلالة جديدة فى سياق القصيدة ، ولا شأن لها بدلالتها فى النص القرآنى ، وإن كان دورها يظل مقصورا على مجرد الاستدعاء اللفظى ، مثال ذلك :
حيث يقول تعالى : ” فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون ” ( القصص – 29 )
فلا يقصد من توظيف الآية القرآنية إنتاج دلالة ما تجعل من رحلة موسى مع أهله ، وقد آنس بجانب الطور نارا متلاقية مع رحلة الشاعر .
– وفى قصيدة ” على أطراف هذا الحزن ” نلتقى بموضعين استحضر فيهما لغة القرآن الكريم :
إضافة لموضع ثالث يستحضر فيه قميص يوسف :
وإذا كان الموضعان الأولان لا علاقة لهما بمن ارتبط بهما سياق الآيتين ( الوليد بن المغيرة فى الآية الأولى كما تذهب لذلك التفاسير وكتب أسباب النزول فى قوله تعالى ” ثم يطمع أن أزيد ” ( المدثر – 15 ) – ونبى الله يوسف فى الآية الثانية ) فإن الموضع الثالث يستدعى – من قميص يوسف – دلالة استعادة الرؤية للثائر الولهان .
– وفى قصيدة ( الإشارة ) حين يتحدث عن شيخه الذى ارتاب فيه وتركه يقول :
فى تناص مع قوله تعالى ” وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” ( البقرة – 260 )
ولعل هذا التوظيف يتجاوز مجرد الاستدعاء اللفظى لمنطوق الآية ليستحضر حالة الشك الإبراهيمى والرغبة فى اطمئنان القلب ؛ لأن النص يحدثنا عن ذات تعانى ألم الشك ذاته .
– وربما يتم استدعاء جوهر الآية القرآنية وروحها أو مضمونها لا نصها لخلق دلالات جديدة ، ومن ذلك قوله فى قصيدة ( عصفور وهذا قفصى ) :
فالقارئ هنا يستدعى قوله تعالى ” ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ )النمل: 18( .
والنمل هنا ليس النمل الذى مر به سليمان وجنوده ، ولعلها تشير إلى جموع الشعب التى يتمنى الشاعر أن تحفظ نشيده المقاوم فى مواجهة أحذية العسكر الثقيلة ، وواضح أن استبدال مفردة ” العسكر ” بـ ” الجنود ” – المنصوص عليها في الآية – يحمل دلالة معاصرة لا تخفى .
* وفى موضعين مختلفين يشير الشاعر إلى أسماء أربع سور قرآنية بحيث يتوجب على القارئ لفهم الدلالة التى يريدها الشاعر أن يعود للمصحف ويعيد قراءة السور بحثا عن الآيات المقصودة :
– الموضع الأول فى قصيدة ( الإشارة ) ذات الظل الصوفى :
وإجمالا فإن سورة الكهف تحتوى على قصة موسى مع العبد والصالح الذى عُرف فى التراث المكتوب والشفاهى بالخضر ، ولعل المراد تحديدا الآية 65 من السورة : ” فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدناه علما ” .
فقصة الخضر إجمالا ، وهذه الآية تحديدا منها ،تعد حجر الزاوية فى الفكر الصوفى المؤمن أتباعه بما يسمى”العلم اللدنى” .
أما سورة الأعلى فربما يقصد منها مجمل السورة ، أو آيتها الأخيرة : ” صحف إبراهيم وموسى ” . لتنضم ( الصحف ) مع مفردات أخرى بحث فيها المريد عن الإشارة والبشارة .
– أما الموضع الثانى فيشير فيه الشاعر إلى سورتى ( طه ) و ( فاطر ) وذلك فى قصيدة ( فاطمة ) والمقصود بها فاطمة الزهراء ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسنقف معها بعد سطور .
– الأول : يمكن تسميته بالتوظيف العابر أو الإلماحى الذى يكتفى بذكر اسم الشخصية وإثارة ما يكتنز به العَلَم من دلالات معرفية حاضرة لدى المتلقى أو عليه استحضارها . فى هذا النمط نلتقى بأسماء : ” ابن العبد – ابن الفارض ( وكلاهما يحضر عبر ذكر أشعاره ) كونفيشيو – بوذا – الجنيد – الحسين – زينب – سيزيف – وكذلك السهرودرى المستدعى من خلال بيتين له مع الإشارة له فى هامش القصيدة ”
والإشكالية التى تواجه هذا النمط من التوظيف هى احتمالية غياب المحمول المعرفى لدى القارئ ، إذ يطالع أسماء شخصيات ربما يجهلها أو لا يعرفها المعرفة المطلوبة .
– الثانى : استدعى فيه الشاعر أربع شخصيات تراثية وجعلها محورا لقصائده ، وهى ( خديجة – فاطمة الزهراء – زينب أخت الإمام الحسين – ورقية ابنته ) .
وقد جعل الشاعر اسم كل شخصية عنوانا لقصيدتها ، إلا القصيدة التى دارت حول السيدة خديجة فآثر أن يعنونها بـ”السيدة ”
كما أن هذه القصائد لا تستند فى توليد دلالتها على أحداث تاريخية واضحة ومحددة فى سيرة هذه الشخصيات يتم إبرازها والاتكاء عليها لبناء النص وإنما يتم الإشارة للشخصيات فى سياقها التاريخى العام :
1- فى قصيدة ” السيدة “ يُعنى الشاعر بإبراز جانب إنسانى خاص فى حياة السيدة خديجة هو جانب الأنثى الحبيبة فى علاقتها بمحبوبها الرسول :
2- على حين تمتد قصيدة ” زينب “ بالشخصية الموظفة إلى أبعاد دلالية أخرى ، فتجعل من زينب رمزا للوطن المقاوم الرافض للاستسلام ، ولعل تاريخ القصيدة – والقصائد كلها غُفل من ذكر تواريخها – يرجع إلى أيام ثورة 25 يناير :
ولعل اختيار الشاعر لشخصية زينب يرجع إلى ما ذكرته كتب التاريخ عن دورها البطولى فى معركة كربلاء ، ثم شجاعتها فى مواجهة عبيد الله بن زياد والى زياد بن معاوية على الكوفة ثم مواجهة الأخير نفسه فى قصره بدمشق .
3- أما قصيدة ” فاطمة “ فالشخصية التاريخية المستدعاة يتم رصدها عبر ثلاثة أصوات متتالية كشف كلٌّ منها عن جانب من جوانب الشخصية ؛ الأول هو صوت المحب المشغول بأن يكون قلب فاطمة منشغلا بسواه ، والسياق التاريخى يلزم بأن هذا الصوت للإمام على رضى الله عنه :
لكن صوتا ثانيا يرى أن ما يشغلها تأويل معنى فى سورة طه :
ولعل المراد هنا كل ما ورد فى السورة من خطاب وتوجيهات للرسول الكريم ، مثل قوله تعالى فى مفتتح السورة ” طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ” ، أو قوله ” ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ” لكن الأرجح عندى أن المراد قوله تعالى ” وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ” إنه الموضع الوحيد الذى ترد فيه الإشارة لآل محمد فى السورة ، ورغم أن هذا الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يدخل فى عمومه جميع أمته ، لكن التخصيص لأهل بيته حاضر ، فقد ورد أنه كان – عليه السلام – بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي رضوان الله عليهما فيقول : الصلاة . إن عمل فاطمة بمقتضيات الآية الكريمة وتوجيهها كفيل بجعلها ملاذا لمن قهرتهم الحياة ولعاشقها .
على حين يؤكد الصوت الأخير وهو صوت المَلَك الرابض عند الخيمة أن ما يشغلها هو معنى موجود فى سورة ” فاطر ”
ولم أجد فى السورة آية أقرب للحضور من قوله تعالى :” ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدعُ مثقلة إلى حملها لا يُحمل منه شئ ولو كان ذا قربى ” . أى على فاطمة ألا تركن إلى نبوتها للرسول فترى أن هذا الأمر شكل لها منجاة من الحساب ، وهو المعنى الذى رأيت انه المقصود بالإشارة إلى سورة ” فاطر ” .