يقدم الشاعر أحمد الجميلي في ديوانه ” على حافة النهر ” مجموعة من القصائد السردية التي انشغلت بتفكيك أحداث نصية متنوعة داخل القصيدة الواحدة ، حيث جاءت قصائده طويلة ، وذات مقاطع متناسبة فيما بينها ، فيقول في قصيدة بعنوان : ” طفلٌ جنوبي ” :
يتناول الشاعر في قصيدته طفل جنوبي ملامح الشعرية الدرامية ، وأعني الحديث بالدراما عن صورة الطفل الجنوبي ، هذه الصورة التي يتشكل من خلالها سيرة الطفل الحزينة التي يرصد الشاعر من أنفاسها حالات الحزن التي تؤثر في ذاته ، بل إن الأحلام التي يمتلكها صارت مبددة وواهية في ظل الإهمال الواقع على حياة الطفل في الجنوب ، فقد أخذته صورة الماء الأسطورية التي تعكس ملامحه ، وكأن صورة السماء المعكوسة في الماء ، تجمع بين متاهة الحلم وغيابه ، ويقول أيضا في قصيدة أخرى بعنوان ( نقوشُ الْعَارِف بالحزنِ ) :
إن حديث الشاعر أحمد الجميلي حديث يحمل حزنا غائرا في النفس البشرية ، فهو لا يتحدث عن حزنه الفردي الخاص به ، بقدر حديثه عن أحزان عامة أصيبت بها النفس البشرية ، فقد أنتج هذا الحزن أبعادا متنوعة لصور درامية في القصيدة الشعرية عند الجميلي ، فبدت وكأنها لوحة تقطر حزنا وألما وصراعا نفسيا متأرجحا بين صورة العالم الخارجي ، ووقعه على نفس الشاعر ، فترتكز القصيدة على عناصر درامية متنوعه تجمع ما بين قطبين متجاذبين أو متناقضين في الوقت نفسه فتجمع القصيدة ما بين ( النور ، والظلام ، الحزن والفرح ، الخوف والشجاعة ، الانزواء والامتزاج بروح الحقيقة الغائبة في استخدام أفعال متحركة تعتمد على التوتر الدرامي ( يجيء ــ يختفي ــ يرصد ـ توقفي ) . هذه الدوال المركزية في النص الشعري تومئ إلى استدعاء صورة الحزن التي تسيطر على حياة الشاعر ، وعلاقتها بالرغبة الملحة على استنطاق الحياة والخروج بها من أحزانها . كما تكشف لغة الشاعر عن صورة المفارقة الدرامية من خلال اللفظ نفسه أعني اللفظ ونقيضه ، فينتج عنها مشاهد متناقضة تحمل قرائن وعلائق فنية داخل النص الشعري . فحركة الفجر التي تتأرجح بين الظهور والاختفاء والحضور والغياب ، هي حركة درامية تحمل توترا فنيا في العلائق اللغوية بعضها ببعض .
يطرح الشاعر أحمد نناوي في ديوانه الذي جاء بلا عنوان ، فهو عبارة عن مجموعة من القصائد الطويلة التي اعتمد فيها الشاعر على الحكاية الدرامية ، مستخدما لغة شعرية ذات وجوه شعرية متعددة ، فتبدو اللغة عند نناوي لغة بسيطة من خلال الضمائر الذاتية التي تقترب من ضمائر المتكلم ، فينتج عنها سردا غنائيا حزينا ، وتجلى ذلك في قصيدته بعنوان ” لِطفُولة أُخرَى يَعُودُ” فيقول :
تصبح صورة / دال الحزن الذي يستهل به الشاعر قصيدته ، واقعا مفارقا من خلال أغنية الحزن ، وهي تقع في دائرة المفارقة الدرامية التي تصور الحزن أنه يغني لنفسه ، كما أن للنايات جراحاتها في نفس الشاعر ، فيجمع الشاعر بينه وبين الحزن في مشهد مفارق على المستوى الفني والدلالي ، فيستخدم دوالا ذات محددات لغوية هادفة مثل ( بكت ــ وقفت ــ تحبو ــ مسَّها ــ مضت ــ يراود ) . جل هذه الدوال المعجمية الخاصة بسياق النص ، منحها النص نفسه حضورا رمزيا وحركة مغايرة في الكتابة وأثرها على المتلقي ، وينتج عن ذلك سؤال مهم ، هل تتحقق الأمال من خلال الحزن ؟ وما مدى القيمة التي يتركه الحزن في روح المتلقي نفسه ، إن الحزن هو الشيء الوحيد الصادق في هذه الحياة ، فيمكن للذات أن تحزن على نفسها حزنا داخليا ، تبكي بكاء حارا على اخفاقها في أمر ما ، لكنا لا تنجرف في مبالغة الأحزان وجراحاتها ، بل تحاول أن تضع أسبابا لهذا الحزن ؟ وأسباب الإخفاق ؟ ويقول الشاعر في مقطع آخر من القصيدة نفسها :
يطرح الشاعر أحمد نناوي في المقطع السابق صورة أخرى للحلم ، فيمنحنا النص الشعري صورة الحلم الذي تراوده الوفاة عن نفسه ، فعندما تموت الأحلام الطفولية البريئة ، فيبكي الدهر على فقدان الأحلام وغيابها ، وقد نتج عن غياب الحلم الإنساني ، مشاهد درامية حزينة ، فتطل صورة الحزن جريحة لانهيار الأحلام ، وتمزقها ، فاستقرت الأحلام في مقابر الموتى . إن الرمز الفني الذي اتكأ عليه الشاعر أحمد نناوي ، اتخذ من الحلم أيقونة لموت الحياة نفسها ، لأن الإنسان عندما تموت أحلامه ، نذير بموته هو ، فتصبح الحياة بلا جدوى . ويصبح العدم هو السيد الوحيد في هذه الحياة الحزينة . …
(1) أرسطو: فن الشعر، ترجمة وتحقيق ،عبد الرحمن بدوى، دار النهضة المصرية، 1953م، ص 18.
(2) محمد حمدي إبراهيم : نظرية الدراما الإغريقية ، الشركة المصرية العالمية للنشر ـ لونجمان ـ القاهرة ، 1994،ص 7ـــــ8.
(3) السابق ، ص 10ــ12ــ.
(4) السابق ، ص 14ــــــ15 .
(5) عز الدين اسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ص 279. دار الفكر العربي، ط 3، القاهرة 1995.
(6) السابق، ص 280.
(7 ) عبد الفتاح عثمان، بناء الرواية، ص 82.مكتبة الشباب. د.ت.
(8) س. و. داوسن : الدراما والدرامية ، ترجمة جعفر صادق الخليلي ، دار عويدات للنشر ، بيروت 1992.
(9) عز الدين إسماعيل : الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ص279، مرجع سابق .
(10) السابق ص 282.
(11) الزوزني : شرح المعلقات السبع الطوال، ضبط نصوصه وعلق على حواشيه ، عمر فاروق الطباع ، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان، د.ت، ص 59 .
(12) السابق ، ص 60.
(13) أبو الطيب المتنبي : الديوان ، دار بيروت للطباعة والنشر ص331،332، بيروت، 1983.
(14) عمر بن أبي ربيعة ــ الديوان ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1996 ، ص32 ـــــــ 33.
(15) هربرت ريد : طبيعة الشعر، ترجمة عيسي علي العاكوب ، وزارة الثقافة ،اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ،1997. ، ص64.