الحزن النبيل خطوة على طريق المستحيل.. دراسة في ديوان قادم من أقاصي الحنين

اسمحوا لي أن أبدأ هذا الديوان هو الآخر من صفحة إهدائه الكاشفة: [إلى: رُوح أبي؛ أُمِّي؛ إخوتي قمري في الليالي المعتمة؛ حبيبتي صاحبة المجد الأبدي؛ أصدقائي مفتاح الحياة.

تَعَبٌ كُلُّهَا الحَياةُ فَمَا أَعْجَبُ

إلّا مِنْ رَاغِبٍ في ازْدِيَادِ].

بهذا المدخل نستطيع أن نتصور أفق الشعرية أو قل محددها الأعم ألا وهو هذا العناء الأبدي الذي تحمله بعض النفوس، لتسير به ألما موجعا لكنها بنبل لا تحمل للدنيا إلا البسمة المبتغاة لكل المتعبين في الدروب العصية على نحو ما سنقرأ في إحدى قصائد الديوان، نقول بهذا المدخل والعنوان: (قَادِمٌ مِنْ أَقَاصي الحَنين)،  فالذات الشاعرة في الديوان ذات قادمة من أقصى الجنوب الجنوب بما يحمله من دلالات سيميولوجية عبر رحلة القصائد في الديوان بحيث يكتنز اللفظ (الجنوب) كل مساحات الألم في الديوان يقول شاعرنا في سرده المقصود حول الذات الشاعرة من قصيدة: “مهيأ لأغني

نَجْلِسُ في ليلِنا ولا سَمَرُ

سَمَاؤنَا

لا يَعْتَادُهَا قَمَرُ

ونَّاسُنَا -في لِبَاسِنَا- سَهَرٌ

صَدِيقُنَا -في مَعَاشِنَا- سَفَرُ

قُلُوبُنَا

ذِكْرَيَاتُهَا اشْتَعَلَتْ

وحَظُّنَا في أرْوَاحِنَا ضَجَرُ

نُؤَمِّنُ النُّورَ في مَلامِحِنَا

وأَمْنُنَا في أَحْدَاقِنا خَطَرُ

تَخَالُنا

ضاحكينَ في أَمَلٍ

لكنّنا -لو أَمْعَنْتَ- نَحْتَضِرُ

لوْ جَنَّةٌ

صَادَفَتْ مَسِيرَتَنَا

نيرَانُنَا لا تُبْقِي ولا تَذَرُ

لوْ شُفْتَنَا،

في تَكْوينِنَا عَجَبٌ

كَأنَّنَا لا جِنٌّ ولا بَشَرُ

يزورُنَا مَوْتُنَا فَنَسْأَلُهُ:

هَلْ رَقَّ

مَنْ في شَرْيَانِنَا عَبَروا؟

لمْ يَعْرفوا بالذي نُكَابِدُهُ

كَيْفَ احْتَمَلْنا؟

وكيْفَ ما شَعُروا؟

فهذه الذات التي حملت رسالتها رسالة الشعر كما يحمل الرسل والأنبياء رسالاتهم للناس من حولهم، وارتباطهم بالناس زمانا ومكانا يحملهم من المعاناة ما لا تطيقه الجبال معاناة فيها هذا الحزن أو الحنين الذي قد يختلط بالعديد معنى وإشارة على الفقد الذي تحمله مقومات المكان والزمان هناك في الجنوب على نحو ما تكشف كلماته في قصيدة:”مخطوطةٌ قديمةٌ في جيبِ الغريب“، يقول شاعرنا:

وأنا وُلِدتُ كأيِّ طفلٍ في الجنوبِ

أبي تَمَنَّى

فالتَقاني كالربيعِ على يديهِ

وأنْجَبَتْ أمِّي غريبًا للحياةِ

الشمْسُ قدْ ألْقَتْ على جَسَدي

حرارَتَها فشَكَّلَتِ الملامِحَ

فالشمس هنا معادل لكل أنواع الهموم التي تحملها الذات الشاعرة وهي الملامح ذاتها التي شكلت ملامح وجدانه فكيف والشعر أخص ملامح الشعرية على نحو ما تفهمه الذات الشاعرة هنا. يقول شاعرنا في قصيدته:”صعود إلى هاوية

