تشخيص الزمان عند يوسف عابد : رحيل إلي المجاز
– ما الساعةُ الآن؟، الزمانُ مُعطّلٌ
لو كان يحظى ببعضِ النورِ فسّرها،أو مرّ طيفُ نهارٍ، كان حاكاهُ
– الليل /ذاك الشقيُّ أعارَ الليلَ رؤياهُ حتى اتّضحْتِ بعيدًا عن مراياهُ
/ تمسّد الروحَ إن فاضَ المجاز بها وتنتقي من فضولِ الليلِ أشهاهُ
/ ها سِفرُ مأساتِهِ ما زالَ يكتبُهُ.. الليلُ صاحبُه قربانُهُ الآهُ
/وكانَ الليلُ معتكفًا وكلّما لحتِ في صحرائِهِ سجدا
تتعدد صور تشخيص الزمان عند الشاعر يوسف عابد من خلال ما أضفاه علي جميع مفرداته من معاني التشخيص ( الزمان / الساعة / النهار / الليل / أمس / الفجر / الغد / الأيام ) فالزمان معطل، والنهار يمر طيفه، والليل ذاك الشقي، الذي يتقبل الرؤى من الإنسان الذي يتلقاها منه علي سبيل الإعارة وله مراياه أيضًا التي تنعكس عليها حالات الإنسان وتقلباته ورؤاه، ثم يعاود الشاعر فيجعل لليل الفضول مرة ويلحق به الاعتكاف مرة أخري، ويجعله أعمي في تشخيص آخر، وحين يتناول مفردة الأمس يجعل نفسه ابن الأمس ويجعل للأمس وصايا أيضًا ويجعلها مرة واضحة ومرة أخري غامضة، ويجعل أول الفجر شخصًا يطلب منه أن يأخذه نحو أخرته، ويأتي تشخيصه للغد كصديق يفقده علي عتبات الفجر، كما يجعل الأيام شخصًا يتقبل التلقين .
الفيزيائيون يرون لكل شيء زمنًا خاصًا به، كما أن لكل شيء بنية فضائية خاصة بها، فليس هناك شيء إلا وهناك فضاء حوله يحيط به وفضاء داخله، وأي جسم يتحرك في الفضاء / المكان وفي الزمان، لكن مازال الزمان، وسيظل مصطلحًا مراوغًا بين الزمن الفيزيائي والنفسي والاجتماعي، ويظل في مراوحة بين الإحساس، والتخمين، والقياس، في هذه الاستعارات نري الزمن ضيفًا راحلاً طوال الوقت يمضي دون عودة، نهر يمر ولا يعود.
ما ذاكرةُ الوقتِ؟ النسيانُ
ارتدَّ المساءُ على انتظارِيَ
يحظي الزمن فيما سبق من استعارات بمنطق المخاطبة والحديث والحوار، وهنا يكون للحظة المماثلة بين الشخص والزمن الأكثر واقعية هي اللحظة الآنية، لأن الآن هي اللحظة المدركة بل هي وحدة قياس ما قبلها وما بعدها، ما يمكن أن أميز بها بين ما سبق وما سيأتي، حين يسأل الشاعر باحثًا عن ذاكرة الوقت، ويجيب في الوقت نفسه إن ذاكرة الوقت النسيان، وهذا أمر بعيد عن الحقيقة لا في ذاكرة العامة ولا في التاريخ المعرفي للزمن، إن الزمن يوضع في كل لحظة تحت مجهر الذاكرة لتظل المقارنة بين الأمس واليوم، وما يمكن أن يكون غدًا هي ما يدور في الذاكرة التي تحتفظ للزمن بالتسلسل الطبيعي من الماضي للمستقبل من الطفولة للشباب للشيخوخة، من المنبع حتى المصب، من البداية حتى النهاية، كلها شهادات للزمن أنه أمر واقع لا محالة، لا يعود للوراء ولا يعيد نفسه ولا يكرر أحداثه .
– كم يباغِتُني الليلُ
اختلف الفلاسفة القدماء في رؤيتهم للزمن، فمنهم من أثبته، ومنهم من لم يعترف بوجوده ([i]). وهم في الأساس معنيون بما ” إذا كان الزمان والمكان حقيقيين أو أنهما بكل بساطة تجريديان خالصان لا يوجدان إلا في وعى الإنسان، والفلاسفة المثاليون يرفضون موضوعية الزمان والمكان، ويجعلانهما يعتمدان على الوعي الفردي “([ii]).
كون الناس وجهات نظر عديدة حول الزمان، وأثره في حياتهم، وما يحيط بهم “وأقدم وجهة نظر عن الزمان وأكثرها انتشارًا في ثقافات مختلفة مثل الهندوس والصينيين وحضارات أمريكا الوسطى، والبوذيين وحتى عند الإغريق قبل المسيحية وجهة النظر التي ترى الزمان مجموعة من دورات الميلاد والموت، وإعادة الميلاد ” ([iii]) من هنا كان الارتباط وثيقًا بين الموت والميلاد والزمان وما ارتبط بهم من أساطير، فكثيرًا ما اهتمت الأساطير القديمة بالزمان فنسجت له من طقوسها قصصًا، وصنعت له من خيالاتها تماثيل ” إن تماثيل إنسان برأس أسد ممسك بيده كرة ـ مفهوم شمسي، وإذا كانت تجلله حية تعض ذنبها، ـفإنه مفهوم للأبدية، وهى رموز للزمن اللانهائي”([iv])، والزمان في أساطير اليونان والتى غالبًا ما يعود إليها، بعد الأساطير الفرعونية ـ كثيرًا من الرؤى الأسطورية في التحليلات الحديثة ” هو الإله الذي ينضج الأشياء ويوصلها إلى نهايتها …يأخذ تشخيص الزمن عند يوسف سبع بعدًا جديدًا من خلال ما أضاف إليه من صفات التشخيص، هنا يمنح الليل فعل المباغتة فهو يأتي مباغتًا، كما يجعله قادرًا علي الإغراق ثم يجعله يئن وينبض، ويمنح الشاعر الصباح صفات إنسانية ساخرة فهو يضحك كثيرًا ويسخر من الشاعر كثيرًا؛ ولكن يصالحه بعد هذه السخرية، ويكتب القصيدة بالضوء علي جبينه، ثم يجعل للنهار خيالاً يوقظ الشاعر فيه أغانيه، ثم يجعل الشاعر النهار ينتظره علي ضفة الواقعية، ثم يتهم الزمن بالتخاذل، وهذه تهم دائمة للزمن حين يمنحه الإنسان كما أسلفنا أسوأ صفاته، يواصل الشاعر مع مفردات الزمان الأخرى تشخيصه، إن البداية زمن، والنهاية زمن أيضًا يضيف للبداية الوفاء، ويضيف للنهاية القدرة العالية الفقد “يقول لوسيف ” إن الإنسان الذي عاش في ظروف المجتمع البدائي لم يكن يفهم إلا علاقات القربى البدائية والأكثر صلة به ..والواقع أن الوعي القديم كان يقوم بإسقاط ضمني للعلاقات الاجتماعية علي الطبيعة بإسقاط الـــــــ ( أنا) الاجتماعية علي العالم أي علي ( اللاأنا )([v]).
[i] – أنظر على سبيل المثال في هذه النقطة د/ عبد اللطيف الصديقى، الزمان أبعاده وبنيته، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط1 1995، ص22 وما بعدها .
[ii] – م . روزنتال، ى يودين ( إشراف) :الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1981، ص ص 235/236.
[iii] – جون جريبن، مولد الزمان، ترجمة د/ مصطفي إبراهيم فهمي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب (مكتبة الأسرة ) 2001، ص25.
[iv] ـ فيليب سيرنج، الرموز في الفن والأديان والحياة، ترجمة عبد الهادي عباس، دار دمشق، ط1، 1992، ص92.
[v] – غيوري غاتشف، الوعي والفن، السابق، ص 18 .