فى البدء كانت الكلمة ، إذ لم تعد بعدها الكلمة إلا فعلا للتغير ، فالكلمة خلق الكون ، وبالكلمة تغير ، ولا يزال يمارس تغيره وتبدله . ولا يملك الكلمة الفاعلة إلا من ملك الإرادة ، إرادة الحياة ، وإرادة تعى معنى التغير .
ولم يكن الشاعر منذ وجد إلا صورة حية لإرادة الإنسان ، لا يجد إلا الكلمة سبيلا لرسم عالمه واكتشافه وتغييره ، إنه العارف الحقيقى لقيمة الكلمة وأثرها ، خاصة فى خضم وجود غريب تراجعت فيه الروح وانسحبت تاركة المادة لتهيمن على المشهد ، وهنا وعند تلك اللحظة الزمنية الفارقة فى تاريخ تطور القيم والأفكار ، شعر أصحاب الكلمة بإحساس مغاير لإحساسهم من قبل ، فبعدما كانوا هم الفلاسفة والحكماء انحصر دورهم فلم يعد لهم ذلك الدور القيادى المؤثر فى تثوير الجماهير وزلزلة الأرض تحت أقدام الظالمين ، وجد الكثير منهم نفسه عريانا وحيدا مطرودا من جنة الحكام الجدد الذين اختاروا دينا جديدا مؤسساً على النفعية والمادة ، ليقع حينئذ أصحاب الكلمة من قمة وجودهم إلى أودية المهمشين والمحروقين بنيران أطماع المستبدين .
عندها سادت مشاعر الغربة نفوسهم وأكلت الوحدة قلوبهم ، وتسرب إليهم الشك من كل جانب ، فأطاح باليقين من عقول بعضهم ، وزرع فى أرضهم المِلْحة الضياع ، فلم تثمر سوى مزيد من الانسحاق والاغتراب . وأخذت هذه الأحاسيس تتعاظم وتأخذ أشكالا فلسفية تتناغم وقلوبهم المجروحة ، والعجيب أن هذه الموجة لا يزال امتدادها يطال شعراء اليوم ، خاصة الشباب منهم الذين نشأوا أشقياء وشيوخا من أثر التجربة الشعرية ، وهم واعون بما اختارته لهم أقدارهم فأفرغوا أشعارهم إما رصاصا موجعا ، أو دموعا حارقة عبر تشكيل لغوى أسهموا فى تطويره لصالح تجاربهم ، ولم يستعبدهم التشكيل ، ولم توجههم الصورة الشعرية ، وإنما أمسكوا بإحكام هذه التجارب ، وحرصوا على أن تصل رؤاهم ووجهتهم إلى القارىء ، دونما إخلال بدهشة اللغة الشعرية ، واختراع صورهم الخاصة ، ولذلك استحقوا أن يلفتوا إليهم النقاد ، ويوقفوا القارىء أمام تجارب جديرة بالنظر إلي ما تحمله تجاربهم من غصة ومرارة ترسمها اللغة الطازجة وتجسدها الصورة المدهشة .
وأبرز أوجاعهم تلك التى يلمسها أى قارىء حينما يتصفح قصائدهم ، ليجد أن الوحدة والاغتراب النفسى هو أهم ما يجمعهم فى حزمة واحدة ، بعيدا عن غيرهم ، كما أن الشعر عندهم يمثل أنيسهم الوحيد فى حياة موحشة افتقدوا فيها التأقلم مع الأخر ، فلاذوا بأبياته يسكنونها وتسكنهم ، وقد تجلى عندهم الإحساس بالاغتراب فى مشاعر مختلفة تمثل تداعيات لذلك الاغتراب ، كالتشرد والتيه والحزن ، وهم فى خضم ذلك كله ، وفى ذروة شكهم فى كل شىء يبقى الشعر وحده عقيدتهم التى لا تهتز ويقينهم ورهانهم الأول ، ذلك لأن الشعر عالم سحري يغريهم بالسباحة فى أنغامه ، فيمارسون تطهرهم بعيدا عن صخب الحياة وتلوثها .
