سيد الوكيل
تعكس هذه العبارة، الموقف المأساوي، بين أصالة سماوية للإنسان، جديرة بامتلاك العالم والسيطرة عليه، وبين واقع مزرى وبائس. نحن أمام موقفين يعكسان قدرًا كبيرًا من التناقض في التفسير الديني للوجود الإنساني. لكن، آلية التجادل بين النص والنص المصاحب، كانت تمضى إلى النهاية، فيما يفسر كل منهما الآخر. فجعفر الراوى كان واعيًا بمأساته، وهنا تكون المعضلة وتبدأ رحلة القلق الوجودي، الوعي. نلاحظ أن التناقض لاينشأ عن عدم تكيف الذات بإمكاناتها الثرية مع الواقع فحسب، بل أن التناقض ـأيضًاـ جزء من طبيعة الإنسان، جزء من مأساة الوجود: ” إنى حزمة من التناقضات “ص9. وتنشأ المأساة من هذا الوعى أصلًا . ففيما هو واع بواقعه، إلا أن هذا الوعى لم يعصمه من ارتكاب حماقات عديدة ـ تمليها الغريزة ـ عبر تاريخه الطويل. إن درجة الوعي بتناقض العلاقة بين الذات والوجود هى أزمة (الراوى) المستمرة حتى بعد أن خبر الحياة وصار كهلًا معدمًا. وهى دافعه إلى سيل من الأسئلة الوجودية:” إنى أتقدم في العمر ولم تكف الأسئلة عن مطاردتى، صدقنى، فأنا شخص غير عادى” ص10
التعريف الأول بالحياة الجديدة التى انتقل إليها الطفل ( جعفر ) بعد موت أمه. كان وصفًا مسهبًا للقصر وحديقته الغناء، أشجارها الباسقة وقطوفها الدانية، وبسطها المدودة، ومياهها الجارية، أي مكان هذا غير الجنة التي طرد منها الإنسان ليعيش تييه الأول على الأرض. إنه تعريف يسمح بتقديم الجد، بوصفه أزهريًا نال قدرًا واسعًا من العلم والدين. لاعمل له غير إدارة أملاكه.
بدأ لقاء الجد بمراجعة الثوابت الدينية عند الطفل: من الذي خلقك؟ من نبيك؟ ماذا تحفظ من القرآن؟ أما الجد:” فهو يطالب الإنسان بالسمو والتطهر والكمال وباعتناق رؤياه في الوجود، ويحتقر الضعف وما يراه انحلالًا وتدهورًا في التكامل البشري، هكذا اقتنعت بأن الطريق إلى حنانه واضح ومستقيم، ولكنه حافل بالجهد والصبر والعرق، والقوة والتقدم والسمو ” ص44. هنا، معضلة أخرى من معضلات الوجود الإنساني ( الضعيف) على الأرض. عليه أن يكون إلهًا، أن يتسم بالسمو والتطهر والكمال، أن يعتنق رؤيا الله الذي في السماء فيما هو على الأرض. الله الكامل الطاهر فيما هو ناقص ومدنس.
عندئذ يدرك جعفر أن عصر الأسطورة قد انتهى، وأن حياة جديدة قد بدأت للتو وفق مطالب الجد وتصوراته عن الإنسان الكامل فيمتثل لها، ويخطو خطوات مباركة، حتى بلغ سن الشباب، ثم، بدأت اللعنة التى طاردت الأب، تتبدى للابن. تمثلت الغواية الأولى في رغبته فى السفر إلى أوروبا. الترحال والتيه ( إشارة إلى كلام ميشيل مافيزولي السابق ).
، هل التيه قدر، أم أنها رحلتنا لاكتشاف ذواتنا؟، بكل أبعادها المعرفية و الحسية المكتسبة عبر الممارسة والخبرة الخاصة المميزة لكينونتنا؟ أهي انتزاع للذات من هيمنة الغيبىي والموروث، واختبار القدرات الإنسانية على مواجهة الحياة؟. لكن الرحلة لاتتم على نحو اختياري كما سوف نرى.
وفى هذه المرحلة يتعرف جعفر الراوي على صديق الصبا ( محمد شكرون )، وكان يتمتع بصوت عذب أعجب الجد فقربه إليه في مجالس الذكر والإنشاد. مما أثار غيرة الشاب، فتمنى لو ينافس صديقه ملكة الصوت الجميل التي يرعاها الجد ويغدق عليها. ولأن الجد عليم بما في الصدور، نصح الحفيد أن يقدّر ذاته بما وهبه الله:
إن هذا التوفيق بين المتع الحسية، والرغبات الإنسانية، وبين أن يكون إنسانًا إلهيًا، مطلبًا لم يتمكن جعفر الراوى من تحقيقه طوال الوقت، وستكون فتنة الغناء وعشق الحياة الصاخبة لأهل الفن والطرب، بداية لطريق طويل من المعاناة يجسد الإخفاق في اكتشاف جعفر لذاته بقدراتها وإمكاناتها المتاحة، عندما قاده محمد شكرون إلى بيوت العوالم ( الراقصات) وكان ذلك بمثابة إشارة البدء بإحساس جعفر الراوى بمأزق الجسد الإنساني وورغباته التي لاتكف عن العواء، والدفع به إلى مصير مماثل لمصير أبيه.
كانت الخادمة في بيت الجد قد لاحظت نظراته الشبقة لإحدى زميلاتها فجزعت وتوسلت إليه ألا يقدم على التفكير فيما يغضب الجد كما فعل أبوه.

يقول جعفر الراوى عن فترة الشباب:
كانت الخواطر الجنسية تلح علي جعفر الراوى في مراهقته، وكثيرًا ما حاول فهم الغريزة الجنسية وطبيعتها، وسطوتها المستبدة بالجسد الإنساني في تحد صريح لروحانية الحياة في بيت الجد. وكثيرًا ما كان يفكر، هل يمكن أن يكون لجده حياة جنسية خاصة؟ لكنه كان يرتعد لمجرد التفكير في هذا، منزهًا أياه عن أي تناقض أونقص أو دنس.
غير أن علاقة جعفر الراوي بجسده، واكتشافه لرغباته الحسية، وتناقضها مع القيم المجتمعية، كانت قد بدأت بالفعل منذ عهد الطفولة، إلا أنه كان عهد ما قبل التكليف والمسؤولية، أو كما يسميه جعفر الراوي: (عصر الجن الماجن والجماد اللعوب والحقائق الطيفية والأحلام الحقيقية ). عندما ضبطته أمه في سحارة الخبز، يحتضن ابنة الجيران فعاقبته بعلقة ساخنة، كان ذلك في ليالي رمضان، وكان يحب الغوص بين أجساد البنات على نحو فطري، يفعل هذا منذ طفولته ( في سن السادسة ) مختلطًا باللعب والأطياف الحسية، كما لو أن هذا البعد الزمني للتجربة الحسية هو تأكيد على جذرها الغريزى العميق، وكأن حدود المأساة قد رسمت بالفعل منذ عهد الأسطورة، وربما قبل الميلاد، وأنها سوف تلاحقه في شبابه بدفق عاصف لاقبل له به. عندما وقعت عيناه على راعية الغنم ( مروانة). وما أن وقع نظره على عينيها حتى انتابه الجنون الكامل. فسار وراءها مدفوعا بهجس شيطاني: ” سرتُ بقوة الجنون والسكر وتفجرت في قلبى ينابيع المغامرة بلا حدود ـ ص57 “.
يرمز نجيب محفوظ للهجس الشيطانى، بصورة غاية في البراعة، وفيما يشبه طقسًا للتناول والتعميد، عندما ناولته ( مروانة ) كوبًا من لبن الماعز: ” وربط كوب اللبن بيننا برباط حريري قاتل ـ ص62″، فتبدل حال الشاب الأزهري المستقيم ـ ربيب البيت العتيق ـ إلى النقيض فيما يشبه الطفرة. عندئذ، يطل وجه النص المصاحب بنظراته وتحليلاته للأمور وكأنها محاججة فلسفية لنظرية النشوء والتطور، أو وكأنه ( محفوظ ) يؤهلنا لثورة الشك التي اشتعلت في قلب جعفر الراوي:
ولا غرو أن نعرف بعد ذلك أن مروانة تنتمي إلى معسكر الشياطين أو معسكر المتشردين ـ كما ورد في موضع آخر ـ .تعيش بين أهلها في جماعات هامشية بعشش الترجمان، مطرودة من المتن الاجتماعي، وموصومة بالانحراف والتمرد على كل قوانينه. وهى في المقابل، جماعة تملك كل أسلحة الهجوم على هذا المتن، تتحداة وتتعالى عليه. بل تتعالى على أيقوناته و تتحدى رموزه. إنه هامش، يسعى إلى خلق سرديته الخاصة، يحدث هذا في مفارقة طريفة من طرائف محفوظ.
ولاتكتمل سردية الهامش إلا بهدم المتن وتقويضه بالتمركز فيه أولا:” أنا جدك الحقيقي، وأهبك هذه المرأة التي تمتص قذائف غرائزك الشريرة ـ ص81″. هنا تظهر سردية التمرد الأزلي والتحدي الأسطوري للإرادة الإلهية عندما عصى أبليس ربه، هذه سردية تعكس فلسفتها الخاصة في مناقضة واضحة لسردية المتن المقدس. لكن المأزق الحقيقي أنها تسلم بالإرادة الإلهية في نفس الوقت. فالتمرد ـ في حد ذاته ـ إرادة إلهية، والهامش، هو الوجود المقدر له تأكيد المتن. إنه مأزق الجسد الإنساني بتناقضاته بين منطق يخلق المتن، وآخر يحطمه أو على نحو مايقول جعفر الراوي نفسه: ” الإنسان يخلق المنطق ويتجاوزه ـ ص 64″.
أما على مستوى النص، فإن جعفر الراوي ينظر إلى تمرده على أنه إرادة الجد، التي شاءت أن تحرم عليه الزواج بمروانة التي يريدها جسده. وكأننا في سياق لعبة تعارض الإرادات، نعيد اختبار ذواتنا واكتشافها، هكذا يكتشف جعفر الراوى ميراثه الإنساني بكل ضعفه، عندئذ يعلق الجد:” إنك ابن والديك ـ ص66″. بعدها، اختار حعفر الخروج من جنة صاحب البيت العتيق.
وكان ذلك المعنى إيذانا باستمرار المأساة الإنسانية، وخروج جعفر الراوي من البيت العتيق. وانتسابه إلى معسكر الشياطين، فعاش حياة حسية باذخة. لكن فقدان الروحي، يفقده التوازن النفسي الذي عاشه في بيت الجد. ولأن لاعودة إلى الوراء أبدًا، إذ أن الرحلة هكذا، كل شىء يمضى قدمًا كالزمن، مضى جعفر الراوي إلى الانهماك في حياة حسية، حتى التقى ـ يوما ـ هدى صديق.