الشعر واللعبة السحرية (2)

فتحي عبد السميع

1ـ القصيدة والعرش السحري

قراءة في ديوان “على حافة النهر” للشاعر أحمد الجميلي

تظهر الصورة السحرية  للحبل الذي يتحول إلى ثعبان في الكثير من النصوص الشعرية، وقد توجد تلك الصورة بشكل يدركه أو لا يدركه المتلقي أو  الشاعر، لأنها تعيش ذائبةٌ  في تصوراتنا عن الشعر، و تعبر عن نفسها من خلال رموز،  فلا تظهر بنفس الهيئة، أو بنفس المفردات، بل تحل محلها كلمات أخرى، وهكذا  يغيب الحبل والثعبان لتظهر عناصر أخرى وهي تغادر موقعها الطبيعي الجامد إلى موقع استثنائي متحرك، هكذا يغيب الشكل ويبقى الجوهر الرمزي للصورة.

يسعى الساحر إلى السيطرة على العالم، وتحويله بشكل خارق ليحقق رغباته، ويزدهر النشاط السحري مع المعاناة الإنسانية، فكلما زادت تلك المعاناة، وابتعدت الحلول العلمية، يظهر السحر كملاذ للفكاك من المعاناة، أو أداة للتحكم في الواقع، وتوظيفه لرغبات الذات الإنسانية.

بنفس الأسلوب يقف الشاعر في القصيدة كي يسيطر على عالمها ويغير الأوضاع الإنسانية داخلها، وإذا كانت تلك السيطرة لا تتجاوز حدود القصيدة، إلا أنها تحمل تلك الرغبة السحرية في تطابق العالم الخارجي مع عالم القصيدة.

في ديوانه (على حافة النهر) يظهر ميل الشاعر أحمد الجميلي إلى البعد عن الدلالات والصور الشائعة، والعمل على المزج بين عالمين مختلفين، هما عالم النهر والبئر، فيظهر الأول بشكل مباشر، ويظهر الآخر من خلال كلمة “الحافة” التي تحل محل كلمة “الضفة” ليتحول النهر إلى بئر، ويتوقف المتلقي قدر ما يستطيع كي يتأمل مغزى تحول النهر إلى بئر، أو ذلك الشكل الغريب الذي تمتزج فيه صورة النهر مع صورة البئر.

بعد عنوان الديوان يصدِّر لنا  الشاعرُ واجهةً، عبارة عن قصيدة بلا عنوان خاص، وهي تكفي للوقوف على مدى تمتع الشاعر بقدرات فنية متميزة، وسوف نتوقف معها وقفتين متداخلتين، حيث نسعى في الأولى إلى كشف الحضور الخفي لرمزية الحبل والثعبان واللعبة السحرية التي تجمعهما، وفي الوقفة الأخرى سوف نتوقف أمام تجليات الشعري والنثري في القصيدة، وسوف أضع النص هنا ، لكنني من أجل  التوضيح سوف  أحوله إلى مقاطع منفصلة، وأضع لكل مقطع رقْما وعنوانا، وعملية فصْل المقاطع لا تعبر عني وحدي، لأن الشاعر يفصل بين تلك المقاطع بمسافات أو فراغات، وهو يحرضنا بذلك لملء تلك الفراغات، أو التوقف عندها.

{1}

لفاتحةٍ في شفاهِ المُغنِّي

وخاتمةٍ في الصدى طافيةْ

تظهر لعبة الحياة والموت من خلال  الفاتحة والخاتمة، ومن خلال الشفاه التي تتحرك الآن، والصدى الذي يعبر عن أثر أو ظل الشفاه، وفي الشطر الثاني يكشف الشاعر عن إمكانياته في صنع الصورة الشعرية، عن طريق نقل مشهد واقعي مع إجراء بعض التحويرات عليه بالحذف والإضافة.

المشهد الذي يختاره الشاعر  يذكرنا بعنوان الديوان،  وهو يحيلنا إلى الماء من خلال فعل “يطفو”، ونحن لا نعرف هل كتب الشاعر ذلك النص قبل اختيار عنوان الديوان أم بعده، ولا تهمنا الإجابة، المهم هو عثورنا على ما يربط بين العنوان والمتن، وهذا أمر إيجابي، خاصة وأن هذا الربط جاء بشكل موارب جدا، أو بشكل خافت.

الصورة الواقعية التي اختارها الشاعر من البيئة النهرية هي صورة (سمكة طافية فوق الماء) أو أيِّ شيءٍ يمكن أن يطفو فوق الماء، ونحن لا نستطيع التحديد بشكل حاسم، لأن الشاعر قام بالتعديل في الصورة، بحيث تتوافق مع واقعه النفسي، أو عالمه الداخلي.

وهكذا يحذف السمكة ويضع مكانها الخاتمة، ويحذف النهر ويضع مكانه الصدى، ومع ذلك يبقى الماء بشكل غير مباشر  في كلمة “طافية”. ومن خلال تلك العملية يكبر الشطر الشعري، وتصبح دلاته أكبر من حجمه، لأنها تفتح الباب كي نتأمل العلاقات التي تجمع بين  الخاتمة والصدى والماء والمغني، والنهر الذي تحول إلى بئر، ولو كتبنا حصيلة ذلك التأمل لتجاوز الأسطر والصفحات، وفي هذا شيء من السحر، لأنه يصطاد أشياء كثيرة ويضعها في حيز ضيق جدا.

{2}

لبحَّارةٍ في مهبِّ الضياعِ

ومركبةٍ في الردى غافيةْ

ينقلنا المقطع الثاني إلى صورتين الأولى لـ “بحارة في مهب الضياع” وتُستخدم كلمة “مهب” عادة  مع الرياح ، وشيوع ذلك الاستخدام  يجعلها نثرية، ولهذا قام الشاعر بحذف الرياح، ووضع كلمة الضياع، لكن المعنى لم يذهب بعيدا، وتبدو كلمة الرياح أفضل، ولهذا لم تشكل تلك الإضافة لمسة ساحرة.

لقد أخذنا الفعل “يطفو” إلى ماء نسبناه إلى النهر تأثرا بعنوان الديوان، لكن البحارة يأخذوننا إلى البحر، لأن القصيدة تعبر عن حالات وبيئات مختلفة، لكنها تتوحد في رمزية واحدة، هي رمزية المعاناة الإنسانية بأشكالها المختلفة.

تتكرر هنا نفس اللعبة، لعبة تغيير الصورة الواقعية الفوتوغرافية، عبر آليتي الحذف والإضافة، “سمكة فوق الماء طافية”، تحولت إلى “خاتمة في الصدى طافية”، ثم تحولت إلى “مركبة في الردى غافية”

وهنا تغيب المفاجأة، وتظهر شُبْهة الرصف، الأمر الذي يؤدي إلى التقليل من حجم الصورة، ويقربنا خطوة من النثر، وهذا يعني أن الصورة لا تكسب قيمتها من وجودها المفرد وحده، بل من السياق، وتكرار الصورة إن لم يكن محسوبا بعناية يفقدها قدرتها على إثارة الدهشة، ويجردها من  هالتها السحرية،  ومجرد ترتيب وجودها داخل النص، يمكن أن يلعب دورا إيجابيا أو سلبيا من حيث علاقتها بالشعري والنثري.

{3}

لمن ضاقتِ الأرضُ

حتى تشظّوا،

فلم تبقَ أوطانهم كافيةْ.

يدور البيت حول الغرباء في أوطانهم، وتظهر ثلاث حالات مختلفة، تتفاوت فيها مكانة اللمسة السحرية، ويظهر النثر وهو يتحول إلى شعر، كما يظهر الشعر وهو يفقد هالته ويتحول إلى نثر.

“ضاقت الأرض” جملة مجازية فقدت بريقها، واستقرت في خانة النثر، لأن الحديث عن الأرض الضيقة كناية عن الظروف الصعبة قديمٌ جدا، لا جديد ولا إبداع فيه، وصار يخاطب العقل وحده لينقل معلومة لا حالة تثير مشاعرنا، ولهذا صارت الجملة ميتة، أي فقدت توهجها الشعري وصارت نثرية أو عادية لا تثير الدهشة.

رغم  اقتناعنا بصحة هذا الحكم ينبغي أن يظل مؤجلا، لأن الجملة جزء من سياق، وعلينا أن ننتظر حتى ينتهي السياق، فقد يؤكد موتها، وقد تتعرض للمسة سحرية، تحررها من جمودها، وتبعثها حية تسعى، وهذا  ما حدث.

بكلمة واحدة ينجح الشاعر في تحويل فكرة الأرض الضيقة إلى صورة  تثير الخيال، وتجعلنا نتوقف أمام المعنى مرة أخرى بعد إهمالنا له بسبب شيوعه وتكراره، وتلك اللمسة تحققت من خلال اختيار كلمة واحدة وهي كلمة “تشظوا”.

لقد تغيرت صورة الأرض الضيقة وتحولت إلى شيء حسي، وكأننا أمام علبة مضغوطة تنفجر، ويتحول  ما بداخلها إلى شظايا، لم نعد أمام فكرة مجردة  عن صعوبة الظروف، وصرنا أمام حالة تجعلنا نسرح بخيالنا في الصورة، ونشترك في صنع دلالاتها، أو الانتقال منها إلى صور أخرى.

لقد تخيلتها أنا في صورة علبة تنفجر و يتشظى ما بداخلها نتيجة الضغط الشديد، ويمكن أن يتخيلها قارئ آخر في صورة أخرى، وهكذا يصبح المعنى واسعا، وذلك الاتساع لا يمتع عقلنا من خلال الفكرة، بل يمتع أحاسيسنا ومشاعرنا وكياننا كله، لأنه يضعنا في حالة جمالية ولا يقدم لنا فكرة،  وهكذا تكشف الصورة عن مهارة الشاعر،  وذكائه وخياله ومشاعره، وتلك المهارة الفائقة لم تكن بحاجة إلا لكلمة واحدة فقط، لتثبت وجودها. لقد كانت الكلمة أكبر من حجمها بكثير، والدليل على ذلك هو قدرتها على أن تجعلنا نتكلم كثيرا حولها وحول دلالاتها، وتلك لمسة سحرية.

