كان للدراما أثرٌ كبيرٌ في بنية النص الشعري العربي القديم والحديث ، ففي العصور القديمة وبخاصة في الحضارات اليونانية القديمة كانت الدراما هي فن الشعر، وكان الشعر هو الوجه الآخر للدراما.
تجلت الدراما أيضا في بنية النص الشعري القديم ، بدءا من العصر الجاهلي كما ذكرنا في علاقة الشعر بالدراما ، فقد احتفى الشاعر القديم ببنية الحوار الدرامي ، والوصف ، والغزل ،والبكاء على الأطلال التي تركها المحبون، والفخر، والهجاء والمديح وغيرها من فنون الشعر القديمة ، لما للعرب من مآثر وحروب ومناقب ، اقتضت الحاجة لتسجيلها عن طريق الشعر، فقد حفظت لنا الذاكرة الشعرية الكثير من انتصارات العرب ، ومناقبهم و ملاحمهم ، وبطولاتهم المتعددة، وجل هذه النصوص القديمة لم تخلُ من مسحة فلسفية درامية ذات طابع مائز ،وقد لاحظنا ذلك في شعر امرئ القيس من العصر الجاهلي ، وعمر ابن أبي ربيعة في العصر الإسلامي، والعصر الأموي ، وأبو الطيب المتنبي في العصر العباسي ، ومن ثم فقد كان للدراما أثرٌ جليٌ في عملية بناء النص الشعري من خلال الاعتماد علي بعض التقنيات الدرامية كما ذكرنا من قبل ، وقد تجلت النزعة الدرامية بشكل كبير في القصيدة العربية الحديثة ، فقد احتفي الشعر العربي الحديث بالتقنيات الدرامية في بناء النص الشعري ، وقد تجلى ذلك الطرح الفني في قصائد الشعراء الشباب، وهم: ( عبدالرحمن الطويل ، أحمد الجميلي ــ أحمد نناوي ــ عبدالنبي عبَّادي ).
طرح الشاعر عبدالرحمن الطويل في مجموعته الشعرية ( مجموعة المعبد ) قصائد شعرية يطغى عليها الشكل العمودي في كتابة الشعر ، وهذا الشكل يمنحنا دلالات مهمة وتأويلات عدة ، وتساؤلات كثيرة ، حول الشكل الكتابي للقصيدة العربية التي كتبها الطويل ؟ وفي ظني أن الشاعر أراد أن يكون نفسه امتدادا للشعراء القدامى الذين تحدثت عنهم الدراسة في البداية أمثال امرئ القيس بن حجر الكندي ، والمتنبي ، وعمر بن أبي ربيعة … وغيرهم . فقد لاحظتُ أنه ينسج على نسجهم ويسير على منوالهم ، محتذيا خطوهم في الشكل الشعري ، واللغة ، والصورة الشعرية ، والإيقاعات الموسيقية الحزينة التي تحمل داخلها أحزان درامية واسعة ، وثمة اختلاف بين في الرؤية الشعرية التي يتحدث من خلالها الشاعر الطويل ، فيقول في مطلع ديوانه في قصيدة بعنوان “سفر لم يكن ” :
ينسج الشاعر عبدالرحمن الطويل قصيدته على أرضية تراثية واسعة ، فيختار أن يكون صورة جديدة للشاعر العربي القديم متأملا ذاته من ناحية والواقع الذي يعيش فيه من ناحية أخرى ، فنلاحظ استخدامه لتراكيب شعرية خالدة عبر الزمن ورحلة الشاعر في الحياة ، فينطلق من خلال هذه الزمنية الواسعة لاستدعاء كل ما يسكن الذات من جراح وألم ، فيستدعي أصوات امرئ القيس ـ وطرفة بن العبد وأحمد شوقي . هذه الأصوات تجلت بشكل كبير في القصيدة الفائتة ، فيخاطب الزمن ـ الليل ـ الوسن ــ الروح ـ البدن ــ أعمارا ــ نجرجر ــ الوهن ــ السنن ).
إن جل هذه المفردات الشعرية التي خرجت من سياقها المعجمي لتدخل في سياقي شعري يمنحها حياة جديدة ، فتصبح رمزا لافتا في بناء النص الشعري عند الطويل ، بل تصير ذات خصوصية في استخدامها داخل النص ، فالليل الذي يتحدث عنه الشاعر هو ليل امرئ القيس الطويل المنهك الذي لا يريد أن ينتهي ، فيقول امرؤ القيس في معلقته :
يبدو صوت امرئ القيس واضحا في قصيدة عبدالرحمن الطويل ، فقرينة الليل هي الأيقونة التي تدور حولها معلقة امرئ القيس وقصيدة سفر لم يكن للشاعر عبدالرحمن الطويل فيقول :(وما نبالي ، و هذا الليلُ يُثقلُنا يَحولُنا بذراعيهِ عن الوسَنِ ) . فيصف الليل أنه ليل ثقيل ، فلا تستطيع الذات النوم ، فيلفها بذراعه مبتعدا بها عن الراحة والهدوء ، بل يثقلها بالتفكير والهموم والأرق الذي لا ينتهي ، إن ليل الشاعر عبدالرحمن الطويل هو ابن من أبناء ليل امرئ القيس ، وصراعه الدرامي بينه ، وبين الليل الذي لن تتوقف حركته الصاخبة ، كما ارتبط هذا الليل باليأس والحزن ، كما جاء في القصيدة ، فتمثل هذه الرموز الدرامية مدخلا من مداخل القراءة لشعر عبدالرحمن الطويل ، وقد تجلى صوت شوقي أيضا في استخدامه لمفردة المستمسكون فيقول : (والراقدون رجاءَ الناس والصُّبُر الـمُستمسكونَ بعهد الله في المحن . ) نلاحظ العلاقة بين الرجاء والصبر والتمسك بعهد الله ، في المحن ) هذا البناء الفني الذي يدخل في القراءة الدرامية يدل على استدعاء الشاعر لروح الزمن الدرامي الذي ارتبط بالمحن والصبر والرجاء ، هذه الأيقونات الثلاثة تصبح رموزا لأبعاد درامية واضحة في قراءة النص الشعري ، ويتجلى صوت أحمد شوقي في عبارة المستمسكون ، التي وردت في همزية شوقي في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول شوقي :
تبدو صورة شوقي الدرامية جلية في نصوص عبدالرحمن مقلد الشعرية ، لما ينسجه من تراكيب شعرية ذات ملامح تراثية مهمة ، تمنح النص خلودا فنيا ، وجسرا ممتدا بين الراهن والسابق القديم . ويطرح الطويل في قصيدته صورة الأعمار التي يفقدها الإنسان في سبيل الوصول إلى هدف نبيل يراه ذا قيمة في الحياة فيقول مثلا : (أنَّا نُحاولُ أعمارًا فيُعجزُنا أن نُبرم الصلح بين الروح و البدن ) .فعندما تعجز الروح عن الصلح بين الروح والبدن ، فتصبح إذن الذات في مأزق إنساني لافت من خلال التناقض بين أهداف الروح وأهداف البدن ، بين النقاء وصفاء الروح وبين شهوات الجسد التي تقف على شكلها النقيض مع صفاء الروح ومحبتها . .
يقف الشاعر عبدالنبي عبَّادي في منطقة مغايرة تجمع ما بين القصائد العمودية والقصائد الحرة ، فيضع عنوانا لافتا لديوانه ( قصائد ومقاطع ) هي ليست مقاطع ، بل قصائد قصيرة اعتمد فيها الشاعر على الشكل الشعري المعروف بالشعر الحر / القصيدة الواقعية . وفي حقيقة الأمر لاحظتُ تمكن الشاعر من امتلاك أدواته الشعرية في كتابة القصيدة الجديدة التي تعتمد على التفعيلة ، وعلى مستوى عال من النضج الفني ، وعليه ، فقد لجأت إلى الاجتزاء في انتقاء قصيدتين من الديوان المخطوط ، لقراءتهما من منظور درامي ، يكشف عن طرائق الدرامية وعناصرها الفنية في الكتابة الشعرية عند عبدالنبي عبَّادي ، فيقول :
يمتلك الشاعر عبد النبي عبَّادي ملامح درامية متنوعة داخل قصيدته السابقة ، بل تتشكل هذه الملامح عبر نصوص ديوانه الأول الذي يحاول فيه أن يستدعي قصص الدراما من القرآن الكريم ، فنلاحظ قصة النبي يوسف عليه السلام في إشارة نصية إلى أحداثها الدرامية وصراع الخير والشر والحب والكراهية الذي تحاول القصيدة أن تقوله ، فيبدو الشاعر مشغولا باستقطاب الذات إلى مناطق ذات شحونات لغوية معينة ، ليتشكل عنها معجمه الشعري ( الجرح ــ الزمان ــ الحلم ــ الدمع ــ الناي ــ عويلا ــ أرضا ــ حجم ـ هزيمتي ـ هوية ــ بكرا ) يصبح المعجم الشعري / الدرامي غنيا بمفرداته وتراكيبه في نصوص الشاعر عبدالنبي عبادي ، لما لها من سطوة نصية في الحضور ، فتصبح عناصر الدرامية حاضرة بقوة داخل القصيدة ،فهي عوامل بنائية تقوم عليها القصيدة ، فنلاحظ الصراع الدرامي في استدعاء القصص القرآنية من خلال قصة النبي يوسف (عليه السلام ) مع أخوته وبكاء النبي يعقوب على غيابه وكراهية أخوته له . وصراع الحب والكراهية ، والصدق والكذب ، والخير والشر ، والجمال والقبح .
ويقول أيضا في قصيدة أخرى بعنوان ( إشارة ) :
يكشف النص الشعري عند عبدالنبي عبادي عن انتقال الصراع الدرامي من صورته الخارجية إلى منطقة الصراع الداخلي الذي تحاول الذات أن تنتصر على نفسها ، فكيف للذات الشاعرة التي نسجها الشاعر في القصيدة أن تنتصر على العالم المتناقض الذي يحمل نبوءات الضغينة والعنف في إطار زمني واحد ، فنلاحظ امتزاج الصوفي بالدرامي في مطلع القصيدة (لا المَلَكُوتُ يَخْشَعُ مِنْ بُكَاءِ العَارِفِينَ ، وَلا الأفْرَاسُ تَنْهَضُ فِي رُخَامِ اللّيلِ ) فاستدعاء بكاء العارفين من المتصوفة ، مع أحزان الليل ، ينتج عن هذا الامتزاج الفني صورة الحزن الدرامي في عيون العارفين من أهل التصوف ، كما أن دال “العارفين” يحمل اكتنازا معرفيا ، وروحيا في الوقت نفسه ،فإن هؤلاء العارفين من أهل الله ، هم الذين تركوا شهوات الدنيا باحثين عن الحب الإلهي ، زاهدين في كل شيء دنيوي ، باحثين عن حضور الله في ملكوته . كما اتكأ الشاعر المتميز عبدالنبي عبادي على استدعاء أيقونة ( الذكرى ) هذه الذكريات التي يعيش فيها الشاعر ، فترتبط ” الذكرى ” بدوال مركزية في النص ( روحي ـ الصمت ــ أرتعد ــ تدثرني ــ تبتعد ) . فتصبح الذكرى هي الحياة الحاضرة في إشارة إلى الماضي ، وكأن الحضر هو الماضي الذي نعيش فيه بأرواحنا ، والحضار الحي هو الذي تعيش داخله الأجساد فقط .وعليه فقد استخدم الشاعر عبدالنبي عبادي تقنيات لافتة في بناء قصائده من خلال الحس الدرامي المتجذر ( السرد الحكائي القصير ـ والصراع الحزين ، والحاضر في مقابل الماضي والحنين إلى العيش بداخله ) . كما استخدم أفعال متحركة نوعية داخل القصائد منها ( يخشع ــ ينهض ــ أرتعد ــ تأتيني ــ تدثرني ــ تبتعد ــ توصد ) .