فشعر الحداثة هو ذلك الشعر، الذي لا يبدو في شكل مستقر، بل هو ما يبحث دائمًا في الأشياء، ويقوم بتجاوزها وإعادة النظر فيها، فهو ليس شكلًا يبلغه الشعر، بل مشروع تصور جديد ومغاير للكون، ينهض فيه الشاعر بمشروعه الحداثي مستندًا إلى رؤية معرفية عميقة ومتكاملة للإبداع، ودوره في التاريخ، وموقعه من العالم، من خلال خصائص كتابية جديدة تحقق هذا عبر الانفتاح على المجهول، الذي يحيلنا بدوره إلى مجهول آخر لا ينتهي. وهذا ما يتضح في النص السابق، حيث الانفتاح على محكيات شعرية متوترة لا تبدو في شكل مستقر، فهي تتجاوز ما قد تبحث فيه، وتعيد النظر مرة أخرى فيه، وهذا ما يؤكد لا انتظام النص عند الشاعر “طه الصياد” في نصه الحداثي، الذي يبدو مستندًا إلى رؤية فلسفية عميقة للحياة والأحياء (الآنَ لا تبقى بلادٌ لي / تنكسرُ الطريقُ على خطايَ / أنتِ جميلةٌ وكثيرةٌ لا شكّ / لكنَّ البلادَ بلادَنا تقسو علينا / حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها / تتسعُ الصحاري / حينَ ينقرُ طائرٌ يدَها فتندلعُ الحروبُ / يسكتُ الإنشادُ / كمْ منْ مرةٍ سنموتُ منفيينَ خارجَ حقلِها الممتدِّ منْ كفِّ العقيدِ إلى العقيدِ / ها هي الأزهارُ
تصرخُ في سريريَ / الحمامُ يموتُ بين يديّ / كمْ ننسى حقولَ التينِ والزيتونِ / تشهقُ في زمانٍ حامضٍ / القلبُ يشهقُ / ها هي الأصواتُ / أصواتُ القنابلِ ذاتُها / البندقيةُ نفسُها / الحربُ عينُ الحربِ / يبدأَ كلُّ شيءٍ في التداعي والهبوطِ لنقطةٍ دمويةٍ / الروحُ تهبطُ نحوَ قبرٍ ضيقٍ / مسدسٍ متحفزٍ / الأرضُ تهبطُ / والسماءُ وليتها وقعتْ / سينقصني عمايَ / وينقصُ الطيارُ قلبي حين يقصفُ بيتَنا العاري! / سنرفعُها على أكتافِنا مثلَ الصليبِ أنا وأنتِ، بلادَنا / بلادُنا معطوبةٌ / ننأى ويقتربُ العساكرُ منْ سريرِ اللهِ / منْ نومِ العصافيرِ الصغيرةِ في سماءِ القصفِ / منْ لحمِ البيوتِ ومنْ عظامِ مدافنِ الموتى ومنْ موتى ينامونَ الهنيهةَ بينَ نارِ حياتِهم والنارِ / نكبرُ في المنافي / كلُّنا جرحى ولا تبقى البلادُ على الخرائطِ في مواضعِها / كما تتبدلُ الأسماءُ والسكانُ / يتبدلُ التاريخُ إنْ ربحَ المسدسُ حربَهُ!)، لقد جاءت تلك المحكيات الشعرية السابقة لتعلن عن لاانتظام النص، مستندة في ذلك إلى الحداثة الفنية، تلك الحداثة التي تعني تساؤلًا جذريًا يستكشف اللغة الشعرية ويستقصيها، وافتتاح آفاق تجريبية جديدة في الممارسة الكتابية للنص الشعري فنيًا وجماليًا ولغويًا. وابتكار طرق للتعبير تكون على قدر التساوي مع هذا التساؤل من خلال المحكيات الشعرية التي تعقد تساؤلات فلسفية داخل النص. وهذا كله كان نتيجة لنظرة شخصية فريدة ومتعمقة من الشاعر للإنسان وللكون.
إننا نجد أدونيس يحصر أهمية النص الشعري الإبداعي وحداثته في ثلاثة أمور، إذ يقول: “النص الحديث حتى يكون مهمًا بالنسبة إلي، ينبغي أن يحقق ثلاثة أمور أساسية، هي:
الأول: أن ألمس فيه (أي في النص) شيئًا لا أعرفه في الشعر الذي قرأته سابقًا، بمعنى أن يضعني هذا النص أمام المجهول.
الثاني: هو أن يكون هذا المجهول الذي يضعني أمامه محققًا قطيعة معرفية وجمالية مع الماضي التقليدي.
الثالث: هو أن ينقل إلي هذا الذي قلته بلغة شعرية جديدة.
النص الذي يستوفي هذه الأمور أعتبره في رأيي نصًا أساسيًا ومهمًا في إضافته وحداثته الإبداعية. وهو بالضرورة يتكامل مع القامة الإبداعية الحضارية لتراثنا العظيم”([1]). وهذا ما قد نجد ملامحه في ديوان “أنسى طريقي إلى البيت”، فالشاعر “طه الصياد” يقدم لنا قصائد ديوانه بوصفها نصوصًا تتقاطع مع المجهول، ذلك المجهول الشعري الذي لا تربطه أية صلة بالنص الشعري التقليدي الكلاسيكي، فصوره مغايرة، كما أن لغته حداثية، تنقل إلينا مشاهد شعرية سديمية بلغة شعرية جديدة غير مألوفة، يقول في قصيدته “أنسى طريقي إلى البيت”:
وكما أن لأدونيس منطقه الخاص في الحكم على حداثة النص الشعري، فإن له كذلك منطقه الخاص، الذي يحكم به بين شاعر وآخر، يراه أكثر خلقًا وتحديثًا في الكتابة الشعرية من خلال خصائص كتابية جديدة تتيح له هذا، يقول: “أميز بين نوعين من الشعراء: الأول يمكن وصفه بأن اللغة هي التي تكتبه، وهو من يكون قابلًا، يتبنى الموروث بمفهوماته وقيمه، وطرائق تعبيره. لا يطرح حولها أي سؤال، ولا يثير أي اعتراض. والثاني يمكن وصفه بأنه هو الذي يكتب اللغة، يحاول أن يقول شيئًا لم تقله، بطرق لم يألفها، فهو يتساءل دائمًا ويبحث. وهذا الثاني هو من يمكن القول عنه بأنه يغير طرق الكتابة، ويمارسها في الوقت نفسه قراءةً مغايرة لنتاج الماضي. وهو في ذلك يغير الرؤية السائدة للعالم عبر الشعر. وهنا ينحصر الدور التعبيري للشعر: فيما يغير الشاعر أشكال التعبير، يغير طرق الإدراك والرؤية في العلاقة بالأشياء والزمن”([2])، ولعل هذا ما سعى إليه الشاعر “طه الصياد”، في نصه السابق، فهو من ذلك النوع الذي يكتب اللغة، ويقول من خلالها داخل نصه الشعري ما لم تقله، بطرق لم يألفها النص الشعري الكلاسيكي، يطرح داخل نصه الكثير من التساؤلات المباشرة وغير المباشرة، ويعقد محاورات بين الذات الشاعرة ومفردات الأشياء داخل المحكيات الشعرية للنص (كي لا تشنّ السلالةُ حربًا على نفسِها منْ هنا منْ متاريسِنا / سوفَ نحمي شجيراتِنا دونَ أنْ نعلنَ الآخرينَ مشاريعَ حربٍ! / لنْ نتركَ الأرضَ مثقلةً بالضحايا ولا جوَّنا ملعبًا للغزاة ولا بحرنا واسعًا للخطايا ولا نخلنًا عاريًا / الرادارات ترصدُ أدنى سحابٍ يمرُ على نومِنا في الضحى / الراداراتُ ترصدُ أدنى سماءٍ / نُشَيّدُ منْ أغنياتِ الحصادِ / أدنى انتشاءٍ لعاشقةٍ تحتَ سقفِ البلادِ / أدنى احتجاجٍ على أيِ شيءٍ / أدنى اشتهاءٍ لحلمِ الحياةِ / أدنى احتكامٍ إلى قلبِنا في الصلاةِ القصيرةِ / أدنى صلاةِ / أدنى اكتشافٍ لما يربطُ الآخرينَ بنا منْ حقوقٍ ومنْ واجباتِ / منْ وحدةِ النوعِ والعقلِ / منْ دمعةٍ تتجاوزُ لونَ العيون / منْ ضحكةٍ تتجاوزُ قيدَ اللغاتِ / منْ مطلبٍ عادلٍ فوقَ ما أنجزَ الناسُ منْ فلسفاتِ / هو العيشُ بالحبِ والعدلِ والسلمِ في عالمٍ لا تمارسُ دورَ الوصايةِ فيهِ
يغني لنا لحظتينِ / يرحلُ في عمقِ آلامِهِ تاركًا صرخةً في الهواءِ تعري فخاخَ الطيورِ وقناصةً بين أشجارنِا العاليةْ!). فالشاعر في نص السابق اعتمد من التقنيات الكتابية اللغوية والفنية والجمالية الحداثية والجديدة ما يغير طرق الكتابة الشعرية المستقرة، ويمارس في الوقت نفسه قراءةً مغايرة لنتاج الماضي. وهو في ذلك يسعى جاهدًا إلى تغيير الرؤية السائدة للعالم عبر الشعر. فهو هنا ينحصر الدور التعبيري للنص الشعري لديه: فيما يغير الشاعر أشكال التعبير، يغير طرق الإدراك والرؤية في العلاقة بالأشياء والزمن، حتى المحكيات الشعرية لديه التي تبدو طوال النص متوترة وقلقة، وربما متناقضة، مما يؤسس فنيًا لـ لا انتظام النص، يقول الشاعر في قصيدته “تداعي”:
([1]) أسامة إسبر، أدونيس: الحوارات الكاملة (2)، (1981-1986م)، بدايات للنشر والتوزيع، سوريا، ط(1)، 2010م، ص104.
([2]) أدونيس، كلام البدايات، دار الآداب، بيروت، ط(1)، 1989م، ص166.
الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (5)
الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (6)
الكتابة الشعرية الجديدة..فاعلية الاختلاف وملامح الخصوصية (7)