* * *
– إن الإحساس بالوحدة أعظم تلكم الأحاسيس التى تهيمن على شعرائنا الشباب فى هذا العصر المثقل بالآلام ، فيجد الشاعر نفسه محاطا بالكثير من أسباب الألم النفسى مما يجعله مغترباً فى مكانه ، متقوقعا على ذاته ، لا يأنس لأحد . وتاريخ الشعور بالوحدة لدى أولئك الشعراء تاريخ بعيد يبدأ من يوم ولادته ، فهو منذ هذه اللحظة جاء غريباً وحيداً ، عرياناً قد رمت به الحياة ثم أنكرت وجوده ، لاشئ يؤنس وحدته ، لا نجمة ولا عصفور ، ولعل هذه النشأة الخاصة هى ما جعلت منه شاعراً نبياً عند كبره ، يقول أحمد حافظ فى قصيدته ” سوف أبقى على جبلى ” :
هكذا تمارس أداة النفى ” لا ” دوراً مركزيا فى تكريس معنى الوحدة والغربة لدى شاعر شعر بالغربة والنكران منذ أول لحظة ولادته . كذلك تمارس دلالة ” جبل ” التى ستتكرر كثيراً دوراً آخر موحياً بعزلة الأولمب من جهة والتطلع إلى العالم تحته بعيداً من جهة أخرى . وهو يشعر بقيد ما يزيد من وحدته وألمه ، يقول جعفر حمدى فى قصيدته ” الشعر ميتته الوحيدة ” :
وانظر كيف تلعب ألفاظ بعينها جاءت أخباراً لمبتدأ قد حذف ، إلى جانب كونها أخباراً نكرات دوراً فنياً يعمل على تمديد الدلالات المرجوة والتى يصب جميعها فى وعاء الوحدة والقيد ، ويتزايد أحساسه بالوحدة فى صمت يخيم على المكان ، ينادى أنيسه فلا يجد سوى الصمت بين الشوارع والجدران الباردة ، يقول فى قصيدة ” جدار مفعم بالحب ” :
إن التضاد بين الضحك والأنين يبرز فى تلك الأبيات حجم المفارقة النفسية التى يعيشها شاعرنا وحيداً لا يشعر به حى ولا ميت . أما وحدة أحمد حافظ وعزلته فهى مختارة رغماً عن نفسه ، ينعزل وحيداً وبعيداً عن صخب الحياة والمغفلين ، يتفرج عليهم من عزلته ، مؤكداً على تقوقعه فى ذاته فى صورة لافتة كأى رصيف يؤدى مهامه لا يزعج أحداً ، يختار عالمه بنفسه دونما حرس يتوجه إليه مختاراً ، يقول فى قصيدة ” سوف أبقى على جبلى ” :
هكذا – وبقطع النظر عن التأثر بأحد المذاهب الفلسفية الغربية التى لها رأيها فى علاقة الإله بالناس – نجده قد اختار غربته ووحدته بعدما ظهر له أنه لا يصلح كى يعيش وسط عالم من المغفلين الذين تأكلهم الهزائم ، فالوحدة إذن لدى أولئك الشعراء إما أُجبروا عليها وإما اختاروها بوعى منهم ولأسباب أيقنوا صحتها . كما يكشف لنا أحمد حافظ فى قصيدته ” سيرة عن فتى ما ” عن أثر الوحدة فى نفسه ، إذ أورثته الحزن والذبول ، لا يجد تعبيراً عن مأساته سوى اللواذ بالشعر ينشد فيه مآسيه الكثيرة ، يقول :
وينضم جعفر حمدى إلى زميله فى الوحدة كاشفاً عما آلت إليه حالة الوحدة والعزلة ، حيث أضحو منسيين لا يعبأ بهم أحد ، ولا يخلد أشعارهم أحد ، يقول فى قصيدته ” الشعر ميتته الوحيدة ” :
ويلازم الحزن وحدتهم ، فيختزل الشاعر أحزان العالم كله في نفسه ليصبح غناؤه حزينا من أثر هذه الوحدة القاسية ، يقول حافظ في قصيدته التي تحمل عنوان ” أحزان ” :
لقد اصبحت ضحكاتهم أطلالا بعد اختفائها ، فأقبل الشاعر على ما يغيب عقله عن واقعه المؤلم هربا من وحدته الحزينة ويكشف حافظ في صورة لافته عن مدى إدمانه خمر الغياب حتى إن دمه إذا جرح استحال عناقيد من الكرم ، يقول :
ويؤكد جعفر حمدي على تلك الحالة المؤرقة فقد أرهقه الحنين الى معرفة الحقيقة الغائبة ، فصار كالشمعة تحترق شعرا للآخرين ولا يملك هو سوى التلاشي والضياع، ,وفكرة الذوبان لأجل الآخر فكرة نجدها مضطردة لدى ذلك الجيل من الشعراء المحترقين شعرا ، يقول في قصيدته “احيك من جلد الرصاص حكاية”:
إن تقنية التكرار فى لفظ ” أصغر ” تحاكى حركة ذبول الشمعة البطئ ، ولذا جاءت معبرة بدقة عن ذبول الشاعر ببطء ، الأمر الذى لاحظناه سابقاً وسنلاحظه كثيرا وأعنى به تيمة الذوبان والذهول ، كالشمعة ، وهذا الأسلوب يرسخ فى نفس القارئ مدى ما آلت إليه حالة أولئك الشعراء الشباب من وحدة وغربة وحزن ، وهى لا تتناسب مع جيل الشباب وعنفوان صبوته ونموه ، إلا أننا أمام جيل من شباب الشعراء مرهفى الحس ، رقق الشعر قلوبهم وجعلهم كالعصافير الخائفة الهاربة دوماً . والخوف هو الشعور الغالب والمصاحب لحالتي الوحدة والحزن ، ذلك لأن الشعر المعاصر قد وجد نفسه وحيدا في مجتمع سلطوي لا يمارس فيه الأنسان إنسانيته لذا فيظل الشاعر النبي يحلم بالخير لأمته ويحلم بالحرية ، ويظل يحلم ، ويلوذ بعيني حبيبته وبعواطفه وشعره يتقوقع فيه مضطربا خائفا ، يقول حافظ فى قصيدة ” غريبان على الباب ”