تأتي الجملة الثالثة (فلم تبقَ أوطانهم كافيةْ)، لتجد نفسها في موقف حرج شعريا، لماذا، لأنها  جاءت بعد لمسة شعرية متوهجة، وبينما ننتظر المزيد من صعود المنحنى الدلالي، نراه ينحدر باتجاه النثر، لأن كلمة تشظوا أقوى وأكثر تعبيرا من تلك الجملة.

الجملة الأولى نثرية رفعها السياق، والجملة الأخيرة نثرية خفض مكانتها السياق.

{4/ 5}

لطفلٍ بلا حُلم

أنَّي تمشَّى

وفي النومِ أحلامُهُ حافيةْ

إليهِ .. إلى لعبةٍ لم يخنْهَا

وأسكنها روحَهُ الصافيةْ.

البطولة في البيت الرابع  لطفل (بلا حلم)، وفي البيت الخامس للعبة الطفل، والبيتان يلتحمان بخلاف الأبيات السابقة، وكان الشاعر موفقا في ذلك، لأن البيئة فيهما واحدة، وهي بيئة سحرية الطابع بحكم الطفولة التي لا يهيمن فيها المنطق على الإحساس والحدس، وبحكم التواصل القوي بين الكائنات المختلفة، وإسباغ الصفات الإنسانية عليها، وتحويل الجمادات إلى مأوى تسكن فيه روح الإنسان، وهذا العالم سحري بامتياز، وينهض شاهدا على وجود السحر بشكل طبيعي في كل مكان وزمان، تماما، كما توجد الطفولة في كل مكان وزمان.

والطفل يلحق ببقية أبطال القصيدة ويدخل دائرة الخطر، فهو بلا حلم أي بلا مستقبل،  لكنه يكتسب هالة  من القداسة تميزه عنهم، وذلك من خلال صيغة (أنى تمشّى) التي تعبر عن العناية الدائمة بهذا الكائن وفي كل الحالات، بخلاف الشخصيات الأخرى التي تتعرض للخطر في لحظات معينة، وتنتج الهالة المقدسة من تداخل صورة الطفل مع صورة عيسى  عليه السلام  عندما تكلم في المهد قائلا: “وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ” (مريم 30) “وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا” (مريم 31)، والتداخل يأتي من التقارب بين “أنى تمشى، وأين ما كنت” و التداخل بين جملتين متباعدتين جدا من حيث زمن القول، يحمل هو الآخر طابعا سحريا، لأن الجملة لا تنتهي بانتهاء قائلها، بل تستمر في الزمن، وقد امتلكت طاقة ذاتية تتجدد باستمرار.

{5}

لمَنْ يصعدونَ

ومَن يركضونَ

ولَمْ يجدوا جبهةً وافية

نلاحظ هنا اتساع نطاق الشخصيات، وكأننا أمام هرم تبدأ قمته بالمغني،  وتنتهي بالمتعبين جميعا، ويتم التركيز على الجميع فنيا من خلال تأجيل الخبر، لأن الذي يجمع بينهم لا يظهر إلا في البيت الأخير.

{6}

سأجلسهم فوقَ قلبي ملوكًا

كمجلس حرفي مِن القافيةْ

تنتهي القصيدة فعليا في الشطر الأول من البيت، أما الشطر الثاني فهو زائد لا يضيف شيئا، ولا يوجد مبرر لوجوده سوى القافية، فهو يعتمد على تشبيه ضعيف لا إبداع فيها، ولأننا ننتظر منذ بداية القصيدة لنعرف مصير الشخصيات التي يذكرها الشاعر تباعا، وقد انتهى ذلك الانتظار في الشطر الأول فانصرفنا نفسيا، الأمر الذي فرض على الشطر الثاني تحديا كبيرا ليقول شيئا بعد انتهاء القصة، لكنه لم يقم بهذا الدور الصعب.

ما يعنيا الآن  هو الرسالة التي تقدمها القصيدة، وهي ظهور قلب الشاعر بوصفه عرشا سحريا هائلا، أو ظهور العالم الشعري باعتباره وطنا سحريا، يتحول فيه المتعبون إلى ملوك، وهذا التحول واقعيا يساوي تحويل الحبل إلى ثعبان، وهكذا تصبح وظيفة الشاعر هي تحويل الحبال إلى ثعابين، أي تحويل الجامد إلى متحرك، والضعيف إلى قوي، والعكارة إلى صفاء….. إلى آخر هذه التحولات التي تأتي في إطار السحر الأبيض، السحر الذي يستوعب المتعبين والضعفاء، وينحاز للحياة ضد الموت.

موضوعات متعلقة:

الشعر واللعبة السحرية (1)

الشعر واللعبة السحرية (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img