بيت الشعر بالأقصر

قراءة في التجربة الشعرية الشبابية المعاصرة (1)
  • بيت الشعر بالأقصر
  • Comments 2
  • 10 Jan 2026

د. أحمد بلبولة

يستطيع القارئ المتابع أن يلمس الحضور الصاخب للتجربة الشعرية الشبابية المعاصرة من خلال صفحات التواصل الاجتماعي “Facebook “، والندوات، والمسابقات العربية التي تنفق ببذخ على هذا الفن، والدواوين التي تنشر منجمة هنا وهناك من خلال دور نشر رسمية وغير رسمية، ويمكنه أيضا تصنيف المادة الشعرية الكبيرة كمًّا إلى ثلاثة تيارات محددة : الأول ذلك النمط الشعري اللاهث وراء الجوائز وهو نمط لا يعكس تمايزا على مستوى النوع بقدر ما يعكس تشابها يوشك به ومعه أن يكون نصا واحدا يوشك بدوره أن يكون خطابا، نمط يحتفى بالقيم الموروثة المحافظة لهذا الفن من وزن وقافية، واهتمام بالمبدأ الشعري القديم: “البيت وحدة القصيدة”، وإعادة إنتاج للبلاغة القديمة بشكل يقترب كثيرا من مفهوم عمود الشعر. والنمط الثاني ما يمكن أن يسمى نمط الجيل الثالث من قصيدة النثر، وهو نمط إضافة إلى انصبابه على كتابة الهامشي والعادي التداولي يحمل أمشاجا لا بأس بها من عصر تكنولوجيا المعلومات. والنمط الثالث هو الذي يجمع بين هذين النمطين من حيث عدم إهماله القيم الإيقاعية الموروثة، والأخذ بنصيب من المنجز الشعري الحديث. وبالضرورة فإن ثمة تداخلا كبيرا حادثا بين هذه الأنماط الثلاثة على مستوى الكتابة بشكل عام، وعلى مستوى الشاعر الفرد الذي يتنوع منتجه أحيانا ليحوي هذه الأنماط الثلاثة مجتمعة. ولا شك أن التجربة الشعرية الشبابية بأنماطها الثلاثة تحمل قدرا كبيرا من الوحدة التي تتمثل في سمات جامعة أكثر من الاختلاف الذي يبدو -باختبار سريع للقارئ- أنه اختلاف لا يعدو أن يكون شكليا. ومن هذه السمات الجامعة : الذاتية، واللغوية، والنص المفتوح، وهي أمور طبيعية في هذه المرحلة العمرية، التي لا تولي اهتماما كبيرا لاقتناص المعنى بقدر الرغبة في كتابة طازجة تحاول إثبات القدرة على الكتابة والكتابة فقط، ولا إلى تطويره ليخرج عن بساطته إلى مجال الرؤية الرحيب الأكثر تعقيدا.

وفي حالة كهذه لابد للناقد أن يمارس دوره الإرشادي حتى يستطيع أن يصل بهذه الطاقات الشعرية الواعدة إلى النقطة التي وصل فيها فرجيل مع دانتي، وربما يكون المدخل النموذجي لمعالجة هذه التجربة التي تتمثل في أحد عشر ديوانا أن يقدم الناقد بمقدمات تلقي الضوء على طبيعة هذا الفن؛ ومن ثم يتضح ما هو ملائم لطبيعة هذا العصر. وأولى هذه المقدمات وأولاها – من منظور شخصي بحت- علاقة الشاعر بالحقيقة، وهي مقدمة المقدمات؛ لأن كل شيء آخر يمكن أن ينسل منها، أو يسلك فيها، وتتحدد على إثرها وفي ضوئها المسافة التي يقف عليها حظ كل شاعر من المجاز، ومكانه من الصدق في مقابل الادعاء، والواقع في مقابل الخرافة، والجدية في مقابل اللهو، الأمر الذي يتطلب من المبدع حالة كبيرة من التفكر تسبق الكتابة، والجرأة في الحذف لما تقذف به عملية الكتابة مما لا يكون داخلا في صميم العمل محل التنفيذ، ولابد أن يمارس الشاعر ذلك لا على المستوى النوعي فقط، ولكن على المستوى الوجودي أيضا؛ فالحقيقة يجب أن تكون واضحة حتى ولو كانت إحدى حقائقه الخاصة؛ ومن ثم تتضح المعاني وتتعاون في رسم مشروعه الشعري جاذبة كل الوسائل لتحقيق ذلك، وإنتاج البصمة الفنية المميزة التي تأتي طبيعية كالثمرة التي تأخذ حقها على فرعها وقتا وغذاء. وربما كان الجدل الذي نقله الآمدي في كتابه “الموازنة” حول من الأفضل : أبو تمام أم البحتري يلمع إلى ضرورة تحديد هذه العلاقة وإن لم يصرح بها تصريحا، ولعل في كلام صاحب البحتري – كما أورده الآمدي – الذي نصره على أبي تمام ما يوضح أن تحديد هذه العلاقة لا يعني إسقاط المجاز؛ إذ يقول: “وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما نجده كثيرا في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بحسن العبارة، وحلاوة الألفاظ، وصحة المعاني”، والكلام عن عمود الشعر لا يتسع له المقام هنا، وإنما المستخلص المهم من ذلك ألا يتجاوز الشاعر أن يعبر ببساطة عن فكرة أو واقع أو حالة قارة في عالم الوجدان – والوجدان هو الذي يهب الشاعرية ويجعل للكلام ما وراءه – دون أن يشغل بأشياء أخرى تأخذ مجهودا أكبر، ولا طائل من ورائها ألبتة. وبشيء من التحديد فإن هذه العلاقة تنتصر للطبع – بمفهوم القدماء – على الصنعة، ولا طبع لمن لا ملكة له، وتسهم في نجاح العمل الفني، أو كما يذهب ابن شهيد فإن “إصابة البيان لا يقوم بها حفظ كثير من الغريب، واستيفاء مسائل النحو، بل بالطبع، مع وزنه من هذين”، على أن مسألة الطبع هذه مع كونها لا يمكن ضبطها علميا تبدو مقبولة وغير مستهجنة على ذوي الخبرة بهذا الفن؛ ولذلك يستمر ابن شهيد في مقاربة لتعريف الطبع لا تعدو أن تكون أكثر من هذا، فيقول: “فمن كانت نفسه مستولية على جسمه، فقد تأتي منه في حسن النظام صور رائعة من الكلام، تملأ القلوب وتشغف النفوس، فإذا فتشت لحسنها أصلا لم تجده، ولجمال تركيبها أُسًّا لم تعرفه، وهذا هو الغريب”. وغير بعيد على الشاعر المطبوع أن يفعل هذا، أو أن يقوده حدسه الفني لإدراك علاقة الشعر بالحقيقة، لكن الوعي بها يظل هو المقدم في هذا الشأن؛ لأنه يعصم من التذبذب الفني الذي تارة تكون إحدى قصائده غاية في التجاوز، وتكون الأخرى غاية في الردة والرجعية. وفي قصيدته “غريبان على الباب” يلامس أحمد حافظ هذه العلاقة ويكاد يعطي توصيفا نموذجيا لها فيقول :

فها نحن إيقاعنا باهت

والمجازات لم تشف غلتنا في اقتناص الحقيقة

والفرس العربية أتعبها العدو ما بين منحدر وتلال

وعدنا من الهرج الشاعري

بخفي كلامْ

إذن هو هرج شاعري – على حد تعبير أحمد حافظ- ذلك الذي لا يستطيع شاعره تحديد علاقته بالحقيقة، وقد يتطور الهرج ليصبح فوضى، أو ممارسة لغوية تسقط المعنى من حسابها؛ وتصير الشاعرية -كل الشاعرية- عملية استلاف يتلقفها مهرج عن مهرج؛ فيلقيها على مهرجين، دون أن يحدث الشعر أثره المطلوب من شحذ الحساسية، ونضج الوجدان، وإقامة مملكة الشعر على الأرض.

وثاني هذه المقدمات أن يدرك الشاعر واقعه وجوديا ونوعيا أيضا؛ فيعرف عصره بمحركاته الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، وأدواته الصناعية، والتكنولوجية المختلفة؛ فهو حين يكتب إنما يكتب عما يعيشه، وإلا صار منفصلا عن زمانه ومكانه، وبالتبعية تصبح كتابته حالة نوستالجيا ماضوية تحن إلى لحظة بائدة ومكان لم يعد في المكان، وأنغاما خارج الوقت تمزق الروح أكثر مما ترتبها، أو على الأقل تصيبها بالشيزوفرينيا فتعاني عدم القدرة على التكيف والالتئام، هذا على المستوى الوجودي. أما على المستوى النوعي؛ فلابد أن يكون على إلمام كبير بتطور فنه الذي يكتب فيه، حتى يبدأ مما انتهى إليه أسلافه، لا أن يعيد إنتاج ما كتبوه وإن جاهد في أن يكون مختلفا مفردة وتركيبا حاسبا أن نكهة العصر لا تحتاج أكثر من هذه المقبلات. إن إدراك العصر يتطلب أولا الوعي به، وثانيا محاولة فهمه، وهما ما يمكنان الشاعر – أو أي فنان آخر – أن يستغل درجات الاتصال العليا التي تحدث لحظة توفر حالة إلهام حقيقية؛ فيكتب نصا حقيقيا جديرا بالقراءة. وآية الشاعر في إدراك واقعه أن يكون المثير الإبداعي واقعة؛ فالشعر في كل مكان حولنا، وعلى الشاعر أن يبدأ من بر آمن، أو من مقام معلوم؛ لأن الشاعر في النهاية لا يكتب لنفسه وإنما يكتب لآخر. نعم الكتابة نوع من التطهر -كما ذهب أرسطو- لكنه تطهر له دور اجتماعي، لا يتحقق اكتماله إلا بتحقق إمكانية التفاعل من لدن قارئ هنا أو هناك. ومن هنا كان خطر دور اللغة أداة الاتصال من حيث إنها لابد أن تعكس هذا الوعي بالواقع على المستويين: الوجودي والنوعي، وإن بقيت أسرار أخرى فوق لغوية تتحقق عبر وسائل أخر.

2 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *