د. هويدا صالح
في المازورة الأولى يبدأ بقصيدة “قدر الحمام” يتجلى فيها “الشرع” كنص غائب يستحضره الشاعر ليقيم تفاعلا نصيا حول رؤية هذا الشرع للعلاقة بين المسلم والمسيحي، المسجد والكنيسة. تساءل الذات الشاعرة هذا الـ “شرع” ورؤيته لتلك العلاقة الشائكة، بما يمثل قلقا وجوديا للذات الشاعرة، بل قلقه الشخصي عن رؤية الشرع لعلاقة الحب التي تجمعه للآخر. إن الذات الشاعرة لا تكتب لنا منشورا أو بيانا سياسيا ضد ممانعات الشرع من تلك العلائق الإنسانية، إنا فقط تتساءل وتساءله، لتقيم جدلا نصوصيا دالا:”
إن الذات الشاعرة توقف حركة الدراما في النص لتتأمل سكون العالم الظاهري وصراعه الكامن في لاوعي الثقافة الشعبية التي يمور داخلها صراع خفي يتسم بالعنصرية والطائفية، وكأن الشاعر يسعى لكشف هذا الصراع الخفي في كادرات بسيطة لكنها قادرة على الكشف (مشهد الحمامة التي تقف على المسجد والكنيسة).
ومن التفاعلات النصية التي يقيمها الشاعر في النص تلك الحوارية أو تعدد الأصوات ـ بتعبير باختين ـ ليكمل مشاهد التساؤلات التي يساءل فيها الشرع، وتلك الحوارية يقيمها الشاعر بين صوت الذات الشاعرة وصوت الحبيبة/ الآخر:” هي قدْ تقول:
وفي نفس القصيدة ثمة نص غائب آخر يتناص معه الشاعر، ويقيم من خلاله جدلا مع نصه الماثل، وذاك النص هو الآيات القرآنية من سورة “طه”:” وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي،اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي “، لكن الشاعر هنا لا يحتاج لهارون ليشدّ أزره، إنما فقط يحتاج للحبيبة، بل لمتاع من أمتعة الحبيبة حتى يتمكن من المقاومة في عصر يحرم حتى السلام على الآخر المختلف:” خذ يا حبيبي طرحتي
كما يحضر نص غائب آخر في الفضاء النصي، وهو نص”الطواف حول الكعبة”، لكن الطواف هنا ستقوم به الحبيبة سعيا للوصول إلى قلب الحبيب:”سأظلُّ في شوقٍ
لم يكن القرآن والشرع الإسلامي هو النص الغائب الوحيد في “المازورة” الأولى، بل كانت المسيحية وطقوسها في خصوصيتها هي أيضا نصوصا غائبة تمّ استحضارها لتقيم تفاعلات نصية في القصيدة:” حبيبتي..
تحضر الثقافة المسيحية بمفرداتها”التعميد والشموع والصلب” ليؤكد الشاعر من خلال هذا النصوص والتداخلات النصية أن الحب غير محرم في الشريعتين اللتين ينتمي إليهما الوطن.
لكن في نهاية النص تكفر الذات الشاعرة بالقضية وتتراجع عن التماس الرحمة داخل الأيديولوجيا الدينية، وتؤكد أن الحب والسماحة قيمتان مرفوضتان من قبل تلك الأيديولوجية:” وأنا أقولْ:
في المازورة الثانية، ومن خلال قصيدة”قد نجت” تنتقل الذات الشاعرة خطوة جديدة في وعيها بالعالم ووعيها بذاتها، فبعد أن أعلن كفره بإمكانية التواصل الإنساني تحت مظلة الأديان وخطاباتها قرر أن يذهب بعيدا بفكره، يبحث عن الله بعيدا عن خطاباتهم، فهل يستحضر هنا نص”موسى” وهو يصعد أعلى الجبل باحثا عن الله؟ّ!:”
يستمر الشاعر في سرد الحكاية في كادرات متوالية، كل كادر يحكي جانبا من الحكاية..يقسم القصيدة سبع مقاطع، بما للرقم سبعة من دلالات رمزية وحمولات أسطورية، حتى يصل إلى المقطع السابع والأخير، لنكتشف أن النهاية كانت محتومة، فهذه العلاقة التي لم تستطع الحمائم أن تباركها، كما لم تستطع الحمائم أن تحط على مئذنة المسجد ولا قبة الكنيسة كانت تسير في طريق الفراق/ الموت:” 7
في “المازورة ” الثالثة(بسمة من ضلع الألم) يحضر الخطاب الموسيقي بمفرداته ولغته، ليس فقط في تسمية القصيدة بـ المازورة” إنما لغة الموسيقى حاضرة بقوة، حتى أنها تؤثر على إيقاع القصيدة اللاهث وهو يحكي قصة العشق بين الذات الشاعرة(الأنا) والآخر:”
يتكرر خطاب الموسيقى في النصوص كثيرا، حتى نصل إلى القصيدة التي منحت الديوان اسمه، والتي تعتبر عتية نصية لها جدلها الخاص في النصوص، وهي”كلارنيت” فنجد الشاعر يتناص مع عوالم الموسيقى بكثرة فيها، فنراه في سردية من سرديات القصيدة يتناص مع مقام”الصبا” باعتباره أحد أشهر مقامات الموسيقى العربية حضورا، حيث يقول:”
في “المازورة” الرابعة (برئ أنا) يعاود النص الإنجيلي الحضور، فسردية المسيح التي كانت نصا غائبا في القصيدة الأولى تعاود الحضور مرة ثانية في هذه القصيدة(برئ أنا) حيث تكمن سردية الصلب والمسامير وتاج الشوك في تلافيف النص وخباياه، ليستحضرها القارئ وهو يقرأ:”
إن الذات الشاعرة في هذا النص تتماهى في صورة المسيح المصلوب، فيصير عذابها، ليس فقط لفقد الوصل مع الحبيب إنما هو قلق وجودي ينتاب الذات من بداية الديوان ولا يفلتها، ويتجلى في التفاصيل الكثيرة التي تعبر عن المواجع والآلام.