يستهل الشاعر ديوانه بدفاع عن ذاته الفنية في قصيدة “لأنه” التي يلخص فيها تبريراته لحالة اغتراب المثقف وتجاهله في مجتمع لا يجد فيه الشاعر الحقيقي من يقدّر رسالته وإبداعه. استطاع الشاعر في هذه القصيدة (وغيرها) أن يجسد صراع الأنا مع الآخر، في محاورة لنفسه اللوامة التي تحاسبه على شعره وتَحمُّله مرارة ما يكابده الناس من مواجع الحياة وأحزانها وأشجان العشق وألوان المشاعر. حينما لم يجد من يبرر وحدته ووجدانه بهذه المشاعر المختلطة والمتراكمة رغم محاولاته إلا أنه عاد بلا معنى وبلا مبرر يؤنسه ويهدئ من روعه ولوعته، شاربا كأس النسيان، مفتشًا بقلمه عن نفسه بخياله السابح في غياهب الذكرى، يقول:
وكما يحاول الشاعر مقاومة أزمة التلقي للفن الحقيقي الصادق، يقاوم أيضًا هيمنة الفن الزائف المتلاعب باللاوعي المجتمعي والمضيع للهوية والمتصنع في تعبيره عن واقع الثقافة الاستهلاكية، يقول:
وفي قصيدة “قماشة ..” يواصل الشاعر مقاومته لسطحية التلقي وسطحية النظرة للفن الأصيل ونوعية الجمهور (الظالم) الذي لا يرى في الفن إلا ما يمتعه ويسليه، ولا يلتفت إلى رسالة الفن أو معاناة الفنان الصادق وهو ينوح بهموم الواقع ويتقلب في أمشاج التجارب الإنسانية. وبريشة الفنان المتمكن، استطاع الشاعر أن يقدم لوحة يتضافر فيها التراث الديني (قتل هابيل المظلوم) والأسطورة الفرعونية (قصة الإلهة إيزيس)؛ ليرمز من خلال هذه اللوحة إلى الظلم الذي يتعرض له الفنان صاحب الرسالة النبيلة الذي يقتله المتلقي بعدم تقدير فنه؛ فلا يريده إلا في صورة البهلوان الأراجوز المشخصاتي، وليس الفيلسوف صاحب الرؤية والخبرة والتجربة. ويستلهم روح المقاومة من الإلهة إيزيس التي جمَّعت أشلاء زوجها أوزوريس من شتى الضواحي والأقاليم، ثم أخذت تبكي عليه حتى عادت إليه الحياة. وهي رسالةُ مقاومة يبعث بها الشاعر إلى الفنان المتأزم بفنه ألا ينكسر أمام هيمنة الثقافة المستهلكة، وأن يظل مؤمنًا برسالته، وألا ينتظر قوة كونية تعيد الحياة لفنه، وألا يستسلم لتيار التماهي فيسترخص فنه ويدور يتسول به إضحاك الناس وتسليتهم، يقول:
وجد الشاعر نفسه أخيرا في مشهد أخير(مشهد الدفنة) في قصيدته “آخر صلاة”، وهو يرقد في نعشه متدثرا كفنه، يشهد الصلاة عليه. رسم الشاعر لنفسه مشهد الميت الحي الذي مات جسدًا وظلت الحياة تسري في حواسه الشعرية، فسمع بكاءً كاذبا، ورأى دموعا بلا معنى أو اكتراث من مصلين غرباء يستعجلون السلام قبل الإمام. وفي نظرة من يرى وهو مغمض العينين ويتكلم ولا أحد يسمعه، راح الشاعر يفتش عن حزن صادق لدى والده المتصبِّر وأمه النائحة وشقيقه المسافر بعيدًا الذي يود لو أذن له الموت في قبلةٍ على رأس والده أو ضمةٍ إلى صدر أمه أو وداعٍ لأخيه أو نظرة أخيره على بيوت الجيران قبل أن يسافر في نعشه إلى بلاد الميتين التي يجهل لغتهم! يقول:
حتى الموت الذي يتمثل الشاعر الفرار إليه من واقعه المرير ــ لا يحظى بشرعيته بين الميتين المشهودين، وكأن حالة التهميش تلاحقه حيًّا وميتًا. ففي قصيدة “نزيف غير مطابق لمواصفات العاصمة”، يصور الشاعر بفنية شعرية عالية مشهدًا تمثيليًّا يلعب فيه دور الكومبارس الصامت، يطعّم فيه السرد بالحوار لتقديم مشهد شعرى من خلال التمثيل وليس الوصف؛ مما يكسب لوحته حيوية ودرامية أوقع أثرًا في تصوير تجربة تسول الموت في كشوف المتوفين، حيث يقول :
1 Comment