هو كسر قاعدة الوقت الفيزيقية التي تتسم بالتراتبية والتحديد والنمطية ، فمع النص الشعري المتغاير تصير تلك العلاقة محطمة ، وليس لها قيمة ، ليحل محلها علاقة الوقت العاطفي الذي يرتبط بإحساس الذات باللحظة أو المعيشي الذي يبدأ تسجيله مع حدوث واقعة معينة وينمو ويتطور وفق سرديتها ، أو رمزي دال على فضاء إشاري تهمش فيه العلاقات الحسية الظاهرة لينشأ لدينا المدلول المتعدد .
وقد دلت النصوص التي بين أيدينا على توظيف تلك العلاقة ، فمثلا في نص للشاعر : عمر مهران ، عنوانه ” توثيق لأحداث خارج توقيت القلب ” نجده يقول :
فقد حوّل النص المدركات الثابتة إلى متغايرة ، وصار المدرك – من وجهة نظر النص – أعمى ؛ لأنه لا يشعر به ، وأخرس ؛ لأنه لا ينصت إليه ، وصار الزمن يتحدد وفقا لما تشعر به الذات ويتحول بناء على رغباتها ، فعندما تلتقي الذات مع المحبوبة يتغير كل شيء ، ويصبح الإحساس بالزمن عدميا ، وحتمية التراتب مرفوضة ، وحسية الأرقام ضائعة ، وهنا تغدو اللحظة المعيشة لها صفة السلطة بعيدا عن حدودها الفيزيقية ، فلها قانونها الخاص الذي يشكل بدءها وينفي نهايتها ، وقد جاء عنوان النص متوافقا مع آلية التحول : ( توثيق لأحداث خارج توقيت القلب ) ، وكأن العتبة أرادت منذ البداية أن تصرف المتلقي عن العلاقات الاعتيادية ونمطية الأشياء وسكونية المعيش .
وفي نص آخر عنوانه ” الفصل الأخير” يفضي التحول الزمني إلى إحداث فعل التغاير في النص :
يأتي التحول هنا عبر علاقة المفارقة الزمنية ، التي استطاع النص أن يوظفها عندما خلخل الإطار الزمني الثابت بآلياته المعبرة عن توقيت محدد ، فيحدث النص خداعا عبر اضطراب العلاقات ، فيبدأ بزمن الحضور ( سأرحل) ، ذلك الفعل الذي يطوي زمنين متلازمين : الحضور وهو الممثل لحقيقة الفعل والماضي الممثل لما يخلفه زمن الحضور ، ويستمر النص في خلخلة العلاقات الزمنية ، فما يأتي بعد فعل الرحيل المسبوق بالسين الدالة على المستقبل يتصدر بالنفي ، فبدلا من أن يقول ( سأرحل تاركا .. ) قال ( سأرحل لا تاركا .. ) ، وهنا تتجلى آلية التحول ، فالمتروك حقيقي وثابت بالرغم من نفي الحضور ، وجاء النفي ليحول علاقة الثبات إلى متغير ضمني ، فكأن الذات تتحرك بين سكونها وتفجرها ، بين واقعها ومأمولها ، فالمتروك هو متروك بالفعل ، لكن الرغبة في عدم تركه خشية الفوات والموت ، ومع إيمان الذات بعدم جدوى تلك العلاقات الحاضرة الغائبة يضع النص أمام علاقتين دلاليتين ؛ علاقة التتابع اللحظي لواقعية الحدث التي تتمثل في ترك الذات لعلاقات معيشية ترتبط بها ولا تنفك عنها ( بيت الشعر – ابنا يحمل وزري – امرأة تترهبن بعدي – قراءة شعر البحتري ودوستوفسكي – التعلق بالحداثة الشعرية ) ، وعلاقة الرغبة في تغيير المتروك ومحاولة الذات الخروج من المعيشي المؤلم إلى المتخيل المستقبلي ، وظهر ذلك عبر نفي العلاقات السابقة ، وكأنه يتمرد عليها ، وفي العلاقات المستقبلية المتممة ( لن أسلك الدرب ذاك الذي ليس يفضي لشيء – وقد عشت أحلم أن أستفيق على صدر ليلاي – أن أعتلي صهوة الشعر _ أن أدخل القدس في ثوب جدي وأمسح عن خد زيتونها دمعه ) .
وفي نص للشاعر محمد هشام يعبر عن التحول الزمني نقرأ :
فالصراع هنا قائم بين الماضي والحاضر عبر نسيج من العلاقات الحاملة لعناصرهما ، والتحول يسكن تلك العلاقات ، ودائما ما يكون له دور في تغيير الدلالة ، فالبداية مع الحاضر المترسخ في ذهن الذات ( لم تعرف الأرض أسماءنا أبدا ) ، ونفي الحاضر يقابله إثبات الماضي ( قدر ما عرفت من تماثيل أو توجت من لصوص ) ، وعبر تحول العلاقات نجد أن الماضي يتحول إلى الحاضر بالرغم من وجود الصراع بينهما ، فتحيل الدلالات النصية إلى علاقات تمجيد الآلهة والأصنام في القديم ، تلك التي كانت سببا في اختفاء الأسماء وتشويه الصور الفاعلة ، لازالت قائمة في حاضرنا عبر تمجيد الزعماء والسلطويين ، الذين هم في الحقيقة لصوص ، وهذا أدى بدوره أيضا إلى إخفاء الطبقات الأخرى ، بل وإعدامهم .
ويستمر النص في تأكيد الصراع الزمني وتحولاته فيأتي الدمج بين مكانين متضادين ( الصحراء والمدينة ) ليؤكد مدى ما تراه الذات في الواقع أنه تشوه وتحول ، وعبر آلية السرد نجد تدخل لشخصية ( الحكيم ) في النص ليمثل الصوت الخارجي المعبر عن الصوت الداخلي للذات ( لكي تردوا الماء سيروا إلى الدمع ) ، وهنا تتجلى المفارقة ، فالوصول إلى المعيش في هذا الواقع يلزمه قدر كبير من الألم الممزوج بالدمع ، وهنا إشارة إلى ظاهرة كانت منتشرة في القديم وعند الشعراء القدماء ، وهي الوقوف على الأطلال وبكاء الديار ، وقد أراد النص الإشارة إلى تلك الظاهرة والدليل على ذلك ما جاء بعد ذلك ( كانت هناك موائد لحم وقوم أقاموا منصة شعر على عظم جمجمة ) ، والطلل هنا ليس المقصود به أطلال القدماء فقط ، بل أطلال المعاصرين أيضا ، وليس المقصود هنا تمجيد السابقين والبكاء على ديارهم فقط ، بل تمجيد الصور المعاصرة والعيش في ظل من رحلوا بالرغم من مفاسدهم ؛ لذلك جاءت النتيجة الحتمية لتلك الظاهرة ( كي تردوا المجد سيروا إلى الموت أو فاهنأوا بالرحيل ) إما أن نعيش في ظل الراحلين ونسير على دربهم أو نرحل بعيدا تاركين ديارنا وأوطاننا التي لا تتسع إلا إليهم ، وينتهي الصراع بالتحول ؛ تحول الذات من الثابت إلى المتحرك ، من الماضي إلى الحاضر ، من السكون إلى الثورة ( أحاول ألا أكون الذي كان قبلي وأن أمسك النهر باليد ) .