جاء التعبير عن هذا في تشكيلات مختلفة ففي شعر جعفر نراه يبدأ بمركب إضافي “دفء الحقيقة” يمثل تشبيهاً بليغاً يجعل من الحقيقة ملتحفاً يحميه من كل شيء، ولكن ذلك مقيد بالانتظار كما ينتظر الفلاح ثمر الزرع “حين تنبت سنبلة”، وهو الباحث عن نموذج الحامي والرموز للقبيلة بشرط أن يكون مثالاً قوياً لكن ذلك يحتاج إلى انتظار وبحث.
وحتى الحلم الذي يتمناه ليتحقق فإنه ينتظر بطلاً نموذجاً غيره أيضاً من يحققه له، ففي قصيدة “الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ”
ونراه في قصيدة ” أرضٌ مُهيئَةٌ لمعنىً لا يجيءُ” يكشف من بداية العنوان معنى الانتظار حتى يختتم القصيدة بقوله:
وفي قصيدة ” عطشانُ يا ربِّي” يستخدم الشاعر رمز الماء المفقود لمعنى الحياة المفقودة والاستقرار المنشود، ويجعل من المحبوبة معادلاً لذلك العطاء؛ فيصرح بانتظار هذا المعنى فيقول:
وكما استخدم جعفر الرمز البيئي من السنبلة والنخيل والبئر والماء والملح ليشكل منه إيحاءات المنتظر في نفسه؛ نري الظاهرة ذاتها لدى الشاعر الفيومي أحمد حافظ؛ إذ يبدأ عنوان القصيدة بالدلالة المباشرة في سين الاستقبال لانتظار المقبل “سوف أبقى على جبلي” معطياً بهذا المعنى رفضه للواقع المر المرموز إليه بالشجر الطارد للعصافير، والحجر الذي لا يلين لحزن غريب، ويمر هذا المعنى بالقصيدة متداخلاً مع معاني أُخَر حتى ينتظر ما سوف يكتبه ولم يأت بعد:
وفي قصيدته “سيرة عن فتى ما” التي يجعل منها معادلاً للمجهول المذكور في الحياة تماثلاً مع المعنى الذي يجري في نفسه وتجلي سره في كل شيء إلى أن يقول عن الموصوف بالمعنى
وهو ذاته حين يتعب ويصبه اليأس من الوصول إلى الأمنية ينتظر في حنين أن تترجم أمانيه فيقول:
وفي قصيدة “أغنية وثورة” التي يراها أنها “آتيه في موجة من الخجل” نراه ينتظر المخلص الغائب
ويصرح الشاعر بهذا المعنى في قصيدته “وقفة على الطلل الأخير حيث يكشف عن خوالج المعنى الداخلي؛ فهو يقف على جرف هاوٍ يرتجف من الخوف ينتظر الأمل لكن معادل المحبوبة الأمن:
ونري أحمد حافظ يكثف هذا المعنى في قصيدة “رفيقان في زمن صعب” يطوي قلبه من الخوف لمشيه في الشارع وهو منزعج من السلطات وينتظر أن يعود الراحلون، يقول:
ومع الإحساس المؤلم بالواقع المرير على نفسه إثر الأحداث والظروف المحيطة نرى أحمد حافظ ينتظر نبي صلاح عبد الصبور بشكل مختلف حيث ينتظر صلاح عبد الصبور نبياً يحمل سيفاً بدلاً من النبي الذي يحمل قلماً مرمزاً إلى الشاعر، لكن أحمد حافظ يريد شاعراً يحمل سحر النبوة في الإقناع يقول منتظراً:
وتبدو ظاهرة الانتظار جليلة لدى الشاعر الأقصري محمد العارف في قصيدته “حاجة بسيطة جداً…” حيث يبحث عن معنى الحب الآمن والاستقرار الدافئ في الوطن بلا رقابة متمثلة من نظره في العساكر الذي يتمنى لحظة أن يناموا بلا حروب ودمار حتى يهنأ العالم بالاستقرار، ولهذا الحلم يظل ينتظر اللحظة فيقول:
وهي الأمنية ذاتها المتجسدة في قصيدته “مضطر أن أبقى”، والعنوان يكشف عن انتظار الأمل والحلم حيث يقول:
ومع إحساسه بصعوبة الحلم لكنه ينتظر المخلص من هذا الواقع المؤلم لنفسه يقول:
يمكن أن نلمح تفاعلاً واضحاً لدي الشعراء الثلاثة بين معاني متداخلة طرفها الأول الحلم المأمول الذي يصارع اليأس إثر معطيات الظرف الخارجي ومع ذلك تبدو المقاومة واضحة في ظل ظاهرة الانتظار التي مثلنا لها من قبل.
فإذا رصدنا نماذج هذا التداخل عند جعفر أحمد نجده في قصيدة “دفء الحقيقية” يبدأ بانتظار أمل يتحقق على أرض الواقع فيشعره بدفء الحقيقة، وهذا الأمل المنتظر في نبت السنبلة من أجل
ومن أجل هذا الأمل المنتظر نجده يبذل أقصى الجهد في العطاء.
لكن هذا الأمل وذلك الحلم ما يلبث أن يتبخر مع الواقع المؤلم
ويصل التداخل بين الأمل واليأس في التراوح حتى أن النخيل- الرمز- يحاكي حالة الشاعر، فالدمع يجف وصولاً إلى قمة اليأس ويتحسر الدمع ويتجمد بين الرمز والمرموز إليه ولكنه منتظر أيضاً:
ويستمر هذا الخط المتداخل مع دوائر المعاني المتشابكة بين الحلم والأمل واليأس والانتظار والحسرة إلى أن يلخص في آخر القصيدة:
وفي قصيدة ” الشِّعرُ مِيتَتُهُ الوحيدةُ” نرى العنوان مشبعاً باليأس والاستسلام ولا مفر ولا مخرج من الواقع إلى التدثر بالكلمة والموت في حضنها، حتى أنه يبدأ القصيدة في شكل حواري كأنه يستنكر من محاوره أن يظنه في حال أسعد منه، وكأنه الإسقاط العام في اليأس على جبل بأكمله يري الشاعر أنه مرآته فيقول:
ووسط هذا الإحساس بالعجز واليأس وتبخر الأمل لا يجد الشاعر مفراً من أن ينتظر من يأتي للتكملة لكي تعود البسمة والراحة والسعادة المأمولة فيوصي الرفاق بعده:
وفي قصيدة ” ضحكةٌ تنشرُ الأزهار في دمنا” يبدو العنوان ملوحاً بمعنى الأمل المنتظر لكنه إن بدأ قريباً ما يلبث أن يغتال حتى في حلم الطفولة إذ:
ولعل هذا الأمل المنتظر يطول لكنه يحتاج إلى وقت وعمر وحيد فيرمز الشاعر إلى ما حل بأيوب من خير في تناص مع الآية القرآنية }وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{ لعل لحظة الأمل تأتي بالتناص }فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ {فنرى الشاعر ينتظر الضحكة الطاردة لليأس والحزن: