لا شك أن متلقي النص الشعري ما بعد الحداثي، عبر بنياته الشعرية فنيًا وموضوعاتيًا، والتي طرحت بدورها أسئلة مقلقة تجاه النص الكلاسيكي، من خلال الوقوف على تلك البنيات الشعرية، في محاولة لخلق نص مغاير يخرج بالنص الشعري من دائرة البقاء في بنيات كلاسيكية تقليدية استهلاكية تساير الإنسان في حياته الجارية، وهذا ما تسعى إلى رفضه الكتابة الجديدة، فهي كتابة تلتزم بجدية التمرد على كافة الثوابت بكل أشكالها، الحضارية والثقافية والتراثية والدينية والمجتمعية والأخلاقية، تتمرد على الانتظام إلى اللاانتظام؛ بغية تحرير العقل وانطلاق الأفق إلى اللامحدود واللامتناهي، وكل هذا يلزمه تحطيم الموروث الثابت.
فشعر الحداثة وما بعدها هو ذلك الشعر، الذي لا يبدو في شكل مستقر عبر بنيات شعرية ثابتة، بل هو ما يبحث دائمًا في الأشياء، ويقوم بتجاوزها وإعادة النظر فيها، فهو ليس شكلًا يبلغه الشعر، بل مشروع تصور جديد ومغاير للكون، ينهض فيه الشاعر بمشروعه ما بعد الحداثي مستندًا إلى رؤية معرفية عميقة ومتكاملة للإبداع، ودوره في التاريخ، وموقعه من العالم، من خلال خصائص كتابية جديدة تحقق هذا عبر الانفتاح على المجهول، الذي يحيلنا بدوره إلى مجهول آخر لا ينتهي.
وبالتأكيد فإن هذا ما سعى إلى تحقيقه الشاعر/ة “وسام دراز” في ديوانه الشعري “بائعة الفطير”، فإنه يمثل نقطة تحول في كتابة النص الشعري ما بعد الحداثي لجيل شباب الشعراء، أو هكذا يبدو، وذلك من خلال الارتكاز على البنيات الشعرية الفنية والموضوعاتية لنصوص ديوانه، التي دونها لا يتأتى ولوج فضاء النص، بمختلف أبعاده الفنية والأيديولوجية والرمزية، يقول في قصيدته “بائعة الفطير”:
وأنتَ يا طِفلي القِطار”. إن خصائص الكتابة الجديدة للنص الشعري الحداثي وما بعد الحداثي تتجلى في هذا النص الشعري السابق بوصفه نصًا دراميًا عبر بنياته الشعرية فنيًا وموضوعاتيًا، ومدى عنايتها بالتجديد الفني والوقوف على لا انتظام الحياة داخله، وبتشكيل المتخيل الشعري له على مستوى الصور المركبة والجمل الشعرية، وقد جاء هذا كله عبر تقنيات متعددة أبرزها الانشطار (هو ترجمة لمقابلها في الفرنسية La mise en abyme الذي كان “فيكتور هيجو” أول من تنبه إليه، وبعده “أندري جيد” وآخرون، وقد ذكر “هيجو” في تعريف هذه التقنية التي لاحظها في “مسرح شكسبير” ما يأتي: إنه فعل مزدوج يخترق الدراما ويعكسها مصغرة، فإلى جانب العاصفة في المحيط الاطلسي، هناك عاصفة أخرى في كأس الماء)، ففي النص الشعري السابق يبرز محكي شعري رئيسي يتكون من عدة مقاطع وصور شعرية يتناول كل منها طورًا من اطوار العلاقة بين الذات الشاعرة والنص الإبداعي، ويعرض للتحولات التي انتابت تلك العلاقة، من بداية النص إلى نهايته، حتى أنتجته كاملًا، وعبر صوره الاستثنائية، وتتفرع عن طريق الانشطار، عن هذا المحور الرئيسي، محكيات شعرية صغرى تدور في فلكه:
ولم يُعَكِّرْ ماءَهُ حَجَرُ التَذَكُّرِ….). وهناك محكي شعري آخر تخلل المشهد الشعري السابق، يتناول فيه الشاعر العلاقة المتوترة بين الحزن والرحيل وقلب الشاعر والحياة، تلك العلاقة القائمة على التفحص، ووضع الحياة موضوع الشك والاتهام؛ لما تسببه له من قلق، وهذا ما دعاه لبث الطمأنينة في نفسه عبر محكي شعري حالم، يقول:
ولم تكن السماءُ تَغيبُ.. كانت للجميعِ!). ثم ما يلبث الشاعر أن يقدم المحكي الشعري الرئيسي، ذلك الذي خلق داخله الصراع مع الحياة، وتسبب في علاقة متعثرة بين الذات الشاعرة، والمتخيل الشعري للمحكي الشعري الرئيسي في النص:
وأنتَ يا طِفلي القِطار). وعبر مستويات المحكيات الشعرية في النص، فإن المحكيات الصغرى التي تتخلل المحكي الشعري الرئيسي وتتشعب وتنشطر عنه، وفق قوانين الاشتغال الشعري عبر تكثيف المتخيل الشعري وتنويع صوره داخل النص، فإن التفسير وفق الوظيفة الجمالية لحضورها، يطرح مسألة تلوين البنيات الشعرية وتنويعها، بينما تعتبر الوظيفة التكوينية أن المحكيات الشعرية المنشطرة داخل النص، بمثابة رحم لتكونه، وقد يكون صوتًا نبوئيًا يحكي عن المستقبل في صيغة الآن، عن طريق الاستشراف الإبداعي. إن النص الشعري عند “وسام دراز” يحث على الابتعاد عن كون الشعر تصويرًا لما في الواقع، فالقصيدة الحداثية لديه “يرفض أن تكون انعكاسًا طبيعيًا للوضع الوجودي الذي يعيشه الشاعر الحداثي. إن القصيدة عنده لا تعكس ظروف الشاعر بقدر ما هي خلق وابتكار جديد”([1])، إن القصيدة الحداثية لديه بهذا الوصف تعد وعاءً للإبداع والتجديد، وليست مساحة للإخبار والتشخيص، “فالشاعر الحق هو الذي يقدم لنا شعره عالمًا شخصيًا خاصًا، لا مجموعة من الانطباعات والتزيينات. إذن كل إبداع تجاوز وتغيير”([2]).
([1]) أدونيس، زمن الشعر، مرجع سابق، ص11.
([2]) أدونيس، مقدمة الشعر العربي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط(5)، 1986م، ص100.