إن التعاطي مع التجربة الصوفية في التراث العربي القديم وإعادة إنتاجها وفق آليات جديدة تنفتح بها على الواقعي واليومي والمعاصر، يربطها أساسا بالحمولة التأويلية التي تتيحها الطاقة الدلالية لهذه المضامين المنتجة، وفق اشتراطات تجربة ذاتية محضَ، والمتوافقة مع البحث الدؤوب للشباب المبدع عن الفرادة والشخصنة، في رسم معالم مميزة لقصيدتهم الخاصة، وهذا ما استشعره قبلهم جيل الرواد في اكتشافه لهذا الخزان الدلالي الخصب في التراث العربي، إذ”إن النظرة البسيطة إلى نصوص أبي نواس مثلا والنفري، ترينا أنهما أكثر حداثة من نصوص كثيرة “مضادة” لشعراء كثيرين يعيشون بيننا”([1]) كما يقرر أدونيس، “إن الحداثة انخراط في التاريخ وإنها كتابة تضع هذا التاريخ موضع تساؤل مستمر، وتضع الكتابة نفسها موضع تساؤل مستمر، وذلك ضمن حركة دائمة من استكشاف طاقات اللغة، واستقصاء أبعاد التجربة”([2]) ، وهو المدخل الذي اتخذه أدونيس نفسه في نظرته الإسقاطية لتاريخ الأدب الغربي على ديناميات التحول في بنية القصيدة العربية وتشكيل رؤيتها للعالم معتبرا أن ” النظر للتجربة الصوفية بوصفها رؤية متعالية عن أن تكون مجرد نزوع وحدس شعري، جعل البعض يطابقها من الناحية الإنسانية بشعرية السريالية والرمزية الفرنسيتين.([3])
يتبد اختراق النظام العرفاني لآليات إنتاج القول الشعري في التجربة الشبابية منذ العتبة الأولى للخطاب المتجلية في الوسم أو العنونة، إذ تعد عناوين المجموعات والقصائد مدخلا دالا على هذا الملمح الصوفي المتغلل في النسيج اللغوي والرؤيوي للتجربة الشعرية، إذ يقوم العنوان بوصفه نصا موازيا-بتعبير جيرار جينيت-، بالإضافة إلى الوظيفتين التعيينية والإغرائية، بوظيفة دلالية تعتمد تكثيف الشحنة المضمونية للعمل ككل في عبارة دالة ومائزة، وهذا ما يتجلى في الكثير من مظاهر العنونة والتوسيم، أي بوصف العنوان نصا صغيرا يلخص نصا كبيرا أو يضيئه:
فعلى مستوى عناوين المجموعات: نصادف من الناحية المعجمية كلمات تحمل في طياتها هذه الإشارة الصوفية، المستنبطة والمستعارة من لغة القوم وأحوالهم بل –وبتعبير إجرائي معاصر- من نظامهم المعرفي: كمجموعة “وقت” لأحمد عايد، إذ درجت الأدبيات الصوفية على تسمية المتصوفة والأولياء بأهل الوقت، حيث تتمظهر كلمة الوقت بوصفها تعبيرا جوهريا عن هوية الصوفي السالك لرؤية وجه الحق، فقد “سئل الشبلي لم سمي الصوفي ابن الوقت؟ فقال: إنه لا يأسف على الغايب، ولا ينتظر الوارد”([4]) أو كما سئل الشيخ أبو سعيد عن التصوف، “فقال: استعمال الوقت بما هو أولى به.”([5])
هكذا يتجلى الوقت عنصرا جوهريا مميزا لهوية التصوف والمتصوف معا، بيد أن هذا التآلف الظاهري اللفظي لمفهوم الوقت يخفي تخالفات دلالية كبرى حينما يحول من نظامه العرفاني إلى نظام معالق ومفارق له في آن، هو النظام البياني الشعري، وهو ما تتبثه أجرأة الاستعارة الابستيمية على المتن قاطبة، فالوقت في مجموعة أحمد عايد لا يرتبط بالمقدس أو بالاستعمال الذوقي والسلوكي لرؤية وجه الله، بنوع من الارتقائية التي يقطعها الصوفي، عبر مجموعة من المقامات والأحوال وصولا لدرجة المكاشفة، حيث يتجلى الحق للخلق، وإنما هو حتمية حيادية ونوكوصية انهدامية وتقهقر نحو الأسوأ وابتعاد قصري عن زمن الطفولة، منطلق البراءة الأولى والسعادة الكلية، يقول:
بهذا التناول الدرامي لتيمة الوقت في المجموعة يتجلى إحساس الشاعر الفادح بكبوة الوقت، وهذا ما يبرر ورود كلمة الوقت منكرة ومفردة، لأن الحكم على حيادية هذا الوقت وديمومته الحتمية في المتن الشعري -هذا الوقت الذي لا تراعي رغبة الإيروس فيه-، ليس إلا تجريد للوقت من كل مظاهر القدسية الصوفية، إذ:
وعلى عكس تمظهر الوقت في المتن الصوفي الذي يستعير منه الشاعر تجسيده ككائن حي ذي إرادة لكنه يأبى إلا ألا يعقل ولا يحس، وبرغم اشتراك الشاعر مع الصوفي في وجه الشبه نفسه المتمثل في أنسنة الوقت، فإن الشاعر لا يمكن أن تجمعه مع هذا الوقت أي صلة قرابة، عكس الصوفي الذي يعتبر الوقت صاحبه و أهله، بهذا المعنى يتجلى الوقت في مجموعة أحمد عايد مقابلا دراميا للحياة نفسها، إذ يجسد وعيه الشقي في تمثل السيرورة الحتمية للوقت على شكل كبوة متحدرة، في حين يركب الصوفي ما نسميه صهوة الوقت، التي يرتقي منها من مقام إلى مقام أرفع، وهذا ما دفعه دفعا للتساؤل الوجودي المر:
على الوقت أن يغير هويته الجوهرية -إذن-كي يتحول إلى شيء آخر غير نفسه، فالوقت الذي يتحكم فيه الصوفي، جراء كرامة تقوم “بطيِّه”، يشكل بالنسبة للشاعر طقسا نفسيا يتغير بتغير تجلياته النهارية والليلية ومراحلهما، وإذا كان الليل مرتعا لتحسس الجرح والغربة، حيث تقوم الرؤيا مقام الرؤية، وتقوم البصيرة مقام البصر، يتذكر الشاعر استعارته الصوفية الاتكاء، وهو البحث عن معبر للسماء “:
لكن مطلب الارتقاء يؤدي بالصوفي للفناء اللاهوتي، في حين الشاعر يتخذ منحى آخر وهو الفناء في الناسوتية وفي اللاشيئية والعدم:
إن الاستعارة الابستيمية سرعان ما ترسم نقاط الائتلاف بين النظامين المعرفين/البياني الشعري والعرفاني الصوفي، لتقوم بعدها بهدمها منتصرة لخيارات النوع، وهو ما يتبدى –مثلا- في مجموعة “الفرار إلى العزلة” للشاعر شريف أمين–والتي تحيل منذ عنوانها للشحنة الصوفية المستترة كمبحث دلالي رئيس في التجربة الصوفية – نشير على سبيل التمثيل فقط إلى كتاب العزلة([11]) أو باب الخلوة والعزلة([12]).
إن تيمة الحب في المجموعة تتجلى تيمة مهيمنة على مجمل قصائد الديوان، الحب بوصفه خلاصا وجوديا للذات الشاعرة، غير أنه حب مجسد ناسوتي له ملامح أنثوية فاتنة، وشهوته نار حارقة، على عكس النار الإبراهيمية / المعجزة أي المقابل الموضوعي للكرامة الصوفية، وبرغم هذا الاختلاف النوعي إلا أن تجربة النار نفسها تحقق الرضى المشترك بين تجربتي الولي والشاعر:
بل تتجلى الموقفية المستوحاة استعاريا من “مواقف” النفري بين ثلاث إنزياحات عن نظامها العرفاني الصوفي الأصلي المستعارةِ منه، في قوله في القصيدة نفسها:
فهي من ناحية تشترك مع النفري في مواقفه الأصلية في: جلال المـُـوقف/ الذات الإلهية، وجلال الـمَوقف/ القرب وكشف السر، وخلاص الواقف/ المعرفة، لكنها في المقابل عند صاحب “الفرار إلى العزلة” تنزاح دلاليا مجسدة ناسوتية الموقف/ الحبيبة عوض الله، وغواية الموقف/ الهوى والشوق والشهوة، بدل القرب وكشف السر، وضياع الواقف بين أرض وسماء خاذلتين للذات الشاعرة بدل الخلاص الصوفي اللَّدُنِيّ في الذات الإلهية عند الصوفي.
ولعل هذا الفناء الناسوتي للذات الشاعرة في ذات مجسدة هي ذات المحبوبة الحقيقية الواقعية، هو ما يضعها مقام الذات الإلهية عند الصوفي، وهذا ما يبرر مثلا افتتاح الشاعر حسن عامر قوله الشعري -في مجموعته “أكتب بالدم الأسود”- باسم حبيبته التي أسقط عليها كل صفات المطلق:
وإن هذا الفناء الناسوتي في المحبوبة نفسه هو ما جعل الشاعر حسن عامر يتوسل استعاريا بقناع الصوفي، الذي يمرر من خلاله استعاريا رغبته الأوريسية، منحازا بشكل مطلق لعالم الشهادة والمادة والعشق المجسد في المحبوبة، وانبعاث من هموم المجتمع الشهيد، حين يقول:
([1]) الشعرية العربية أدونيس، دار الآداب، بيروت، ط.2، 1982، ص 94.
([3]) الصوفية والسريالية، دار الساقي، بيروت، ط.2، 1995، ص 15
([7]) من مجموعة “وقت” لأحمد عايد.
([11]) إحياء علوم الدين، محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، دار االمعرفة – بيروت، 2/244-245.
([12]) الرسالة القشيرية، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري (المتوفى: 465هـ)، ت: عبد الحليم محمود، محمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ، 1/ 222- 226.
([13]) الفرار من العزلة، قصيدة الوشم، ص 7.
([14]) مجموعة “أكتب بالدم الأسود، حسن عامر، قصيدة: نشيد.
([15]) مجموعة أكتب بالدم الأسود، الشاعر حسن عامر، قصيدة تكوين جديد.