خَرَجْتُ إلى عالَمٍ لا يُضيءُ سِوَى بالنزيفِ

خَرَجتُ ومِنْ ها هنا تَبْدَأُ المـَعْرَكَةْ…

على هذه الأرْضِ

مِنْ قريةٍ في أقاصي الجنوبِ خرَجْتُ

كما يَخْرجُ الأنبياءُ

الرسالةُ فيضٌ مِن الكَشْفِ عن حكمةِ الطينِ

كَفٌّ عليها مِن الحُبِّ

ما ينبَغي لانتهاءِ الحروبْ…

أنا ابنُ الجنوبْ…

من هنا يصبح الحزن علامة على هذه الذات على نحو تعريف الذات الشاعرة لذاتها قائلة في قصيدة (في غرة البوح):

أنا الذي

يُبْعِدُ الأحْزانَ

في أَمَلٍ

ومُرْغَمًا

تَسْكُنُ الأحْزانُ

أفْرَاحي

أتيتُ

مِنْ رَحِـمِ الأحـزانِ

مُتَّكئًا

على غنائي

وهذا البَوْحُ مفتاحي

لكن هل هذا الذات لا تنهزم أبدا أمام هذه المشكلات بفعل الطابع الرسالي الذي تفهم من خلاله الشعر والشاعر ودورهما في الحياة، من هنا يأتي الحزن حزنا رومانتيكيا يتغيا الوصول إلى مساحات الخضار الممكنة والتغيير إلى الوعد الهانئ على نحو ما يكشف قوله:

سنرجعُ

يرمحُ فينا

الجنوبُ البياضُ

الذي لانراه بخيلا

ونُخرجُ

مِن جعبةِ القلبِ

شمسًا

وموَّالَ عشقٍ

ودمعًا نبيلا

ونُلقي

على كل مترٍ

خَضَارًا

ولو نتنفَّسُ نُخرِجُ نيلا

نُردِّدُ

(نحنُ نحبُّ الحياةَ

إذا ما استطعنا

إليها سبيلا)

 

فالجنوب ليس هذا الأسود المحبط، لكنه البياض المحمل بالأمل والشمس والحياة الكاملة الذي لن يبخل بالوعد الهانئ، وهذه الذات تندمج بحلمها، حلمها الذي يلازمها لزوما أبديا كما تقول في قصيدة: “بوح الغرباء”:

تَجَرَّدْتُ مِنْ حُلْمي وَقَلْبي عَلَى الذي

تَجَرَّدَ لايَلْقَى سُرُورًا ولا غَمَّا

فَآهٍ عَلَى الأَحْلامِ مِنْ غَيْرِ حَالِمٍ

وآهٍ عَلَى الإنْسَانِ لَوْ فَارَقَ الحُلْمَا

حتى تصير عنوانا على مجموع الناس المتألمين من حولها في الجنوب، وهو ما يمكن أن نقرأ تحول الضمير في قصيدة:”مهيأ لأغني” فالقصيدة أو الذات لشاعرة تنطلق في التعبير عن نفسها بدال المجموع أو قل من خلال وجودها بين المجموع على نحو ما رأينا في الأبيات السابقة منها، لكن النصف الثاني من القصيدة نفاجأ في تحول الخطاب إلى ضمير المتكلم الفرد فيقول الشاعر:

أنَا الذي لوْ رَمَوا

هَزَائِمَهُمْ في كَأسِهِ

لا يَقُولُ: ما الخَبَرُ؟

أحْمِلُهَا والفُؤادُ مُبْتَسِمٌ

وفي فَمِي

إنْ سَكَبْتُها انْتَصِروا

عَرَّابُهُمْ

لوْ تَاهَتْ مَقَاصِدُهُمْ

كأنَّني فِي عيونِهِمْ بَصَرُ

تَرَاهُمُ كالجَليدِ

لي شَرَرٌ

قلوبُهُم

لو رَأتْ سَتنْصَهرُ

لكنَّهمْ عُمْيٌ عنْ مُشَاهَدَتي

هَلْ يُدْرِكُ الرُّوحَ مرَّةً نَظَرُ؟

مُنْتَظِرٌ

وَحْدِي صَوْبَ قِبْلَتِهِمْ

مُنْتَظِرٌ -لوْ عُمْرَينِ- مُنْتَظِرُ

أسْلَمَني الـمُنْتَهى لمـُبْتَدَأٍ

وَهَا أَنَا في الحالينِ أَنْكَسِرُ

وَهَا أَنَا صابرٌ على كَمدي

يفوتُني عامدًا غدي العَطِرُ

أنا

لأحْزَانِ الأرْضِ قِبْلَتُهَا

أنا

لتَاريخِ الحزْنِ مُخْتَصَرُ

أنَا

الذي في دِمَائِهِ وَجَعٌ

يَذُوبُ

لوْ كانَ في دَمِي حَجَرُ

ولك أن تلاحظ معي تكرار الضمير أنا بين مقاطع القصيدة فالأنا هنا محملة بنجاة المجموع أوق تحمل عبء المجموع، فهو الذي يحمل هزائمهم ضاحكا ليحولها إلى انتصارات، وهو بصرهم الراشد إن ضلت بهم السبل إلى آخر هذه الأحزان التى لو صادفت صخرا لأذابته، لكن الشاعر يتحمل كل هذا صابرا:

وَحْدِي صَوْبَ قِبْلَتِهِمْ

مُنْتَظِرٌ -لوْ عُمْرَينِ- مُنْتَظِرُ

أسْلَمَني الـمُنْتَهى لمـُبْتَدَأٍ

وَهَا أَنَا في الحالينِ أَنْكَسِرُ

وَهَا أَنَا صابرٌ على كَمدي

يفوتُني عامدًا غدي العَطِرُ

أنا

لأحْزَانِ الأرْضِ قِبْلَتُهَا

أنا

لتَاريخِ الحزْنِ مُخْتَصَرُ

أنَا

الذي في دِمَائِهِ وَجَعٌ

يَذُوبُ

لوْ كانَ في دَمِي حَجَرُ

ويظل هذا الوعي هو ضابط أو موجه الشعرية في الديوان بل قل إنه ينطلق من مساحة الوعي الشاعر نفسها ففي قصيدة: “بوح الغرباء” يقول الشاعر:

أَرَاني أَصُبُّ النُّوْرَ في كَاسِ مَنْ دَنَا

وَأَحْمِلُ روحي وَرْدَةً للذي شَمَّا

أَرَى هَؤلاءِ النَّاسَ لَوْ شَمْسُهُمْ دَنَتْ

أُشَكِّلُ روحي _كَي أُظَلِّلَهُمْ _ غَيْمَا

غَريبٌ يَزورُ النَّاسَ في عِزِّ حُزْنِهِ

ويَسْقيهُمُ شَهْدًا فيَسْقونَهُ سُمَّا

وفي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ يُطَيِّرُ وَرْدَهُ

ولا طَيَّروا وَرْدًا بسكَّتِهِ يَوْمَا

تَعَزَّى بأَحْزانِ الغريبينَ لَوْ دَنَوا

يَقُولُ : تَعَالَوا،كَي يَضُمَّهُمُ ضَمَّا

ويَهْمسُ في آذانِهِمْ : صَارَ حُزْنُنَا

أَبًا والمَشَاويرُ _ التي أَرْهَقَتْ _ أُمَّا

شَدَدَتُ رِحَالي لِلذي شَدَّ خُطْوَتي

تَرَكْتُ الذي أَدْنَى لِأَجْلِ الذي أَسْمَى

فالأدنى المتروك هو هذه الفردية والأنانية، والأسمى هو هذا الحلم النبيل أو الحنين النبيل للذي هو خير للمجموع من حوله هذا المجموع الذي توزعته “أنشودة للموتى” القصيدة التي تتغنى بها الذات الشاعرة غناء (على عتبات الغياب) رافضة لحظة اليأس من غد سيجئ بالرغم من الموت الذي يظلل الحياة من حولها:

مَتى سَتموتُ؟

يقولُ ليَ الموتُ.

قلتُ: سأحيا ليومٍ

فَغَنِّ لكلِّ الذين الْتقوْكَ مُحبِّينَ لَكْ…

فالذات الشاعرة تطلب من الموت أن يغني لهذا المجموع من حوله إيمانا بقضاياهم العادلة وهم:

  • الثائر النبيل

لِمَنْ ثارَ

هذا الذي يَحْمِلُ

الشمسَ فوقَ ذراعيْهِ للناسِ

كانَ يُحِبُّ الحياةَ/ يُرَبِّي الموَاعيدَ/ يجْذبُ صُبْحًا

جديدًا لهذا الظلامِ الطويلِ

فَقَرَّرَ

ألّا يخافَكَ -كنْتَ المخيفَ لكلِّ جبانٍ- فَظَلَّ يُنادي:

بلادي

بلادي

وكانَ الصدى أنتَ

أجْبَرَهُ الجُنْدُ أَنْ يَقْبَلَكْ…

للشهيد

لهذا الشهيدِ

الذي دَرَّبَتْهُ البلادُ لكي يلتقيكَ

قويًّا فداءً لأرْضٍ وعِرْضٍ فناديْتَهُ

قال: هذا أنا… هَيْتَ لَكْ…

  • للطفل،

    الذي أصبح يتهدد مستقبله الخراب والدمار في أرجاء الأرض

لطِفْلٍ

على كَفِّهِ بَسْمَةٌ مِنْ غَدٍ سوفَ يأتي

ولنْ يأتيَ الغَدُ

قدْ مَزَّقَتْهُ الصَّوَارِيخُ

واسْتَدْرَجَتْ خَطْوَهُ الطَّائِرَاتُ

ونامَ الصغيرُ… ونامْ…

  • ولكل ضحايا الحروب الظالمة

لكلِّ الذي يلتقيكَ

وفي كَفِّهِ غصنُ زيتونَةٍ

فوقَ أكْتَافِهِ حَطَّ هذا الحَمَامْ…

لكلِّ الضحايا بكُلِّ الحروبِ

الذين الْتَقَوْكَ مُصادَفَةً في الظلامْ…

  • للعمال الكادحين

لعُمَّالِ تلك الـمَناجِمِ

لمْ يَدْرسوا الجِيُولوجيا وأعْجَبَهمْ

ذلكَ الحفْرُ والنَّقْبُ في الساعةِ القاتِلَةْ…

لضحيا العبث والإهمال

لِمَنْ نامَ في مِقْعَدٍ قبلَ أنْ تَسْقطَ الحافِلَةْ…

  • لضحيا الجهل والتخلف، وكل معادلات الظلم الاجتماعي

لِمَنْ أُخِذَ الثأرُ مِنْهُ

ولمْ يرْتَكِبْ أيَّ ذنْبٍ سوى اسْمٍ

لآخِرِهِ تنْتمي العائلَةْ…

  • لمجموع البسطاء، الذين لا يملكون حيلة في الحياة ولا يطلبون غير العيش الكفاف ولا يعرفون من الحياة الرفاهية وما فوق الحاجة

لكُلِّ الذين

ينامونَ فوقَ أَكُفِّ الشتاءِ عرايا

ولمْ يعرفوا أيَّ شيءٍ

عن الحرْبِ أو عنْ رئيسٍ سيسقطُ

أو عنْ حكومَاتِهِمْ لو سترْحَلُ أو عن غلاءٍ وداءْ..

لكلِّ الذين

رأوا أنَّ أحلامَهَمْ ليسَ تَحْمِلُها غيرُ كَفِّ السمَاءْ…

بهذه الآلام والآمال تحيا الذات الشاعرة تفهم دورها ودور الشعر في حمل هذا العبء الرهيب، يقول شاعرنا مغلقا دائرة المعنى بأن الشعر هو الوسيلة الأولى والأخيرة في مواجهة كل أشكال الظلم والعسف وعلامتها جميعا الموت، فمواجهة الموت بالقصيدة مواجهة لكل ذلك:

متى ستموتُ؟

يقولُ ليَ الموتُ. قلتُ:

بحرفٍ وذكرى يعيشُ الذي ماتَ مِنًّا

فيا موتُ،

دَعْني لأُكْمِلَ هذي القصيدَةْ…

فلكل هؤلاء المتعبين  تغني الذات الشاعرة في الديوان على نحو ما يتضح أيضا في قصيدته التي جاءت عنوانا بذلتها على تجربة الديوان كليا نقصد قصيدة “قادمٌ مِنْ أقاصي الحنين (أغنيةٌ ومنْفَى)“:

يُغَنِّي

لكلِّ المـُتْعبين أنينَهُ

ويشْرَحُ

ماعانى شروحًا مُفَصَّلَةْ

والقصيدة بوجه عام تتحرك في الأفق نفسه أفق أحلام هؤلاء المتعبين وما الشاعر غير نساج يحاول أن ينسج من ألامه حلما وأملا في الخلاص لهؤلاء جميعا، على نحو ما يقول في القصيدة نفسها:

ثلاثون إزميلًا

وجُرْحٌ

وزَلْزَلَةْ

وثوبُ انْكساراتٍ

خُلِقْتُ لأغْزلَهْ

ولن يغزل الشاعر غير أحلامه وأحلام المجموع من حوله:

وكيف له

أنْ يطْمَئنَّ لحُلْمِهِ؟

فَهل يُمهِلُ

الأحلامَ دَهْرًا لتهْمِلَهْ ؟

ويضْبِطُ موسيقا خُطاهُ لَعلَّهُ

يُقَلِّدُ موسيقا خطاها المـُدلَّلَةْ

وعلى هذا النحو نفسه يجئ قوله من قصيدة “بكائية الطين”:

هُنا؛

عِند مَطلعِ فجْرٍ جديدٍ

وصمتِ النخيلِ ودفءِ البيوتْ

هُنا؛

عِنْدما يطرحُ القمحُ فجرًا

ونغرسُ شِعرًا فنحصدُ شمسًا ونملأُ بالأغنياتِ السكوتْ

 

وأختم هذه الوقفة السريعة بالتعريج على ملمح ذكي في مغامرة الشاعر في قصيدة “صعود إلى هاوية” فمن مفارقة العنوان نتصور تزامن الصعود والهبوط، هذا التزامن الذي يجلى وجها من وجوه الشعرية في الديوان حيث الصعود بأحلام الذات منفردة ومجموعة مع غيرها، وفي الوقت نفسه هذا الصعود هبوط، هبوط في عمق المأساة التي تعانيها هذه الذات الشاعرة المفردة مع المجموع من حولها، ولعل الغرام بالموسيقى والجناسات المنضبطة صعودا إلى أفق الفن الممتع داخل معمار القصيدة، ذلك الذي يُستهدَفُ لذاته في أكثر من مساحة من مساحات القصيدة لكن ما أن تستقر الأمور فنجد الشعر والشاعر مرغمين بالفعل على الهبوط في عمق المأساة ولبيان ذلك لنقرأ مبتدأ القصيدة قبل خبرها، يقول الشاعر:

كأنَّهُ الوَحْـيُ حـالي حَــالَ إذْ حَلَّا

قدْ مَلَّ ما مِلْتُ مالَ القلْبُ ما مَلَّا

قدْ كَالَ كَيْلًا فَكَلَّتْ خُطْوتي وَكَلَتْ

كلَّ الذي أَكْلأَ القَلْـبَ الــذي كَلَّا

قد سَالَ ما سَالَ مِنْ دَمْعٍ إذا سَأَلوا

هلْ تُبْتَ بعْدَ الذي عَانَيتَهُ؟ كَلَّا!

كأنني قَلْعَةٌ والجيشُ يقصدُها

فحاصروني وجيشي حينها وَلَّى

فهذا هو المبتدأ وحي يحل فتستحلى الذات الشاعرة حلوله، فيكيل منه كيلا يرهق القلب لكنه لايكل ولا يمل، كما قال في قصيدة “بكائية الطين”:

يطاولُ نجمَ الأفْقِ

ما ملَّ سَعْيَهُ

ويعلو

إلى أن يلتقي

خطْوَهُ الخفْضُ

والدليل مجئ الخبر خبر القصيدة بعد العروج يكون الهبوط، الهبوط إلى عمق الذات/ مرآة المجموع، الذين استقرت بهم الحياة فوق الدموع والمعاناة، يقول الشاعر:

