ويطالعنا التداخل المعنوي بين دوائر اليأس والانتظار والأمل والحلم عند الشعر أحمد حافظ مستخدماً عناصر الطبيعة- مثل جعفر- رموزاً يعكس عليها إحساسه، ويستنطقها كما يستنطق الجبل ابن عبدوس الأندلسي، ففي قصيدته “سوف أبقي على جبلي” يفيض العنوان باليأس الواضح حتى إنه يمثل القرار والحكمة الأخيرة التي توصل إليها الشاعر لينعزل عن العالم في مخيلته طارداً لكل معاني الحياة، فالأشجار التي هي مأوى العصفور الأمين تطرده والحجر لا يتفاعل من حزن الغريب المعبر عن يأس الشاعر، وهذا الغريب يائس مهزوم وقد رمته الهزائم في الفراغ فأصبح كأي رصيف تدوسه الأقدام ومهمل بلا إحساس للآخر به، فينعزل الشاعر عن العالم متأملاً في قراءة الأخير:
حتى يبدو الحلم والمقاومة في انتظار لحظة الأمل والخلاص من إسقاطات الواقع المؤلم على الشاعر فيقول:
غير أننا نستطيع أن نرصد بوضوح أن معنى اليأس لدى الشاعر الفيومي أحمد حافظ يمثل مسحة عامة في كل شعر، وهو يأس أُطفِئ من ظاهرة الأمل والحلم عنده، ولربما العناوين التي لخص فيها تجربة القصائد تكشف بوضوح عن هذه الظاهرة، فقصيدته “سيرة عن فتى ما” يجعل متعلق الإشارة “عن” مرتبطة بنكرة عامة، ويؤكدها بالوصف العام في “ما” مما يشعر بالإهمال واليأس القاتل لدرجة أن هذه الأوصاف النكرة يصرح بها أنه
إنه الحرمان حتى من أبسط حقوق الحياة أن يأوي واحد إلى ظل عام في رمز النخلة ابنة عم البشرية والتي خلقت من بواقي طينة آدم كما هو في الموروث الديني، لكنه تحول إلى الأعمى وتحول إلى المجنون وتحول إلى اليائس الذي لو لاحت لديه أمنية الانتظار فإنه ينتظر الضحايا، وإذا نظر إلى المرايا لم ير إلا وجه أخيه القتيل:
وحتى إن انتظر الشاعر أملاً في قصيدته “أغنية وثورة” إلا أن هذا الحلم يأتي في موجة من الخجل، وربما لا تأتي لأنها في وهم الشاعر اليائس وحده إذ هم من العجزة لا إرادة لهم:
وتكشف قصيدة “وقفة على الطلل الأخير” من عنوانها معنى اليأس القاتل؛ إذ كل شيء ضاع ولم يبق إلا وداع آخر طلل بما للطلل من موروث في الأدب العربي؛ إذ يعني بقايا الدار الخاوية التي هجرها ساكنوها، فإذا حمل الشاعر معه شمعة فإنه لا يرى الأرض إلا رقعة عتمة وخراب، وهنا تتداخل معاني الأمل واليأس حتى أنه يتربص خلف الأمل والوصول للأمل في معادل المحبوب في الصحراء لكنه كمحارب طواحين الهواء لأمل موهوم في نفسه
وهكذا أيضاً تأتي قصيدة “مجنون بلا حظ” ليكثف العنوان الأمل واليأس وقصيدة “غريبان على الباب” التي تكشف عن الحلم الضائع:
فإذا انتقلنا إلى الشاعر الأقصري محمد العارف نجد الظواهر نفسها، لكنه من نمط الشاعر جعفر؛ إذ تتراوح عنده ظواهر الأمل واليأس والانتظار وهو للحلم لدى جعفر أقرب، ومع أن اليأس يصارع الأمل لكن الأمل عنده أوضح من الشاعر الفيومي أحمد حافظ، ولربما مرجع ذلك إلى الظروف الاجتماعية العامة للحياة في مدينة الأقصر والمنيا في مقابل مدينة الفيوم.
وبنظرة مبدئية إلى عناوين قصائد محمد العارف نجد أن معنى الأمل يصارع اليأس والانتظار مثل “الليلة تمطر” مع ما في الليل من انتظار للصباح والحرية، ومع ما في مقدمات هذا الانجلاء من مطر في رمز للخير والنماء فـ
ومع ما يحدث به القمر رمز النور والإشراق والمطر رمز النماء فإن الصبي البريء لا يناله من المطر إلا الوحل ليلعب فيه في إشارة إلى اليأس والخيبة
ويستمر هذا التصارع بين معطيات الأمل والحلم واليأس إلى أن يلتقيا في آخر القصيدة
وكأننا مع لمحات بدر شاكر السياب في قصيدته (مطر)، إذ رغم وجود الخير والسماء تمطر إلا أنه في العراق جَوع ملخصاً لصراع الحياة بين الأقوياء والضعفاء وبين أصحاب الحق والمنتجعين.
ويبدو الحلم واضحاً في عنوان قصيدة محمد العارف “راقصة العرس القروية…” التي يكشف الضمير الغائب في كل القصيدة بعد ذلك عن ضياعها، وأنه يحكي عما كان، فتتداخل دوائر الحلم مع اليأس والحزن فهي:
ويكشف عنوان قصيدة محمد العارف “حاجة بسيطة جداً” الحلم الذي يتوق إليه بالرجوع إلى زمن الحب والأمن والحرية وأغنيات القرية عن العاشقين والعالم الذي يخلو من القتل والتشريد والحروب فيجد محبوبته رمز السعادة والاستقرار بنوم العساكر ويدعوها:
إنه الحلم المنتظر لدى الشاعر الذي يكشف عن الحزن على الواقع المفقود فيه حلمه وهو رغم ذلك ينتظر الفتاة التي تحتسي قلبه وتمنعه من التآكل والسقوط، وهو المعنى المتجسد في عنوان قصيدته “مضطر أن أبقى” حيث يصارع الأمل اليأس حتى يصل إلى نصيحة
غير أن أمله يطغى على يأسه فيقرر الفعل في قصيدته “أنا ذاهب للثورة يا أمي” حيث يدور صراع اليأس والأمل بين رمز الأجيال حتى تقتنع أمه في النهاية: