عاطف عبدالعزيز الحناوي
وفي ديوان عبد العزيز سمير نلحظ تنوعا إيقاعيا نتج عن اقتراب أو تماس البحور الخليلية معا و ذلك في بعض النصوص لا سيما قصائده من بحر الكامل و بفعل الزحافات و العلل التي تدخل على التفعيلات فتجعل البحر يتماس مع حدود بحر السريع ( هذا واضح في المثال الذي ضربناه من قصيدة همت بشاعرها ) و هذه حرية تتيحها بحور الشعر العربي بتنوعاتها النغمية الفريدة التي تعبر عن الحركة و السرعة أو البطء و السكون من مجرد تتابع الحركات و السكنات على نظام مخصوص فهي ليست قوالب مصمتة جامدة كما يزعم الزاعمون .
و بالنظر إلى ديوان “سفر نشيد إنشادي” فإننا نرى الصور الكلية و الدرامية و الاتكاء على المفارقة التي يعتبرها البعض جوهر الشعرية – كلينث بروكس على سبيل المثال .
يقول البوهي في قصيدة ” انتحار” – من بحر المتقارب :
وانظر إلى المفارقة الحادة في قوله في قصيدة “بوح ” – من بحر الكامل:
نلاحظ هنا استخدام الشاعر لتكنيك التدوير حيث ترتبط التفعيلة في نهاية كل سطر بالتفعيلة في السطر التالي فلا يكتمل معنى السطر سوى باستمرارية الدفقة في السطور التالية و في هذا نفس درامي متواصل في تصاعد و لكأني به يحاكي “تيار الوعي” الذي هو نقل أمين لانسياب التجربة و حركتها في ذهن الشاعر، كما يقول الدكتور ” ثائر العذاري ” في كتابه ” الإيقاع في الشعر العربي الحديث – بغداد 2013 ”
عبر الشاعر عن مأساة وجودية قاسية حيث الانتكاسات هي المجير و الحياة نعيشها أموات في مشهد عبثي شديد العبث !
وفي نص ” فدائية بيت لحم” – من بحر البسيط يقول :
فهذان البيتان ( النُتفة ) يشكلان إبيجراما أو رباعية عامرة بالصور الجزئية ( كنايات و استعارات ) التي شكلت معا صورة كلية ( لوحة ) عامرة بالحركة و في لغة مكثفة شديدة الإيجاز بعيدة العمق و الجمال و انظر لأثر الهاء الساكنة في نهاية الشطرات في تجسيد الإيقاع و قوته و حسمه و هذا الإيقاع و المعنى و الدلالة التي تكمن وراء ألفاظ ” الأنة – الرنة – الجنة “.
و انظر لدقة الشاعر في اختياره عنوان النص الذي شكل جزءا مهما في بناء النص ثم اختياره للفظ “عذراء” بكل ما توحي به الكلمة من جمال ثم اختار من عناصر جمالها رنة الكعب دون غيره من مظاهر الجمال الحسي و هذا ينسجم مع حالة التحدي و الإصرار المُكنّى عنه في النص .
الملاحظة اللافتة الأولى هي كون هذا الديوان هو الأكثر احتفالا – في سياق بحثنا – بالتنوع الموسيقيّ العروضيّ بل و جاءت عنده بعض البحور التي يكاد ينساها الناس و هذا عمل محمود و يعبر عن تجربة ثرية شكلا و مضمونا إذ لم يعجز – بل أجاد – الشاعر عن صوغ تجربته في أي إطار يشاء و إن تفوق القصائد في إطار الشكل التفعيلي على قصائده البيتية البناء .
الملاحظة الثانية هي مزجه بين أكثر من تفعيلة في نص واحد و أيضا مزجه بين الشكلين العمودي و التفعيلي في نص واحد و هو نفسه ما فعله بدر شاكر السياب – بوصفه واحدا من الرواد و الدكتور فوزي خضر في جيل لاحق – و ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
يقول شاعرنا في قصيدة ” انطلاق ” و هي من بحر المنسرح :
و المطلع يشي بحالة نفسية مشرقة جسدتها أبيات النص كلها برغم خداع البعض فيقول معبرا في بساطة و عمق :
ولكأني بالشاعر في بيته الثاني يتناص مع الشاعر الجاهلي عروة بن الورد حين يقول :
و يقول من بحر الكامل و في المقطع تصوير بارع و مفارقة ضدية حادة بين الموت و الشهوة و بين الغناء و الأشلاء و تناص – بالأحرى اقتباس – جميل مع القرآن الكريم :
في المقطع تناص مع التراث و تصوير شعري جميل و تأثر بعلم الجيولوجيا ( عملية نحت و تعرية الصخور و فضلها على تشكيل معالم سطح الأرض ) ببراعة و ذكاء شعريّ – كيف لا و الشعر عِلْم العربية الأول و وعاء معرفتها ؟! .
و في مقطع من قصيدة ” رائحة” و هي من بحر المقتضب و هو بحر قليل الاستعمال جدا – ربما لثقله و قربه من لغة النثر – يقول :
و يقول بهجت صميدة في نص من بحر الوافر و موجها خطابه إلى أطفال غزة و شهدائها الأبطال :
هكذا رأينا في هذه القراءة كيف أن أوزان الشعر العربي مرنة بما يكفي لاستيعاب التجارب الإبداعية على تنوعها و ثرائها و لن تضيق في لحظة ما و لن تموت و إلا فإن الأمر يشبه قولنا أن أنغام السلم الموسيقي ما عادت صالحة في هذا العصر أو أن خيوط الحرير فقدت جمالها و لم تعد مناسبة للعصر و ما به من أزياء !.