بيت الشعر بالأقصر

الإبداع الشعري الشعبي فى الصعيد.. السيرة الهلالية أنموذجا (1)
  • بيت الشعر بالأقصر
  • Comments 0
  • 06 Apr 2026

د. خالد عبد الحليم أبو الليل

مدرس الأدب الشعبي بكلية الآداب، جامعة القاهرة

ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب… فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ…) ([1]).

لقد تحققت هذه الشروط (أو وصية القدماء) في شعراء الهلالية. وهو ما يمكن ملاحظته في ملازمة الشاعر المبتدئ للشاعر الأقدم (الأستاذ)، في حفلاته؛ بهدف الحفظ عنه، وتعلم طرق الأداء؛ حتى يصل إلى درجة يدرك ـ أثناءها ـ أنه قد تشبع بالسيرة، أي أصبح شاعرًا يمتلك المقدرة على مواجهة الجمهور بمحفوظه وأدائه. ولقد أكد على هذه الحقيقة كل الشعراء الذين حاورناهم. فهم شعراء أميون (ومن يعرف منهم القراء والكتابة، فمعرفته محدودة)، لا يمتلكون سوى ملكة “الحفظ”. من هنا تأتي ضرورة ملازمتهم للشعراء المشهورين. فالشاعر “جابر أبو حسين” لازم الشاعر محمد الطباخ حوالي خمس سنوات، كما أنه أفاد من طبقة شعراء، تسمى “أولاد برعي”، على نحو ما يؤكد الشاعر سيد الضوي، بقوله: (… أولاد برعي دوله فِ الأصل من الصعيد، وبعدين بحَّروا… عمي جابر… بحَّر… اشتغل.. بعدين كان يسمع الناس دول.. بقي يشعر معاهم.. يسمع ما يغنِّيش.. يسمع بس.. حفظ مِنِّيهم..) ([2]) . ويؤكد الأمر نفسه الشاعر محمد اليمني، الذى حفظ قصص الهلالية عن عمه “السيد عبد الباقي” (… مشيت معاه.. بقيت دائمًا أبص عليه.. هُوَّ عمَّا يقول ايه.. ابتديت أسمع.. ف يوم من الأيام قلت له: يا عمى أسمَّعك كلمتين؟.. سمَّعته شوية كلام.. حبِّني.. قلِّي: انت جدع، وانت هتبقي تمام…) ([3]) . وقد أشار إلى ذلك “والتر ج. أونج”، فالشعراء ـ كما يقول ـ (… يتعلمون بالاستماع لشهور وسنوات إلى شعراء آخرين لا ينشدون قصة بالطريقة نفسها مرتين بل يستخدمون مرارًا وتكرارًا صيغًا معروفة في موضوعات معروفة…) ([4]) .

(2)

نخلص مما سبق إلى أن هناك أربع مراحل يمر بها الشاعر الهلالي، ليصبح شاعرًا مجيدًا، وهى: (1) مرحلة السماع والملازمة والحفظ. (2) مرحلة الإجازة من قبل أستاذه. (3) مرحلة التقديم أو التعريف بين الشاعر والجمهور. (4) مرحلة اعتراف الجمهور والإعجاب به. فالشاعر المشهور ـ غالبًا ما ـ يقدم الشاعر المبتدئ إلى الجمهور. وهو ما يعني إجازته له بامتهان الهلالية حرفة له. وعملية “الإجازة” هذه بمثابة شهادة من الشاعر/الأستاذ لتلميذه أمام الجمهور، وهو ما يعني ـ في الوقت نفسه ـ اعتماد نص هذا الشاعر؛ الأمر الذي يضفي على هذا الشاعر المبتدئ نوعًا من الثقة لدى الجمهور، فيساعد على قبولهم له. ويمكننا أن نلمس ذلك في حرص الشعراء الهلاليين المعاصرين على نيل “الإجازة”، من خلال تأكيدهم الدائم على أنهم أجيزوا بامتهان الهلالية من “عمهم” جابر أبو حسين (والعمومة هنا ليست عمومة قرابة، وإنما عمومة المهنة). فغالبًا ما يؤكد أحدهم أنه كان ملازمًا له، أو انه كان عضوًا في فرقته، وبأن الشاعر جابر أبو حسين استمع إليه وأعجب به، وسمح له بإنشاد الشعر.

تأتي ـ بعد ذلك ـ مرحلة تقديم الشاعر إلى الجمهور وتعريفهم به. وفي الغالب لا يتم ذلك إلا من خلال وسيط ثقة، هو الشاعر/الأستاذ. على نحو ما قدم الشاعر محمد الطباخ جابر أبو حسين، وعلى نحو ما قدم أولاد البرعي الشاعر الضوي الأب، وتقديم الضوي الأب لسيد الضوي الابن. فحين مرض الضوي الأب ذهب إلى الحفلة ـ التي كان مدعوًا فيها ـ وقدم ابنه “سيد” إلى الجمهور، بعبارات الثناء عليه، فاستقبله الجمهور استقبالاً حارًا، ثم أصبح شاعرًا محترفًا بعد وفاة والده. وهو الأمر الذى حدث بين العم الشاعر “السيد عبد الباقي” وابن أخيه “محمد اليمني”، الذى قدمه إلى الجمهور بقوله: (… يا اولاد انتُ شبعتوا مني انا.. وانا معاي ابن اخوي.. يعني ولدي.. هيسمّعكوا حاجه حلوه.. سجَّعوه يعني.. آنا خايف طبعًا…. المولى ساعدني.. وقلت الكلمات دوله.. والعالم عما يشيل بي شيل…) ([5]). تبدأ بعد ذلك ـ في حالة إجادة الشاعر المبتدئ ـ مرحلة اعتراف الجمهور بشاعرية هذا الشخص، وهي مرحلة الشهرة والاحتراف، ويساعده ـ على تحقيقها ـ ظروف كبر سن أستاذه، أو مرضه، أو وفاته، هذا بالإضافة إلى المهارات الفنية للشاعر المبتدئ نفسه.

إن السؤال الذى ـ لا يزال ـ يطرح نفسه بقوة في هذا السياق، هو: كيف يتمكن الراوى من حفظ النص الهلالي؟ وكيف يتمكن من تذكره وارتجاله؟.

بادئ ذى بدء لابد أن نقرر أن استخدامنا لمصطلحات من قبيل (الحفظ ـ التذكر)، لا يعني الحفظ ـ أو التذكر ـ الحرفي للنص، الأمر الذي يجعل رواية الشاعر المبتدئ نسخه مكررة لرواية أستاذه، تذوب ـ معه ـ شخصيته في شخصية أستاذه. وإنما المقصود بهذه المصطلحات ما هو أبعد من ذلك ـ على نحو ما سيتضح ـ، وعلى نحو يحافظ ـ من خلاله ـ الشاعر المبتدئ على شخصيته وتميزه وخصوصيته، وذلك من خلال قدراته ومهاراته الأدائية. وتبدو صعوبة القول بالحفظ الحرفي للنصوص الهلالية، نظرًا لأن الهلالية يتداخل فيها نوعان أدبيان مختلفان، هما: الشعر والنثر. فما الذي ينبغي أن تعيه ذاكرة الشاعر الجديد من النصوص الهلالية السابقة عليه؟.

إن الذاكرة ـ كما يقول أحمد مرسي ـ (… عامل أساسي وضروري في الثقافة الشعبية التي تقوم على التلقين، والتعليم الشفاهي، وانتقال المأثور وتداوله. وعلى هذا الأساس، فهى تحتل مكانًا هامًا، ذلك أنها تمكن المؤدي أولاً من أن يحفظ الكثير من الأشكال والأنواع، وتجعله ثانيًا قادرًا على الاحتفاظ بها لمدة طويلة…) ([6]) . ويمثل الاعتماد على نظرية الصيغ الشفاهية أمرًا ضروريًا لفهم عملية الحفظ والتذكر للنص الهلالي. وتهدف هذه النظرية إلى (… محاولة فهم الطرائق التي أنشئت وتناقلت بها الحكايات الشعبية، بإيعازها سهولة إمكان إعادة إنتاج هذه الحكايات إلى تواتر الصيغ الشفاهية التي تتضمن خطوط الحكاية، مرورًا بتحديد كيفية تكوين الإطار enjampement الناظم لهذه الخطوط، وانتهاء بالموضوع الأساسي المتصل بدراسة بنية الحكاية ككل…) ([7]) . ولما كانت الهلالية تقوم على الشعر والنثر، فإن تعامل الذاكرة مع كل منهما مختلف عن بعضهما البعض.

ففي مجال النثر، ولما كانت الذاكرة لا تستطيع أن تحافظ ـ حرفيًا ـ على كل كلام نثري ليست له خصائصه الإيقاعية، التي تسهل عملية حفظه؛ لذا فإنها تصبغ هذا الكلام ببعض الخصائص الفنية التي تمكنها من الاحتفاظ به. فكما يقول عبد الحميد يونس: (… لما كانت الذاكرة لا تستطيع الإبقاء على كل كلام ليست له صفة بيانية تميزه، وكان السماع هو الحاسة التي تتلقى هذا الكلام المقصود به إلى التذكر والحفظ، فقد أصبح من الضروري أن يكون هذا التراث مجهورًا له جرس ورنين…) ([8]) . فالراوي يعي ـ في ذاكرته ـ أحداث الهلالية ومراحلها، ولكنه يعرض ذلك ـ أثناء ميله إلى النثر ـ بلغته وأسلوبه الخاص به، مطعمًا ذلك ببعض الصيغ النثرية المحفوظة، التي تعتمد على التسجيع والإيقاع، والقابلة للتكرار في مواقف مختلفة من السيرة. فالراوي يميل عند استخدام النثر إلى (… استخدام فواصل منتظمة الإيقاع في سرد مواقف الروايات المقدمة، وهي فواصل ذات قياسات وزنية متساوية أو متباينة، تجرى مجرى القصيد في التزام القافية، بواسطة التراكيب المتوازية، والمرادفات والمقاطع المقفاة ذات الإيقاع، والمتكررة في حالات معينة… بما ييسر عملية التلقي، ويسهل قابلية المؤدي للاستعانة بالتطريز الصوتي والتعبيرات الحركية…) ([9]) . إن مثل هذه التراكيب التي تتوافر فيها هذه الخصائص، يطلق عليها مصطلح “الصيغة”. وقد عرفتها نبيلة إبراهيم، كما حددت وظيفتها للراوي والجمهور، بقولها: (… هي مجموعة كلمات تستخدم استخدامًا منتظمًا بطريقة موزونة غالبًا، وتؤدي وظيفة أساسية في بناء الشكل الأدبي،….، وهذه الصيغ ليست مهمة بالنسبة للمستمع فحسب، بل ربما كانت أكثر أهمية بالنسبة للراوي، إذ إنها تعينه على سرعة تأليف حكايته.) ([10]) . كما عرَّفها محمد حافظ دياب ـ أيضًا ـ بأنها: (… مجموعة الكلمات التي تستخدم بانتظام وبطريقة موزونة وداخل أنماط حافزة للتذكر، أنشئت بصورة قابلة للتكرار…) ([11]). ولقد مثلت “الصيغة” ـ بهذا المعنى ـ الأساس الذى بنى عليه كل من “ميليمان بارى”، و “ألبرت لورد”، و “دافيد بينوم”، ثم “والتر ج . أونج” نظرية الصيغ الشفاهية، التي تسعى إلى تفسير عملية تناقل النصوص الشفاهية من جيل لآخر، اعتمادًا على تكرار مجموعة من الصيغ الشفاهية ذات الخصائص الإيقاعية، التي تسهل عملية حفظها. وهي صيغ تحافظ على الخطوط الجوهرية للسرد الشعبي؛ لذا اعتبر أصحاب هذه النظرية (… أن تلك الصيغ بمثابة أعراف فنية ووسائل أسلوبية مستقرة، تعبر عن أفكار جوهرية، تجعلها صالحة كي تقوم بدور التنبيه إلى الحركة الموضوعية للنص الشفاهي، وتؤسس علاقة ضرورية وشعورًا بالألفة بين المؤدي وجمهوره…) ([12]) .

لقد توفرت هذه الصيغ ـ بهذا المعنى والوظيفة ـ في النصوص الهلالية (المدونة والشفاهية). ففى النسخ المدونة نجد مجموعة من الصيغ النثرية المتواترة، التي يرتبط ذكرها ـ في الغالب ـ بمواقف متشابهة في القصص الهلالية المختلفة. ومن هذه الصيغ النثرية المتواترة، أن الراوي عندما يريد أن يصور غضب أحد الأبطال (لسماعه خبرًا سيئًا، أو في لحظة لقاء مع بطل أقوى منه)، فيقول: (فلما سمع… ذلك الكلام.. صار الضياء في وجهه ظلام وغضب غضبًا شديدَا…). وعند الاحتكام إلى الضربات الحاسمة في المعارك، فإن الراوي يصور مقتل أحد البطلين في المنازلة (الذى غالبًا ما يكون من الأعداء)، بقوله: (وكان السابق… فطعنه في صدره خرجت تلمع من ظهره، فوقع على الأرض قتيلاً وفي دمه جديلاً، فلما رأت العساكر ما حل بملكها أيقنت بهلاكها…). كما تستخدم ـ في هذا السياق ـ بعض الصيغ من قبيل (… وضرب… بالترس فشطح على رقبة الجواد براها كما يبري الكاتب القلم…) أو (… كما سقط على رقبة الجواد فبراها كما يبري الكاتب القلم…). ومن الصيغ التي تستخدم عند إنشاد الشعر: (فلما فرغ… من شعره (أو كلامه) وفهم فحوى قصده ومرامه (أو فحوى شعره ونظامه) …) أو (ثم أشار إليه (أو أجابه) بهذا القصيد وعمر السامعين يطول (أو يزيد) …) أو (وجعل ينشد ويقول صلوا على طه الرسول). وتتكرر مجموعة من الصيغ الجاهزة في مواقف الوداع والفراق، منها (… ثم إنه صار يتودع من أبيه وجميع العرب بهذه الأبيات صلوا على سيد السادات…).

