والشاعر يوسف عابد يتكئ كثيرا على صورة المسافر وحياته، وكأني به يصور الإنسان في معاناته الدائمة في البحث عن ذاته المفقودة المتحطمة على صخر الحياة المعاندة. وهو في سفره تائه يحوطه الضباب وحظه شارد، يتقرب بألمه وآهاته وتوجعه:
ها سِفرُ مأساتِهِ
ما زالَ يكتبُهُ..
الليلُ صاحبُهُ،
قربانُهُ الآهُ
ولهذا فهو يصرح بغربته المقدرة عليه ولا يدري لها سببا ولا يعرف لها علة؛ رغم بحثه أو مطاردته لحلمه وتشبثه بأمل وملامحه. واستخدام كلمة الملامح هنا ذات دلالة على الذات والتمسك بها في حرب التمييع والذوبان الذي يمارسه العالم ضد الهوية والتحقق. محاولا رؤية الأشياء على حقيقتها بلا ضبابية أو تشويش مستعينا بالتناص القرآني. وهو هنا يفعل كما فعل أقرانه من قبل معلنين غربتهم الذاتية في عالم لا يستقر فيه وضع على حال أو على طبيعته:
وتستهويه الغنائية الحزينة أو الترنم كما سبق وأسلفنا فيفيض في التعبير عن اغترابهم وحزنه، ومهما حاول الخلاص فهو تائه حيث بدا؛ خطاه حفر يحمل هاويته أينما ذهب
ولا غرابة في ذلك؛ فهو يرى نفسه ويعبر عنها بأنه ابن الأمس والموت. وذنبه وخطيئته أنه شاعر ثمل بالمثالية وحرية الاختيار
والمتتبع لقصائد يوسف عابد يري سيطرة معجم الموت والتيه والغموض، والعجز والغربة والظلمة والضباب واليح والهباء وذلك ناتج طبيعي لاغترابه الداخلي وصدمته المجتمعية كرفاقه.
إن الشعراء الشباب في سبيل التعبير عن اغترابهم الذى تناولنا بعضا من مظاهره وتجلياته فيما سبق، قد استعانوا ببعض الأدوات والوسائل مثل السرد والصورة، والمفارقة والتكرار والغنائية الحزينة.
لقد كان السرد حاضراً بقوة في قصائد الشعراء – وذلك نتيجة حتمية لرغبة الشعراء في الحكي والإفصاح؛ ذلك أن المغترب يحتاج إلى الفضفضة والحكي والبوح بما يعتمل في صدره من غربة وآلام. فهذا هو طه الصياد في أغنية الانكسار الأخير يصف ويسرد:
وهو بصدد السرد أو التغنى بانكساره يستخدم واو العطف سبعا وثلاثين مرة في هذه القصيدة فقط، إضافة إلى استخدام الأدوات الأخرى بما يقارب الخمسين وذلك لربط المشاهد السردية ببعضها.
والمشهدية نفسها تسيطر على قصيدة” أنسى طريقى إلى البيت” حيث يتشكل المشهد الأول بالفعل الماضي للدلالة على تمام الحدث وانتهائه يتلوه الفعل المضارع الدال على التجدد والاستمرار:
يتم يتكرر الفعل المضارع “أنسى” وفى كل مرة يضاف إليه مفعول به جديد، ومن ثم يشرع الشاعر في سرد مشهد جديد يكمل به حكايته الحزينة ويصور لنا به مأساته.
وهى الطريقة ذاتها المتبعة في قصيدته “ينام مكانى غريب” وتتصل طريقة السرد هنا بصورة البيت وما يتصل به من سرد التفاصيل وقصة النزوح والصورة من البيت وإليه
وتتكئ بنية السرد لدى شعرائنا على السؤال الذى يتكرر كثيرا في قصائدهم سواء بالصيغة الاستفهامية أو بالدلالة من خلال السياق.
والسؤال لديهم يأتي مشفوعا بالإجابة، أو متبوعا بسؤال آخر وفى كلتا الحالتين؛ فإنه يساهم في تطوير السرد واستمراره.
ومن الأدوات التي اعتمد عليها الشعراء في التعبير عن غربتهم كذلك، الصورة، وهى في كثير من الأحيان- صور عنقودية تتوالد من بعضها البعض تعتبر عن ذلك الخط الدرامى المتنامى في قصائد الشباب تعبيراً أو تجسيداً لاغترابهم.
فنجد صورة البحر لديهم جميعا ولا سيما يوسف عابد حيث يستخدمها بكثرة دلالة على تشتته وتشظيه:
بحر الندى “المتقارب”
فعولن فعولن فعووفعولْ
(على كلِّ حالٍ تسيرُ الحياةُ)
ولكنّ في القلبِ بعضَ فضولْ
وكقوله:
كما يكثر لديهم حضور التيه وتصويره بأكثر من صورة، يقول يوسف عابد:
كما نجد صورة البحر لدى وسام دراز لكنها تتخذ منه مجالا لتصوير حالتها على عكس يوسف الذي تفاعل معه وفرق فيع جسده:
أو كقولها:
وهذه روضة شاهين تتخذ منه ذخيرة للحياة والحب والثورة وربما الهدوء أيضا؛ فتقول:
ويعود طه الصياد للبحر محاولا أن يحمله ليروي أو يكمل نقص صحاريه التي جاء منها، ويستحضر البحر برماله وملحه وشواطئه ليكمل صورته التي يتغياها:
وتتكرر صورة البحر لديه بكل أبعاده كما ذكرت من قبل، ولكنه هنا يتغنى بشجو عن حرية البحر ويسرد علينا صورا مختلفة وجميلة من حرية أو حريات البحر التي ينبغي أن نتمتع بها، ولذا يطول المقطع الذي يتغنى فيه بحرية البحر في قصيدته أنسى طريقي إلى البيت حيث يقول:
وبعد؛ فهذه إطلالة على شعر مجموعة من شبابنا حاولت فيها أن أستخرج بعض الملامح المشتركة في إنتاجهم بوصفهم جيلا واحدا يعيش بيئة واحدا ويتأثر بما يجري على أرض وطنه، وما يميز هذا الجيل من أحلام وطموح، وكيف بدا هذا الصراع بين المفترض والواقع أو بين آلامهم وأحلامهم المشروعة.
والحق أقول: أنه برغم اشتراكهم في الشعور بالغربة أو الاغتراب إلا أن لكل منهم خصوصية في الرؤية والتعبير ورسم الصورة التي تجعل من كل منهم شاعرا علما في القريب العاجل إن تمسك كل منهم بموهبته وداوم على القراءة والإبداع، وتخلصوا جميعا أو تخففوا من الحزن والغربة الذاتية وجلد الذات. كما يجب عليهم أن يتخلصوا من النزعة الدرويشية التي فرضتها عليهم تأثرهم بشاعر العروبة الكبير محمود درويش. وفي ظني أن الزمن والتجربة كفيلان بهذا لمن أراد أن يكون نفسه في الشعر.