يشير مفهوم المفارقة إلى الأسلوب البلاغي الذي يكون فيه المعنى الخفي في تضــاد حــــــــــــــــــــــــــــــاد مع المعنى الظاهري. وكثيــــــــــــــــــــــــــــــــــــراً ما تحتاج المفارقة وخاصة مفارقة الموقف أو السيــــــاق إلى تأمــــــــــل عميـــــــــق للوصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــول إلى التعارض، وكشف دلالات التعــــــــــــــــــــــــــــــارض بين المعنى الظــــــــــــــــاهر والمعنى الخفي الغــــــــــــــــــــــاطس في أعمــــــــــــــــــــــــاق النص وفضـــــــــــــــــــــــــــــــاءاته البعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدة.
أن للمفارقة وظيفة مهمة في الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص، فهي في الشعر تتجاوز الفطنة وشد الانتباه، إلى خلق التوتر الدلالي في القصيدة عبر التضاد في الأشياء، الذي قد لا يأتي فقط من خلال الكلمات المثيرة والمروعة في السياق، بل عبر خلق الإمكانات البارعة في توظيف مفردات اللغة العادية واليومية داخل الخطاب الشعري .
ويقدم فخري صالح تعريفا آخر للمفارقة فيقول ” الاعتماد على نموذج المفارقة حيث يقود الشاعر القارئ إلى مفارقة الموقف معصوب العينين لتسطع في الضربة النهائية للقصيدة حقيقة المشهد المغايرة لما أوحت به السطور الشعرية السابقة على السطر الختامي للقصيدة ” (18)
وقد تجلت المفارقة في نص شعري للشاعر محمود علي يقول فيه :
وتبدو المفارقة اللفظية واضحة منذ الوهلة الأولى ، فسياقية التعبير ( الحرب بنت الخوف ) يحيل إلى متناقضين ، فالحرب تختزل مجموعة من الألفاظ المرتبطة بها والمتوافقة مع مقامها مثل ( القوة – الشجاعة – القتل – الاستعمار – السلطة ) وغيرها ، لكنها في النص صارت نسلا لضعف ، وبهذا تتحول الدلالة من التعبير عن القوة إلى التعبير عن الضعف ، وهذا المزج يوحي بضدية العلاقات وواقعية التصور ، فالحرب تغيرت وجهتها وأصبحت في عصرنا نتاج خوف أو دفاعا عن هزيمة ، لذلك جاء السطر الثاني ليؤكد التصور السابق ( تنهزم اكتمالا للعجائز في الملاجئ والمساحات الصغيرة في الوجود ) ، فهنا تتجلى الدهشة التي يحملها فعل التغاير ، فمقامية الحرب لا يوافقها ذلك الخطاب الدال على الانهزام والانكسار والخضوع ، هنا في النص وجدنا ذلك ، وتتجلى المفارقة الثانية في قوله : ( والمنطق العفوي يجزم أننا جئنا لتنتقص الحقيقة في القلوب فنكتمل ) ، فالجمع بين انتقاص الحقيقة واكتمال الذوات يشير إلى عدمية الموجودات وخواء العلاقات ، وعندما يأتي الجزم من المنطق العفوي فهذا معناه أن الحقائق غائبة والواقع يبرهن على السقوط.
وفي نص آخر للشاعر محمود علي ، نقرأ :
إن النص يعلن – عبر توظيف المفارقة – تمرده على العلاقات الثابتة ومحاولة التنصل من كل ما يقيد الحرية ، فالذات تعلن تنصلها من الموت وتسخر منه ، وتحقر من شأن الفلسفات بما تحمله من رؤى وأفكار فتجعلها بجوار نعله على سرير محبوبته ، وتعلن ضرورة تخلصها من جذور العقائد بما تحمله من إلزام وتكاليف ترفض الذات أن تكون عبدا لها ، وتعلن سخريتها من الحرب بكل ما تحمله من بشاعة وقتل وتشريد ، فتجعل رقص العرايا وممارسة الرذيلة أفضل وأسمى من القتل .
وفي نص للشاعر محمد العارف تحت عنوان ( حاجة بسيطة جدا) نجد توظيفا للمفارقة :
وتتجلى المفارقة منذ العنوان ( حاجة بسيطة جدا) لنجد أن النص يحمل لنا دلالة مغايرة تماما للعنوان ، فما تحت البسيط معقد للغاية ، فالنص منذ البداية وحتى السطر الأخير يحكي حكاية سردية عن حلم الذات بعيشة بسيطة تؤمن له فضاء للعيش فيه وأنثى تبادله العشق ويعيشان قصة مملوءة بالأحلام الوردية ، وتشاطرهما الطبيعة هذه القصة ، وينعمان في بلدتهما في ظل هذا الأمن والهدوء ، وهنا ومع السطر الأخير تأتي لحظة انكشاف الصمت وتحقق المفاجأة والدهشة ، فهل هذا الأمن دائم أم مؤقت ؟ وما سر هذا الهدوء والسماح للحلم أن ينطلق معبرا عن ذاته ؟ ، إنها العبارة التي كشفت المضمر ” العساكر نائمون فلا تخافي ” ، وهذا معناه أن البساطة والهدوء ورغد العيش والحياة الوردية مرهون بعلاقتي الحضور والغياب ، ففي حال غياب العساكر المحتلين السلطويين تصفو الحياة ، وفي حال حضورهم تختفي معالم الحياة وتبدو مظاهر القمع والقهر ، هكذا النص يضعنا أمام مفارقة بين موقفين موقف السلطوي وتصرفه في أحوال شعبه وصورة الحياة معها وموقف الحالمين من البسطاء بحياة كريمة ملؤه الحب والود بعيدا عن تلك المظاهر التي تمنعهم من تحقيق ذلك .