وبعد ففي ضوء هاتين المقدمتين الضروريتين يصبح التعامل مع المادة الشعرية محل الدراسة أكثر وضوحا؛ من حيث المشكلات التي تثيرها عند هذا الجيل الطليعي، والإسهامات الجمالية التي تطرحها. وأولى هذه المشكلات – كما تقدم – الذاتية التي تجعل النص لا يخرج عن نطاق الذات المبدعة، وهي منطقة على إغرائها تمثل أشد مناطق الفن عتامة، حتى ولو عالجت موضوع الحب، لأنها – كما يقول الدكتور صلاح فضل – : تقع في دائرة الشجن، التي لا تسمح بتعاطف الآخرين؛ وكذلك نادرا ما تمكن الشاعر من أن يفتح باب الرؤية؛ فينتقل من الخاص للعام. هذا، ويأتي على رأس الموضوعات الذاتية التي أولع الشعراء الشباب بها هنا قضية الشاعر النبي، الذي هو فتى يأتي غريبا للأرض، يتنقل في أفيائها، ويشاهد البشر ويشاهدونه، ثم يصعد الجبل ويختفي بعد ذلك أو لا يختفي، هذا الموضوع تحديدا يتقلب عبر القصائد المختلفة، مع إمكانية ملاحظته ولو تقنع بأقنعة أخرى، والملاحظة الغريبة أن الموضوع رغم ذاتيته فإنه يؤدي بالنص إلى أن ينفتح انفتاحا كبيرا ليقول كل شيء وفي النهاية لا يقول شيئا، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومع ذلك لا يعدم القارئ أن يجد في المادة الشعرية المعالجة بعض النماذج الذاتية التي أفلتت من دائرة الشجن، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر- قصيدة “في قصر السماوات” لمحمد منصور، وقصيدة “على باب الله” لأحمد حافظ؛ فمحمد منصور يعالج قضية الشاعر النبي أيضا الذي يسكن قصر السماوات، يخطر في حلة موشاة، مكتمل اللذة، يحتسي سلاف النعيم، ولا يكترث للأمس، ولا يأبه بالغد، ولا يشغل نفسه بالغائبين، ولا يؤرق ليله عليه هموم، إنه العالم المثالي الذي يمكّن الإنسان من أن يحيا مثاليته ويستعيد كماله، فلا مرآة ستعكس تشوه الجسد والروح؛ لأنه سيخلق خلقا جديدا، وهذا الجزء تحديدا من القصيدة هو الذي ساهم في إنجاحها؛ لأن الشاعر وهو في قصره المسحور لم يستطع أن يتخلص من عقدة تشوهات الأرض والخلقة، وهو شيء خاص يجلب التعاطف الإنساني، ويخرج بالقصيدة من الضيق للفسيح، من الذاتي إلى الواقعة:
وفي قصيدة “على باب الله” يخرج أحمد حافظ بتجربة الحب عن طورها البشري إلى حالة من العشق الإلهي، مفيدا من التجربة الصوفية الشعرية عند الحلاج، وابن عربي، وابن الفارض، وأضرابهم، غير أنه يختار قافية صعبة؛ فيطوعها بشكل يعطي طزاجة للتجربة، ويوهم بجدتها، وهو يبدأ قصيدته بشكل عادي كما يبدأ كل شاعر عاشق قصيدته؛ من حيث إن الحب جاءه على غفلة منه حين برزت له الحبيبة؛ فقفز قلبه وهو المحصن الذي لم يستطع أن يصيده رمش من قبل، ومن ثم هاج عليه الحنين الذي أخرجه عن طوره؛ فباح رغم محاولة الكتمان، وذلك لأنها أنثى كونية يتعشقها الجميع وتحج إليها القلوب. وعلى الرغم من انصراف الشاعر عن كلية الرمز، والتفاته المباشر لمخاطبة الذات العالية، فإن ظلال الحال المحبة لا تفارق القصيدة من أولها لآخرها، وهو ما يتضح في خاتمة القصيدة التي يقول فيها :
ويظل هذا النوع من الكتابة في حاجة لتطوير أعلى وأعقد، إحدى آلياته أن تظهر خصوصية هذا الحب الصوفي معقودة بأحاسيس العصر ومتغيراته ومشاكله. غير أن من النماذج الشعرية الذاتية في هذه الدواوين التي سجلت معدلا أكبر من معدلات النجاح متفوقة على نظيرتيها السابقتين قصيدة محمد هشام “وسواس قهري”، وهو شاعر ذو مذاق خاص، تأتي مجموعته مغايرة؛ من حيث اعتمادها لغة خشنة تذكر بلغة عفيفي مطر، وتجريبا مجازيا – لا يزال في مرحلته المعملية – يثمر مع الوقت، وهو منحى عسير وشاق على الشعراء جميعا، لكنه حين يصبح اختيار شاعر لا يزال يترسم خطاه في هذا الفن إنما يعكس جدية جديرة بأن توفر عليه وقتا كبيرا كان سيهدر لو أنه تابع غيره من الشعراء في استلاف الشاعرية من الشعراء الآخرين، وتضعه على الطريق مباشرة وإن جاء حظه تعيسا مع الجوائز والاحتفاء المحفلي. هذه القصيدة يعالج فيها الشاعر بأسلوب سردي مسألة القرين الذي يلازم الإنسان، وهي تجربة رغم سبوق معالجتها من شعراء آخرين : أمل دنقل، ومحمود درويش، فإن الخصوصية التي يمنحها لها محمد هشام بأسلوبه المتفرد، ولغته الجسور، وزاوية التناول، تثبت أنها لا تزال في حاجة إلى معالجات أخرى يمكن أن تضيف؛ فالقرين الذي يتبعه ويصفه بأنه وجهه الآخر لديه قدرة هائلة على التنكر، وتبديل الهيئة، فهو الشريك على طاولات المقاهي، يصب مع ما يصب في كوب اللبن، ويلتف في دخان التبغ، ويسكن بيت عناكب الذاكرة، ويزاحمه في المترو لحظة الذروة، وربما بادله الشاعر –أيضا- دوره مخاتلة بمخاتلة؛ فينحني كي يراه حين يتظاهر بضبط حذائه، وأحيانا يتحسس ذر قميصه خوفا من أن يكون مزروعا به يتسمع مكالماته متلصصا مع الأصدقاء، ومع تطور التجربة تتسع حالة التوجس لتشمل الكائنات، فيظن الشاعر الموسوس أن كل حركة ونأمة في الحياة إنما هي لمحاولة الإمساك بهذا القرين الذي لم يعد خافيا على أبنائها من آثاره الكثيرة الدالة عليه؛ فالقط الذي يقفز فوق السلالم ربما سارع لضبط هذا القرين في شقته. إلى هذا المدى صار هذا القرين شاغلا للموجودات كأنما يتلبس بالأشياء التي تسترعي اهتمام مخلوقاتها المتلازمة، ولا يفوت الشاعر السارد، بين لحظة وأخرى أن يلعب دور الراوي العليم فيتدخل ليقطع إيقاع السرد اللاهث ليعطي معلومة، أو يضيف تعليقا :
ثم يعود مرة أخرى ليكمل السرد، فيذكر أنه يرى وجه قرينه في رغيف الطعام للدرجة التي يحسب فيها أنه يمضغه؛ فيتقيؤه حتى يشهده فارا من قيئه، ويترقبه ليأتي مرة أخرى، فيأتي في لحظات الحب؛ فيندس واقفا بينه وبين حبيبته، وأخيرا يضرب حول دمه دائرة، إنه صاحب الألف لون ولون :
ولا شك أن نجاح هذه التجربة يأتي من أنها استطاعت أن تقيم حدثا دراميا من خلال شخصيتين تترصدان بعضهما البعض، ومن خلال فتح باب الرؤية وتوسيع مدى احتمالية التأويل؛ فالذات التي تعاني هذا الوسواس القهري، تخرج عن حدودها الضيقة لتعالج قضية الإلهام وملازمة الشعر للشاعر، أو تخرج عن ذلك لقضية أخرى مقترحة من أي قارئ بعد أن تم اجتذابه بحرفية شديدة لحل هذا اللغز.
وثاني هذه المشكلات التي تطرحها هذه الدواوين قضية النص المفتوح، وقد سبقت بعض الإلماعات إليه، ويرتبط بها من جانب – كما سبق أيضا- مبدأ “البيت وحدة القصيدة”، الأمر الذي يصرف عناية الشاعر بالبيت على حساب النص، فيأتي أحيانا عبارة عن أبيات لا يجمعها رابط عضوي قوي، وغالبا ما يكون ذلك أثرا من آثار شعرية الاستلاف، التي يعمد فيها الشاعر إلى موجة شعرية رائجة؛ فيقلدها حتى يحقق جماهرية سريعة، ويقدم مسوغات قبوله واجتيازه للمسابقات الشعرية العربية التي ظهرت مؤخرا، وللأسف ينجح ذلك مرارا وتكرارا! على الرغم من انطوائه على هذا الزيف الكبير. ومن جانب آخر يرتبط به وقوع الشاعر في اللغوية الخالصة التي لا تعكس حالا وجدانية، أو تنقل عاطفة، أو تحمل روحا؛ فيصبح النص لعبة لغوية فارغة؛ لا تنتج معرفة، ولا تبني عقلا، أو تضيف شيئا لهذا الفن. ومن النماذج التي أفلتت من الوقوع في ذلك باتخاذها من الواقعة تكأة ومنطلقا قصيدة “بنت” لمحمود علي، وقصيدة “خلف حائط المبكى” لمحمد عرب صالح، وقصيدة “ميري” لعمر مهران، القصيدة الأولى تبدأ بواقعة هي لقطة لبنت في شارع، تظهر من خلال أوصاف مجازية متتابعة، تتواشج مع جمل أخرى تصف ما يعج به الشارع من أحداث، وما يمثله من قيم تساهم في رسم اللحظة القلقة الفارقة في ملكوت الحب الضائع. ويتأسس المشهد الأول على مفارقة بين الحلم والواقع، الواقع الذي يأبى تحقيق الحلم، ثم يتصاعد الموقف بتصاعد القلق الذي يأخذ قيمة كونية حين يصير قلقا في عمر الأرض، وحين يتحول التاريخ لثعبان يلدغ الفرح الناشيء لتوه، وفي مقابل ذلك تبرز العينان السوداوان كأنهما نشيد من الجنة لا تعرفه الأرض التي تحول دون اكتماله حين تقف حجر عثرة في طريق الحب، وفي حالة من الخوف من المجهول تقف البنت لتمر دورية جيش تشد انتباهها؛ فتذهل عن الماء الذي يشكل معادلا لصفاء العالم في لحظات الحب، بينما يدخل النص في جدلية درامية نتيجة اختلال طارئ على حالة الحب المتولدة بين اثنين هي ومن تحب من خلال مناجاة تعكس شعورا متناقضا يحمل الحب والكره في آن؛ فيكون الوجع وجعين، ثم تأتي الجملة المفاجئة التي تنجح في تطوير المعنى ليصبح رؤية (غلاف الكون يمرر بعض الخيبة للثورة)، وعلى القارئ أن يعيد قراءة النص من جديد بعد قراءة هذه الجملة المفصلية؛ ليكتشف أن البنت هي مصر الثورة، وعليه – أيضا – أن يعيد تأسيس مجازات النص مرة أخرى على المعنى الجديد المكتشف لتوه، غير أن محصلة القراءتين بعد أن تتم إعادة القراءة ليست سوى الضياع بعد العجز عن تحقيق أي انتصار يذكر، وهنا تبهت الملامح وتشحب اللحظة، وتختفي ألوانها، ولا تبقى إلا الصورة لعلها تقدم شيئا طفيفا من المواساة :
3 Comments