د. مصطفى رجب
إن طرح سؤال مثل: ما القراءة؟ يبدو غريباً، لأن كثيراً من الناس لديهم أفكار غير صحيحة عن القراءة، لكن لابد من إجابة واضحة عن هذا السؤال.
والقراءة في رأي كثير من المفكرين – عملية عقلية تشمل تفسير الرموز التي يتلقاها القارئ عن طريق عينيه، وتتطلب الربط بين الخبرة الشخصية ومعاني هذه الرموز، ومن هنا كانت العمليات النفسية المرتبطة بالقراءة معقدة لدرجة كبيرة.
وعلى هذا فللقراءة عمليتان منفصلتان:
العملية الأولى: الشكل الاستاتيكي، أي الاستجابات “الفسيولوجية” لما هو مكتوب.
العملية الثانية: عملية عقلية يتم خلالها تفسير المعنى، وتشمل هذه العملية التفكير والاستنتاج
والقراءة بهذا عملية تفكير معقدة، تشمل أكثر من التعرف على الكلمات المطبوعة، ولا يقر بعض المدرسين هذه الحقيقة، ويعتقدون أن الطفل الذي يقدر على النطق الصحيح للكلمات المكتوبة قارئ جيد، لكن الحقيقة أن الطفل الذي يتعرف على الكلمات والعبارات فقط يفشل غالباً في فهم ما يقرأ.
أحببت أن أقدم بهذه الكلمات قبل الشروع في قراءة عجلى في دواوين متميزة طلب إلي بيت الشعر في الأقصر أن أنظر خلالها في تلك التجارب التي أبادر بالقول بأنني استمتعت بها حقا من خلال المجموعات الشعرية الآتية:
والحقيقة أنني لمست أن هذا الجيل من شعرائنا الشباب – من خلال هذه الدواوين – يدركون أن الصورة الشعرية خَلْقٌ صافٍ من فكر المبدع نفسه، ولا يمكن لها أن تُولَد من تشبيه، أو تُقتبَس من نص سابق.
وهذا الفهم للصورة الشعرية عند هؤلاء الشعراء يعطينا دلالة أكثر ذهنية عن الصورة، ويربطها بحركة الفكر الصافي، ويبعد التشبيه كل البعد عن إنتاج الصورة.
فالصورة الشعرية عندهم رُسمت بكلمات، وقد تتولد هذه الكلمات من وصف أو استعارة أو تشبيه، أو تقدم إلينا في تعبير أو فقرة هي حسب الظواهر وصفية خالصة للوصف ولننظر مثلا في قول كرم عز الدين:
فالشاعر هنا يتجاوز بنا مرحلة النظر في صورة شعرية تقليدية محدودة الجوانب إلى فضاء إبداعي مترامي الأطراف، متجاذب الدلالات، وحين نقرأ قول شاعرنا نفسه:
إن إنتاج الصورة الشعرية – بمعناها الأوسع – هنا بوجود الأشكال المجازية المتعددة كالاستعارة والتشبيه، ساهم في وجودها في تعبير وصفي خالص.
على أن الصورة الشعرية ليست عند شاعرنا تعبيرا لغويا خالصا عن حالة من التماثل ، بل هي تصور ذهني يُنتجه العقل نتيجة معاناة حقيقية.
ولعل هذا ما نتج عنه عند بعض نقادنا هذا الخلط في مصطلح الصورة بين كيفية تناولها بالدراسة، ففريق يرى أن الصورة لها منطقها الخاص ، وفلسفتها المميزة بعيدا عن الأشكال المجازية التقليدية كالتشبيه والاستعارة والكناية،
وهذا الفريق من النقاد إنما يستند على منطق الشعر وفلسفته في بنائه، فالقصيدة صورة واقع يعيشه الشاعر، وقد تكون صورة حقيقية لواقعه المحيط به ، وقد تكون صورة في مخيلته ، والشاعر إذ يقدمها ، يقدم صياغة جديدة للواقع ، وهذا من أهم مميزات الصورة الشعرية .
وحين نقرأ قول الشاعر محمد ملوك:
نلمس ما أكده النقاد من أن التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين، و مقياس نجاح التشبيه مرتهن بإمكانية الجمع بين هذين الطرفين المحسوسين. وكثير من نماذج الشعر الحديث تعقد علاقة المشابهة بين شيء محسوس وآخر مادي.
وعلى الرغم من أن معظم القصائد الجيدة لا يحتوي إلا على قليل من الصور، أو قد لا يكون به صور، فإن الصورة قد أصبح ينظر إليها باعتبارها وسيلة شعرية خاصة.. فقد لا تحتوي القصيدة على أحد عناصر بناء الصورة بشكلها التقليدي المعروف في كتب البلاغة العربية القديمة، لكنها في حد ذاتها صورة، بمعنى أن الصورة هي الشيء الثابت في الشعر كله، وكل قصيدة إنما هي في ذاتها صورة صورة لواقع يعيشه الشاعر، سواء أكان هذا الواقع خارجيا أم داخليا.
وحين نقرأ للشاعرة هناء المشرقي قصيدتها ” مُكاشفةٌ في بيت العنكبوت ” التي تقول فيها:
لا بد لنا أن ننفتح بوضوح مع النص لندرك قدرة الشاعرة الهائلة على التمييز بين المستوى التركيبي والمستوى التصويري، لأن المستويين يتكاملان دون أن يتقابلا مما يدعونا إلى المناداة بضرورة خلق علم أسلوب عصري جديد ينبني على دراسة الصورة الشعرية في شعرنا العربي الحديث – وبخاصة العمودي منه – بكل جوانبها الدلالية.
فالبلاغة الجديدة، بلاغة الصورة الشعرية أوسع نطاقاً وأخصب مدىً من مجرد تشبيه أو استعارة وإن كان التشبيه أو الاستعارة قد يصلان في بعض الأحيان – فيما يرى بعض نقادنا المعاصرين – إلى درجة من الخصب والامتلاء والعمق إلى جانب الأصالة.
وقد يكون الإبداع اللغوي أحيانا موازيا للإبداع التصويري، كما نرى في قول الشاعرة هناء المشرقي في قصيدتها “بـُردة ُالأسرار”:
ويظهر هذا أيضا في كثير من شعر الشاعر المتفرد/ نور الدين جمال في أكثر قصائد ديوانه الذي لم أتمكن من الاستمتاع به وقتا كافيا لأسباب إلكترونية.