سيطر الاغتراب ذاته على روضة شاهين؛ فجعلها تتحدث عن أحلام البنفسج؛ ذلك الزهر الحزين رغم بهجته ليصبح البنفسج هو الشباب أو أحلامهم الكبيرة المحطمة:
وهذه الغربة تلجئ الشاعرة/ روضة شاهين إلى الرغبة في البوح والفضفضة والغناء الحزين ولهذا تتكرر كلما مثل: النعيم والنشيد والغناء والبوح في قصائدها كثيرا، وتتضح أيضا مظاهر الغربة وتتجلى في شعورها بالخطيئة؛ فهي محاطة بها. وحتى غناؤها خطيئة لأن الحب، بل الرؤى والخطا والحياة والممات كلذ لك خطيئة، ونلحظ أنها عندما شبهت فمها في الغناء اختارت آلة وترية حزينة وهي الكمان:
وكلما زاد النقاء والبراءة زادت حدة الشعور بالاغتراب، ويظل التساؤل عن سر الوضع الغريب والتسليم بمشيئة الله، وهو سؤال يحمل قدرا كبيرا من المرارة بقدر ما يحمل من روعة الصياغة وبساطتها. ولا تكفي عن جلد الذات في بداية السؤال بشيء من التقرير والتجدد؛ لأننا نقيم الحياة لنسجن فيها:
ويستمر هذا الشعور بالاغتراب؛ حتى أن وسام دراز سرعان ما تخذلنا عندما نلمح لديها بارقة أمل في ” قصيدة ” بائعة الفطير” التي تستهلها بمطلع وصفى جميل:
صباحٌ،
والعنادِلُ تستريحُ من الغناءِ
وتَستتيبُ الشمسَ عن حرقِ الطريقِ
ليعبُرَ النّعناعُ في شاي المُحطِّبِ نحوَ غابَته الحبيبةِ،
شارعُ الألوانِ يَتركُ في صبيٍّ _لا ابن عامٍ أو شهورٍ رُبّما_ عُنوانَهُ،
والفُلُّ يَسرحُ في إشاراتِ الحياةِ
،يُوزِّعُ النظراتِ بين العاشقَيْنِ السائِقَيْنِ لحيثُ مَقهًى واسعٍ كالحبِ،
والأحلام سانحة كفُسْتُقةٍ تُقَشِّر نفسَها للطيرِ.
ولكنها، أو كأنها تستدرك وتستعيد اغترابها وتتكيئ على بنية الظنية والاحتمالية كما فعل طه الصياد من قبل
ويتحول المشهد إلى الحزن التام، وتبتل السماء بدموعها، ويمر قطار الموت حاصدا صغارا يحلمون بغد أحلى وأجمل:
وهنا يظهر لنا النسيان كمظهر جلى للإحساس بهذا الاغتراب في قصيدة تحقيق صحفي مع الوقت” فيحضر النسيان بالاسم والفعل، ويتكرر ارتباطه بالحزن والانتظار كما يتكرر الانتقاص بالفعل والاسم في قصيدة ” ارتطام” فكل شيء ناقص وغير مكتمل. وبناء على هذا النقص الناشئ من الشعور بالاغتراب تمارس الشاعرة التأجيل لغربتها وحزنها ووحدتها:
إن سيطرة الاغتراب تجعل يوسف عابد يغادر الحقيقة راحلا إلى المجاز، مودعا كل شيء، تاركا إرثه للريح:
وفي غنائيته الحزينة أو قل ترنمه وشجنه؛ يتحد هذا المغترب بالريح والنار والماء والتيه ويتزوج بروح الخيال، وينكر حلمه وأمله/ طفله:
ويسيطر التيه عليه ويفرق جسده في البحار السبع، ويسكت روحه؛ ولهذا لا يرى القمر سوى مجرد ثقب في جلباب الظلام الذى يرتديه عالمه
إن الشاعر هنا يحاول أن يبحث عن نقطة ضوء وسط الظلام، مسرفا في حلمه وطموحه لكن كل شيء يصده ويعانده ويحاصره التيه الذي حاصر رفقاءه الصياد وروضة وويام من قبل.
وهذا المسافر شقى أعار الليل رؤياه ولذا فإن حياته عبارة عن سِفر من المأساة لا يحظى فيها بشيء من النور أو طيف من النهار:
1 Comment