إذا قلنا عن شعر ” شريف أمين ” وكله تقليدي أشبه بزي الشاعر السوهاجي / محمد عبد المطلب في النصف الأول من القرن الماضي فإن شعر ” عبد الرحمن مقلد ” وكله من الحر أشد غرابة من زي عبد المطلب في محافل القاهرة آنذاك ، الأمر الذى نؤكد عليه دوما أن شكل الشعر عموديا كان أم حرا لا يجعل منه شعرا طالما صدر عن ذائقة عيية لا تكاد تبين، أو أعجمية الإحساس والرؤى والإيقاع . ومن ثم فإننا لا نستطيع – قولا واحدا ومليونا – أن ندخل ” مقلد ” ضمن شعراء ” بيت الشعر ” فهو امتداد لآلاف الشعراء الجدد الذين خبرت بعضهم في دراسات لنا سابقة .
ثمة ” دم يغطى الوادي الأخضر ” لم يك هذا الدم ما يدفعه الشاعر / الشهيد فداء لرسالته ولوطنه إنما كان دم شاب قتله جند فراعيننا بعد الإطاحة بفرعون ما قبل 25/1/2011 م ، يقول مقلد وهو يرثيه ( كنت تبدل من خطواتك / تحمل صوتك قربانا / لم يتركك الجند لتكمل أحلامك / …/ صدقني يا مينا في هذا العالم / روحك أرخص من ثمن رصاصة / هذا العالم أسود / لا ينتظر مصابيح تضئ / ……………. / وبلادك صدقني يا مينا لا تعرفنا …)
ويواصل رثاءه قائلا ” شعارات / .،.،/ خدعتنا ياصاح / لتتركك جريحا / عند مدرعة لا تعرف غير القتل / لا يكفى في هذا الموقف أن نتألم / كيف إذا صدقنا الكذبة والخداعين / السادة قادة ألوية النصر / كيف تروح دماؤك هدرا / دمك القبطي يغطى الوادي الأخضر / يراه الناس ولا يبكون عليك / ولا يعلون الصوت ليأتي حقك / ولكنى يا صاح / وإن لم أك أفعل ولا كنت / قريبا منك وأنت تودعنا / ولم أك يوما في الصف الأول في وجه القتلة تحملني الرغبة كل مساء أن انظر في صورتك / …/ وألعن قاتلك المتغطرس ”
وله نص بعنوان ” الثورة ” يقول فيه ( وليس على الثورة الآن / أن تتلخص في الأغنيات / التي لا تحرك باعوضة / أو تهيج ديكا / ينقلها الناس عبر هواتفهم ………..)
وعلى امتداد الديوان وقصائده المتعددة نرى ” مساكين يعملون في البحر ” وهو عنوان الديوان ، وهؤلاء المساكين / الشعب / الشعراء يقولون على لسان شاعرهم ( وأرواحنا تشتهى البقاء / البقاء فقط /دون لون يعرفها / كيف تهفو لشيء/ وكيف تميل ) ومن ثم ترفض ما هو ضد الحقيقة ، ترفض المجاز ( وأما المجاز فألقوه / هذا الهلامي / للحوت / ….. / وهذا الغناء ليبقي على الصخر / متكأ للعواطف والهذيان الجميل / أزيلوا من اللغة / البض منها / وأبقوا الهذيل ……. )
ويعود مقلد إلى ” الدم ” مرة أخرى فيهبه نصا بهذا العنوان وهو معكوس ” قصيدته “عدوان”، وكلاهما مما يحدث في مخيلة الشاعر المتأثرة بالفوضى التي سادت البلاد بعد 25/1/2011 م يقول في ” عدوان ” وأنت تعد عشاء لضيفك تبدأ حفلة شاي / كان لزاما علينا التجهز للحرب / كنا نغذي بنادقنا بالرصاص / وندفع آلتنا العسكرية في الوحل / نعزف مرشاتنا / ونردد خلف الطبول /…. بينما كان يطلب قادتنا أن نولي / صوب ديار العدو / ديارك / نزرع ألغامنا في الحقول / وأسفل جسر المشاة / وأن نتجهز بالمدفعية / ننتظر البدء / نشعل آخر تبغاتنا / ريثما تنتهي من صلاتك/ تدخل في النوم / نبدأ في قصف بلدتك المطمئنة).
وفى نصه ” موعظة الرحالة ” الذى نرى فيه الشاعر يحل في نبي لم يعره انتباها يقول فيها : ( ومن يتدقق بالوقت غير نبي ونحن نشد هواتفنا بغناء سريع ) حيث ( لا تنفع للرحلة الآن دون نبي ) و ( ومن يضمن الحظ ألا يخون / وتنقلب الحافلات بنا / بعد لن يقلب الله أية حافلة / يتكوم فيها نبي ببدأ رسالته …. إلخ )
وفى قصيدته نوار يضئ ويختفى ، وهى رثاء في والده يقول فيها ( لو كنت في حال يروق لي المجاز بها / لشبهت انقباض / بانقطاع الكهرباء فجاءة عن بيتنا الريفي / ذلك كان يستدعي خيال الطفل في / لملت كالطاووس أكملت انحنائي / قلت : أنى ذلك المنسي / حيث ولدت في أبريل / في بدء الربيع / وموسم البرسيم / لقلت : أنى لم يقيدني أبى / في دفتر الأحوال إلا بعد ميلادي / خمس سنين / لا تثقوا إذا في حدسكم / أو في سجلات الحكومة / لم تراقصني الطبيعة كي أغني باسمها )
ويتلقى الثورة / الشعر من محمود درويش ( وتلقننا كلمات نلاقي بها غضب الطاغية / وشعرا جديدا به نشعل الثورة الآتية / ) حتى يقول ( نسكن في سمر الأهل / لا شيء غير طفولتنا في المكان هنا / والأغنيات التي دونتها / الأصابع عن وطن لا يموت ) .
وعبد الرحمن مقلد يجد حرجا أن ( نتسلى بقص أظافرنا / أو الغناء الكئيب على الطرقات) ومن ثم يختم قصيدته في مديح المحبة ( أكان على الحب / أن يتفلسف حتى نكون معا / كان يمكن أن يكمل الأغنيات سوانا ).