وجرياً خلف تحقيق أهداف البحث فقد قسم البحث إلى قسمين أولهما: الإطار النظري الذي يشرح الموضوع وأسباب اختياره والمادة عينة الدراسة من حيث الكم والكيف والأهداف الداعية للبحث، وثانيهما: الإطار التحليلي الذي يشمل تتبع ظواهر الدراسة في المادة عينة الدراسة من أجل الوصول إلى نتائج البحث من خلال الوقوف أمام الأمثلة الدالة على كل ظاهرة.
يمثل العنوان في العمل الإبداعي نقطة المحور التي تتفرع حولها كل دوائر المعاني وتعود إليها في الوقت نفسه، أو لنقل هي ومضة المركز في القضية الأساسية التي يتفاعل معها الوجدان.
ففي قصيدة “ملح الأبجدية” لجعفر أحمد نقف أمام مركب إسنادي محذوف الطرف الأول ومسنده مكون من مركب إضافي على سبيل التشبيه، فأما الإشارة فهي الضمير العائد على كل العمل الواقع تحت العنوان أي أن كل ما تفرع من دوائر معنى في كل السطور الشعرية بعد العنوان يمثل ملح الأبجدية أو لنقل بشكل آخر إن كل صورة بالقصيدة من وجهة نظر المبدع تمثل ملح الأبجدية، ولنستدل مثلاً بالمقطع الأول من العنوان:
فإذا عدنا للتأمل في فلسفة علاقة المعنى بالمبنى، نجد العنوان قد اشتمل على انحراف تركيبي حيث الأبجدية أسماء وحروف لمسميات منطوقة والفرق بين معرفة المنطوق واسم المنطوق هو الفارق بين الجاهل والمتعلم فكل ينطق المسميات دونما معرفة البعض بالأسماء، ولا يتهجى الأبجدية إلا العارف المتعلم لأسماء الأصوات، وبالتالي فإن مجال الأبجدية يقع في إطار المعرفة، ومفردة الملح لا تدخل في مجالها الدلالي إذ هو مجال الأطعمة، فتداخلت دائرتان في المجال الدلالي الملح حيث يقيم استساغة الطعام والعلم بالصوت حين يؤدي إلى استقامة المعرفة فأضيف الملح إلى الأبجدية ليصبح كل مقطع في القصيدة موصوفاً بالإسناد وإلى أن إدراكه واستساغته وفهمه هو معادل للطعام المستوي، فلا إدراك لدفء الحقيقة مقيدة بحال حين تنبت سنبلة من أجل أن تعيد مطرود الديار وتعيد المنزل فإن الأمر سيصبح كالطعام بلا ملح والإدراك يعادل ملح الأبجدية.
وهكذا يصبح الإدراك لمفهوم كل مقطع في القصيدة حتى آخرها يوازي تذوق معنى الأبجدية والمعرفة لدى الشاعر فيوضع المعادل مع كل نقلة شعورية في دائرة معنى في دائرة أخرى ترد إلى المركز مثل:
وتستمر هذه الدوائر العنوان حتى لو ظهر مركب المعنى في التشكيل اللغوي للمقطع فإنه يرد إلى المركز الأول مثل قول الشاعر:
فقد قدم التصريح بطرفي الإسناد في المقطع الأرض = ملح الأبجدية، مفصلة بالحصر في بدل الاشتمال “طينها” الذي أنبت الصبار فصار معادلاً لملح الأبجدية في مفارقة المسند إليه الذي حصل من السنبلة صباراً، لكن التداخل يعود إلى المعادل:
ويبدو المعادل نفسه عند الشاعر أحمد حافظ في قصيدته ” سيرةٌ عن فتًى ما” التي يمثل عنوانها كذلك معادل المسند لكل مقطع يعود إلى معنى العنوان، ففي المقطع الأول نراه يعادل المقطع المسند إليه والعنوان بالمسند:
وعلى الرغم من أن مكون المركز – أعني العنوان – مرتبط بالإشارة الضميرية المحذوفة إلى كل مقطع إلا أن الانحراف التركيبي لم يأت هذه المرة في المجال الدلالي كما كان الحال في مثال جعفر أحمد، لكنه جاء بالانحراف في التشكيل التركيبي؛ وذلك لكون المسند إليه في كل المقطع جاء في شكل جملة فعلية بدأت بالحال قبل صاحبها “على قلق المبشر بالوحول …” ثم جاء الفعل “سأحكي عن فتى” وهو الرابط الذكري بين العنوان في شكله الإسنادي والمسند إليه، ثم نعت المتعلق بالفعل بجملة فعلية “تفيأ مرة ظل النخيل” وكل يمثل الحال في الأنا المبدعة إذ يمكن إعادة المعادل:
وبهذا المعادل التشكيلي تطابق الحال مع السيرة الذاتية للتعبير عن المعنى الخاص بالشاعر، وأصبحت الحالة الخاصة تمثل حالة عامة ويصبح كل مقطع هو إضافة خبرية جديدة في الحكاية عن الفتى المعلوم المجهول إذ:
وفي قصيدة “راقصة العرس القروية” لمحمد عارف يمثل العنوان مسنداً إليه تمثل كل القصيدة القيد الوصفي والإخباري عنها حتى لو جعل المحور مكتمل الإسناد بالربط الضميري المحذوف = هي حتى ترتبط معه ضمائر كل مركب يعود إليه فيصبح كل مقطع استبدالي معادلاً للمسند إليه “راقصة العرس القروية”، ولتكن القصيدة كلها صفة واحدة متعددة الدوائر مع العنوان:
فالضمير “هي” المحذوف في العنوان مثل المحور في كل القصيدة ليربط كل دوائر المعنى المتنقل في الوصف من شكل إلى آخر ليربط كل ذلك بالعنوان.