إن المتأمل للنصوص الهلالية الشفاهية سيلمح قوة العلاقة بينها وبين النسخ المدونة، من خلال محافظة الشعراء الهلاليين على مجموعة من تلك الصيغ الشفاهية، التي نستطيع أن نسميها “الصيغ ذات الأصل المدون”، من قبيل: (أبو زيد يقول.. يحكي كلام معقول.. انا وانتُ نصلى على طه الرسول)، (ومسكت السلاح.. يضوي كضي الصباح.. صلوا بينا على صفوة الفتاح)، (أنشد الأمير أبو زيد قال ايه.. والعاشق في جمال النبي يصلى عليه)، (وصرخ وصاح.. وجات الرجال الملاح.. إحنا وانت نصلو على صفوة الفتاح)، (ووصلت إلى القبور.. تنشد الأميرة دوابه وتقول.. إحنا وانت نصلو على طه الرسول..)، (يا حسن.. يا زينة العرب.. والنبي المنتسب.. وشهر شعبان ورمضان ورجب.. والعبد إذا طلب..)… إلخ. كما يستخدم هؤلاء الشعراء العبارات المسجوعة، مثل: (… خدوها وروَّحوا السكنات.. دوابه اسَّرقت م البنات.. إحنا وانت نصلو على سيد المعجزات)، (لازم اروح بني عقيل.. واجيب الكحيل)، (غضب غضب شديد، وعليه من مزيد، وقلُّه: يا ولد يا صعلوك.. هتخش ديوان كل الملوك.. والرجال عيحترموك.. مالك ومال سيرة النسوان.. ياردي يا بطَّال؟!..). والشاعر عندما يلجأ إلى مثل هذه الصيغ، إنما يكون بهدف أن يساعد نفسه على الحفظ والتذكر؛ حيث (يميل التفكير المطَّول ذو الأساس الشفاهي، حتى عندما لا يكون في شكل شعري، إلى أن يكون إيقاعيًا بشكل ملحوظ، لأن الإيقاع، حتى من الناحية الفسيولوجية، يساعد على التذكر…) ([13]) .

([1]) ـ ابن خلدون، المقدمة، دار القلم، لبنان، بيروت، الطبعة السادسة، 1986، ص 574 .

([2]) ـ حوار مع الشاعر سيد الضوي بمنزله بمدينة قوص، صباح السبت 21/5/2005 .

([3]) ـ من حوار مع الشاعر محمد اليمني، بمنزله بعزبة محمود ـ نجع حمادي، صباح الثلاثاء 7/9/2004 .

([4]) ـ والترج. اونج: الشفاهية والكتابية، ترجمة د: حسن البنا عز الدين، مراجعة د: محمد عصفور، الكويت، علام المعرفة، فبراير 1994، ص 130 ، 131 .

([5]) ـ حوار مع الريس محمد اليمنى/السابق.

([6]) ـ د. أحمد على مرسي: مقدمة في الفولكلور، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الطبعة الثانية، 1995 ، ص 117 .

([7]) ـ د. محمد حافظ دياب: إبداعية الأداء في السيرة الشعبية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مكتبة الدراسات الشعبية، ج 1 ، 1996 ، ص 114 .

([8]) ـ د. عبد الحميد يونس: الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مكتبة الدراسات الشعبية، أغسطس 2003، ص 155 .

([9]) ـ د. محمد حافظ دياب: إبداعية الأداء في السيرة الشعبية، ج 2 ، ص 39 .

([10]) ـ د. نبيلة إبراهيم: الدراسات الشعبية بين النظرية والتطبيق، المكتبة الأكاديمية، ط 1 ، 1994 ، ص 281 .

([11]) ـ د. محمد حافظ دياب: النص الإبداعي بين الشفاهي والكتابي ـ السير الشعبية نموذجًا، من كتاب “المستقبل يبدأ الآن” ، الدورة (18) لمؤتمر أدباء مصر في الأقاليم، الهيئة العامة لقصور الثقافة، المنيا، 2003 ، ص 117 .

([12]) ـ د. محمد حافظ دياب: إبداعية الأداء في السيرة الشعبية، ج 1 ، ص 114 .

([13]) ـ والتر ج . أونج: الشفاهية والكتابية، سابق، ص 94 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *