محمد سيد عبد المريد
إن الرؤية العميقة للديوان تبرز مدى ترابط النصوص الشعرية، حيث الارتكاز على موضوعات محددة، بدأت مؤشراتها في التجلي منذ بداية العتبة النصية الأولى، وأسفرت عن خطوط دلالية مركزية شملت تجربة الديوان الكلية، وأبرزت مرتكزات الخطاب الشعري الدلالية، وكيفية اختياره وتوزيعه الدلالي، حيث وردت دوال لغوية من أعماق الواقع المجتمعي الراهن، في شكلها البسيط المستخدم في التواصل التداولي، وهذا يتوافق مع الرسالة التي ينتجها هذا الخطاب الشعري، فهي موجهة إلى الناس جميعا؛ لأن المعاناة جمعية، والدفاع عن الأرض ضد الطغاة يتطلب التعاضد الجمعي حتى تتحقق الثورة بقوة، ورسالة الشاعر أو رؤيته عبر عنها في قوله:
إن الشاعر ينطلق من الرؤية الإنسانية الجمعية، إلى كل تجليات الإنسانية ضد كل ما هو غير إنساني، فالشاعر يبصر الآخرين بما يحاك ضد الإنسانية، ويتبدى دوره الجوهري في تجليات فعل الصمود أمام كل ما يعيق تحقق الإنسانية:
وهذه الرؤية متمركزة في الخطاب الشعري، تمثلت في عدة نصوص شعرية بدلالات حادة صريحة، تكتنز معالم النزعة الإنسانية لدى الشاعر، مرتكزا على الوعي الجمعي لدى الناس، وعلى دالين مركزيين في تجسيد هذه النزعة، وهما الأرض والغناء، فدال الأرض يرمز إلى الشراكة الجمعية والانتماء الكلي/ الأصل الإنساني، ودال الغناء يرمز إلى فعل الإنسانية والصمود والمقاومة، والذي ورد في معظم نصوص الديوان، وبلغ تردده أربعا وعشرين مرة، كما ورد في عنوان نص مرة واحدة “أغنية الثورة”، بجانب بعض الدوال المستمدة من حقله الدلالي كالنشيد والصوت، فالغناء تعبير حيوي عن الحرية والإنسانية والحلم:
في هذا المقطع يرمز إلى الحرية، وإلى أهمية الثقة في الحلم، الحلم بالإنسانية والعدالة، مع التأكيد على صعوبته وندرته.
وحول واقع المهمشين المحكومين المضطهدين، يطرح معاناتهم الجماعية في نصه “أنبياء الهامش”، وكما هو واضح من وصفهم الوارد في عتبة النص، منها:
وهذه الرؤية تجسدت في دوال لغوية مباشرة، تبرز حقيقة أنبياء الهامش الذين لا يمتلكون أدنى قوة، وليست لهم مكانة في صنع واقعهم أو مستقبلهم؛ فيلتزمون بالحياد السلبي الذي يكشف عن أدق تفاصيلهم التكوينية، وهي رؤية تنطلق من رؤية هذا الخطاب الشعري العميقة، والتي تمثلت في عدة نصوص أخرى؛ لأن الشاعر يرتكز على كشف الواقع المجتمعي والسلطة السياسية من جهة، وإنتاج حالات تثوير متعددة من جهة أخرى، رغم أنه يرى هذا الواقع مستمدا من أعماق التاريخ، أي أن هذا الصراع بين الهامشيين والحكام الطغاة حاضر منذ فجر التاريخ؛ فالطغاة يملكون الأرض وراثة:
يرتكز على التقابل الدلالي الحاد في إنتاج الواقع الحقيقي للهامشيين، وإن كانت الصورة هنا حادة جدا إلا أنها تضمنت الغياب الكلي للهامشيين عبر هذه المفارقة الحادة، التي تنطوي على قيم سالبة، وعلى التهكم والسخرية.
كما يدمج الشاعر لإنتاج آلياته الدلالية بين الواقع المجتمعي القروي ودواله المرتبطة به وبين التصوير الشعري؛ لتشكيل خاصية بارزة في تشكيل خطابه الشعري، على سبيل التمثيل:
يتناول فعل الحرب من خلال الواقع القروي البسيط؛ فتتشكل الصور الشعرية بإيحاءاتها من هذا الواقع البسيط؛ لذا جاءت الآليات الدلالية أكثر عمقا لالتصاقها بالحياة؛ حيث يبرز تأثير الحرب على هذه الحياة المدنية، وكأنه يعرض التقابل بين الحرب والحياة المدنية، والصورة الأكثر عمقا، هي أن الأم تعبئ زيرها، والحرب التي لا تنتهي متأججة وقد أثرت سلبا على ما في داخل البيت، فتعبئة الزير وقت الحرب تبرز من جهة الصراع المفزع بين الحرب والحياة، رغم أن الأم تدعو إلى الرب الكبير بإيقافه هذه الحرب، وتبرز من جهة أخرى الجانب الخفي في مشهدية تأثير الحرب على واقع البسطاء، كما يطرح هذا الشكل أيضا في قوله:
فعل الأمر/ غني موجه هنا لفيروز، يطرح الشاعر مشهدا قرويا جميلا، سيتحقق حينما تستمر فيروز في غنائها، أو هناك ربط بين غناء فيروز وهذا العالم الجميل البسيط، فأطفال سينعسون خلف كَرْمِ النخيل يغطون في النور، هكذا يطرح عالما نقيا بسيطا يختلف عن العالم المعقد الكبير، ثم يطرح شكلا أكثر عمقا، في التقاء السماء بالأرض، عن طريق ضيافة أمه لملائكة الله في الأرض، وهم رسل الله، النور الذي يتوازى مع النور الذي ورد في مشهد الأطفال، وهؤلاء الملائكة الرسل يرشدون البشر إلى الحياة الجميلة، لكن تطرح الأم عبر حوارها الفارق، أن نسوة الحي سيصنعن الحياة التي أخطأتها البصائر، من رحم الواقع، ومن أعماق المستحيل، وكأن الملائكة حملوا هذه الرسالة وأرادوا أن يبلغوها لها، فوجدوا الأم تدرك هذه الرسالة من صميم الواقع ومحبة الحياة.