هُناكَ

عَلَى بُعْدِ حُزْنٍ ونصفِ حياةٍ وُلِدتُ

وعِشْتُ كَمَنْ عاشَ

مِن هؤلاءِ الذين اسْتَقَرَّتْ

بهم هذه الأرْضُ فوقَ الدموعِ ورغم المعاناةِ

لا ينْزفونَ يَزفّون أحْلامَهمْ للحياةِ

يُرَبّون آمالَهم ليسَ أكثَر

يَرْوُونَ أحزانَهم للسواقيَ وقْتَ الغروبْ…

لكنها أي هذه المعاناة، معاناة غريبة حيث يتزامن كما قلنا سابقا العروج والهبوط/ والهبوط والعروح، في لحظات متداخلة متشابكة لعلها هي أس هذا الحنين القادم من أقصى الجنوب، يقول الشاعر:

هُناكَ -ولا صدقَ إلَّا هُناكَ-

يُغَطِّي الحنينُ البلادَ

وتَخْضَرُّ أنفَاسُنا

والمزاميرُ تشْدو

تَرنُّ الأغاني ويكْسو البياضُ القلوبْ….

وسوف يتكرر الأمر مرة أخرى وعلى نحو أكثر مغامرة

وأُمِّي هُناكَ

لها السيرُ والسرُّ/ سدرةُ هذا الغناءِ/ الشقاءُ الذي

وَرَّثَ الأهلُ/ هذا اللواءُ/ السَّماءُ بما ليس أعرفُ

وَهْيَ الأميرةُ/ كلُّ المسيرةِ أخطفُ كلَّ النجومِ

وأفْرشُها تحتَ أقدَامِهَا في الدروبْ…

هُناكَ

عَرَفْتُ الحبيبةَ يا أصدقائي

دعوني أُحدِّثُكم عن هَوَايَ

عَلى وَقْعِ أقدامِهَا اضطرَبَتْ وَردةٌ ثمَّ فاحَتْ…

وروحي استَرَاحتْ، وراحتْ، ومِتُّ، وهذي الكمنجاتُ ناحتْ..

حييتُ/ قَعَدتُ/ وقمْتُ/ وسرْتُ/ وَقَفْتُ/ نَظَرْتُ/ بَحَثتُ

مَسَكْتُ/ تَرَكْتُ/ ونُحْتُ/ سكتُّ/ ضَحِكْتُ/ حَضَرْتُ

وغبْتُ/ شَرَدتُ/ سَكِرْتُ/ أَفَقْتُ/ونِمْتُ

صَحَوْتُ، وصِحْتُ، فَصَاحتْ…

وتَخْجَلُ شَمْسٌ

ويأفلُ بَدْرٌ إذا كَشَفَتْ حَجْبَها ثُمَّ لاحتْ…

عناوين القصائد

بَوْحُ الغُرَباء

مُهَيَّأٌ لأُغني

بَوْحُ الغُرباء

أنشودةٌ للموتى (على عَتَبَاتِ الغيابِ)

في غُرَّةِ البوح

هناك الجنوب

قادمٌ مِنْ أقاصي الحنين

أغنيةٌ ومنْفَى

صعودٌ إلى هاويةٍ

تأويلٌ لِما حَدَث

قادمٌ مِنْ أقاصي الحنين

الـمُتعَبون

مَشْهدٌ آخرُ مِنْ حياةٍ أُخْرى

على نَصْلٍ مِن الحزن

مخطوطةٌ قديمةٌ في جيبِ الغريب

مَشْهَدٌآخرُمِنْ حياةٍ أخرى

على بُعْدِ دمعتين

أورادٌ من حضرةٍ بيني وبيني

مِنْ أورادِ العاشق

تخميسٌ أول

تخميس ثان

بُكائيَّةُ الطِّين

عَلَى جَسَدي سَتَركضُ الثورة

نشيدٌ أخيرٌ في حضرةِ الحُبِّ

على قمّةِ الرُّوح … أنا والبحر

لا لم أصلْ بعدُ

ترنيمةُ المـُريد

وَكَمْ سَلَفَـتْ يا عُمْـرُ أعْيَادُ

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img