ومع أن علاقة الارتباط تختلف أشكالها في القصائد وتختلف من شاعر إلى آخر بين الثلاثة عينة الدراسة إلا أن الرابط المشترك هو أن العنوان يمثل مركز المعنى أو لب الحكاية في كل عمل، وعليه تتفرع التشكيلات والصور لتعود إليه مرة أخرى من أول العمل إلى آخره.
يقصد بانعكاس التكوين السمات الشخصية والسيكولوجية للمبدع، ويقصد بالمؤثرات العوامل الخارجية المحيطة بالمبدع وما لتفاعل هذين العنصرين في التشكيل الإبداعي من حيث التركيب المفضي إلى الصورة والمعنى.
وكما ذكر من قبل في أسباب اختيار الزمان والمكان فإننا يمكن أن نلحظ ما للبيئة من أثر وما للظرف الزماني بإحاطة لأحداثه من أثر في تشكيل دوائر المعنى، والشعراء الثلاثة ذووا تكوين ثقافي متشابه كما ذكرنا، فكلهم نشأ في التخصص في حضن علوم اللغة والأدب والعلوم الشرعية وإن كان اثنان منهما لهما ثقافة عامة في التعليم قبل الجامعي وواحد منهما له تكوين شرعي في المعاهد الأزهرية إلا أنه تعادل مع صاحبيه حيث تعليم الأولين اتجه إلى العلوم العربية والثالث اتجه مع المكون العربي إلى علوم المسرح، لكنهم جميعاً عاشوا الظرف الثقافي لبيئة الجنوب بثقافتها ذات الأصول العربية، وهي البيئة التي تحن إلى العرق والأصل والأرض وهي البيئة الزراعية التي يمثل الصبر والانتظار فيها سمة المثابر للوصول إلى الهدف، والتي تميل إلى تمجيد البطل الفرد، وتجعل من نموذج القوة أسطورة للتحدي، ويحتمي فيها الضعيف بالقوي من رمز العائلة فإن لم يجد فإنه يبحث عن البطل ولو البطل المصطنع كما كان يصنع العرب في شعرهم، وهي البيئة التي يتجذر فيها عدم التفريط في الحق ولا يغسل فيها العار إلا بالثأر.
وفي ظل سن عنفوان الشباب وتشكيل البيئة وعنصر الثقافة لمكون المبدعين الثلاثة نرى معاني مشتركة قد ربطت بينهم لا تخرج عن معطى التأثير والتأثر بين المكون والمؤثر الخارجي؛ فجاءت ظواهر التعبير عن معاني يمكن ملاحظتها لدى الشعراء الثلاثة تتمثل في (الأمل، اليأس، القهر، الحلم، الانتظار)، وهذه المعاني تمثل خمس دوائر متداخلة شكل الشعراء من خلالها دوائر المعنى العام معتمدين مرة على الصورة أو الكناية أو الخبر التصريحي أو الرمز التأويلي القائم على تسخير معطيات البيئة الجنوبية للشكل القيمي لعناصر الطبيعة مثل قيمة الملح وقيمة القمر وقيمة النخل وقيمة السيسبان وقيمة الزهر وقيمة الماء … إلخ ما هو من مفردات تقع على مظاهر الطبيعة الملموسة لدى الجنوب، ويمكن رصدها لدى الشعراء بنماذج كالآتي: