إذا تتبع القارىء الديوان تتبعا رأسيا لمفردات الموت سواء بشكل صريح ، أو بشكل إشارى أو بشكل ضمنى، سيجد انتشارا لهذا الدال ، وسيجده مرتبطا برؤية الشاعر لجماعته ورؤيته للشعر ، وسنجد الموت وقد جمع بين / العالم الأخر /العالم الآنى، لكن الذين اختاروا – بفعل السفر – وطنهم الأخر ، لا يفترقون عن الموتى الذين لم يسافروا إليه ، ربما كان الفارق الوحيد بين من يعيشون الآن ، ومن اختاروا قرار الرحيل هو أسبقية الرحيل ، والموت لا يأتى وحده لكنه يأتى دوما مصحوبا بمفرداته وسياقاته التى تحتشد بها القصائد : الموت – التأبين- الأموات – الروح – موته- ضريح – القبر – النعوش- الكفن- شق التوب – الفراق – النواح – البكا – الحزن – الدموع ، ولأن المجتزأت المتعلقة بالموت كثيرة فسنكتفى بالإشارة إليها من خلال رصدها وعنونتها لتأكيد هذا الدال الذى يهمن على عدد كبير من قصائد الديوان
إن تدوين نصوص شعر العامية أحد أهم القيم التى يجب على الشاعر العناية بها ، لأنه لم يعد وسيطا للتسجيل فحسب لكنه صار علامة جمالية تسهم فى وصول القارئ لعمق النص وبنيته، فتدوين شعر العامية مازال يعكس الفوضى ، فالمتأمل والقارئ لدواوين شعر العامية سيلاحظ أكثر من طريقة تدوينية تختلف من ديوان لآخر ، بل قد تتعدد طرق التدوين فى الديوان الواحد ، وغنى عن البيان أن نقول إن التدوين لم يعد وسيطا تسجيليا لحفظ النصوص من الضياع وإنما أصبحت الكتابة / التدوين أداة جمالية تدخل فى عملية تحليل النصوص ومكاشفة فنياتها ، من هنا تحتاج هذه القضية _ لن يستطيع باحث فرد أن يقوم بمفرده بهذه المهمة رصدا وتحليلا وضبطا _ إلى جهود عدة باحثين ، أو بعض المؤسسات المعنية ، وذلك للوصول إلى مجموعة من القواعد الضابطة لعملية تدوين نصوص شعر العامية
ولا يقتصر أمر تدوين النص العامى عند كتابة أحرفه منضبطة ، وإنما ينبغى أيضا ضبط علامات ترقيمه ، ووضع بعض الرموز الكتابية لعدد من الأصوات التى لم تستطع أحرف اللغة العربية الفصحى على الإمساك بها .
إن هذه الظواهر وغيرها الكثير يحتاج من باحثينا قدرا هائلا من الجهد للوقوف عليه وضبط قواعده، و يقع ديوان الشاعر أحمد الجميلى وديوان الشاعر حامد عامر فى مشكلات تدوينية متعددة ، لكن معظم أخطائها من الأخطاء الشائعة فى العامية المصرية ، وقد وددت التركيز هنا على بعض هذه المشكلات لأنها تمثل عينة دالة فى هذا الموضوع الإشكالى الذى لن نكف عن الكلام فيه لحيويته وأهميته الكبيرة ، وسنجد أن كل ديوان قد جمع بين الأخطاء الطباعية والمشكلات التدوينية الشائعة ومشكلات تقطيع الأسطر فى فضاء الصفحة ،وكذا مشكلات تنضيد وتوضيب السطور وهو الأمر الذى لا بد أن يلتفت إليه الشاعر عند طباعة كتابه ، وكذا المشكلات التدوينية اتى قد تحدث لبسا فى قراءة النصوص وهو ما نود التركيز عليه عبر مجموعة من الأمثلة ، كإدماج حروف الجر فى أصل الكلمة وهو ما نراه غزيرا فى ديوان حامد عامر ومنها :
فبلدنا ــــــــــــــ فى بلدنا فصل الفاء عن الكلمة واللبس الدلالى – مالخيال ــــــــــــــــــــ م الخيال- عالغلابه ـــــــــــــــــــــــ ع الغلابه – مالسما ــــــــــــــــــــــــــ م السما – فكتافى ــــــــــــــــــــ فى كتافى – فالنحو ـــــــــــــــــــــــــــــ فى النحو ، دمج الضمائر فى الأفعال كما فى يجيبلى ـــــــــــــــــ يجيب لى وسنجد الخلط قائما فى ديوان هلال لأحمد الجميلى كالخلط بين الهاء والتاء المربوطة ، فصل اللام عن الكلمة لــ أول ـــــــــــــــــــــ لأول ، فضلا عن إهمال التشكيل فى الديوانين بشكل يجعل القارئ يتعثر فى قراءة سطور بعض القصائد.
هذه بعض الأمثلة خاصة أن المشكلات التدوينية متعددة ، وتحتاج لدراسة مستقلة لنفى بتغطيتها جميعا ، لكن ما أود لفت انظر إليه أن الشعر قد يفسد بسبب مشاكل التدوين، من هنا أنبه من جديد إلى أهمية العناية به لأنه قيمة توثيقية أولا وقيمة جمالية ثانيا تضع القارئ أمام دلالات النص الشعرى دون الوقوع فى الالتباس الدلالى الذى قد يحول الجملة الشعرية من النقيض للنقيض ، فالتدوين لم يعد شكلا خارجيا ، لكنه داخل فى بنية النص الشعرى وتوجهاته وجمالياته التى لن تستقيم إلا من خلال ضبطه والعناية الدقيقة به .