تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة. (2)

الناقد : وائل النجمي

التذكر بالشعر في  ديوان «أنت الذين أحبهم» لمـحمد ملوك:

يَشُق (محمد ملوك) طريقا خاصا من الشاعرية محاولا التعبير عن الوجدان، في نمط من الخطاب الذي يُشْرِك فيه القارئ، ويدخله في حلقة البحث بتقديم الرؤية الشخصية لمعطيات الواقع، وإذا كان (أدونيس) يرى أن الابداع هو بالأساس دخول في المجهول، وأنه يتفجر من رحم

اللا معلوم[ ]، فإن (محمد ملوك) يعي ويحاول تملك معطيات اللغة، لكي يقدم خطابا يراوغ بين المعلوم والمجهول، حاثا القارئ على بذل المجهود في الإمساك بالصورة، وفي التعاطف مع الواقع الذي يتحدث عنه الشاعر، مُقدما هذا الواقع بوصفه ما يجدر أن يراه القارئ، وأن يتعاطف معه، ولا عجب في ذلك فأحد مهمات الشعر الضغط على الشعور، ومحاولة بناء علاقات داخلية وخارجية بين القصيدة، والعالم، والمتلقي[ ].

ويراوغ (محمد ملوك) منذ افتتاحية ديوانه يقول:

  قلتُ:

هو الشعرُ

بهِ أستطيعْ

وقادرٌ

على ابْتلاعِ الجميعْ

هنا يُذَكِّرنا الشاعر بأحد أغراض الشعر التي نلمس له الخفوت منذ فترة في الشعرية العربية، ألا وهو الفخر، وذلك نتيجة لما تتعرض له الأمة العربية من أحداث مؤلمة منذ فترة، أثَّرت ربما نفسيا على الشعراء العرب، فَنَدُرَ أن نجد غرض الفخر، وإن دققنا النظر في الافتتاحية، وجدنا الشاعر يقدم لنا فخرا وهميا، إن دعامة فخره هي الشعر، فبه وربما فيه فقط، يستطيع أن يشعر الشاعر بأن له مقدرة على مواجهة الواقع، ومواجهة مجتمعه.

ويدور الديوان عبر أربعة وعشرين قصيدة، تتنوع بين الطول والقصر، تتخذ خطا ما بين الذاتي والوطني، ما بين العاطفي الوجداني، يبث فيها الشاعر شكواه متقلدا خط الرومانسية التقليدية للشعر العربي، أقصد وجود محبوبة يأمل الشاعر في التواصل معها، وثمة هناك ما يعيق هذا التواصل، ويبدأ الشاعر في التفنن بذكر معوقات حدوث الوصال مع المحبوبة، وما يعتريه من هزائم مِن قِبَل المجتمع، تحول دون أن يتمكن من تحقيق الظفر بمحبوبته، يقول في قصيدته «فانتازيا» – وهي أطول قصائد المجموعة، يقول:

رُبَّ سهامٍ لا أذكُرُهُنَّ

ولكني أذكرُ

من أين أتينْ

قابلتُكِ أينْ؟

يا صاحبةَ العينينِ الأندلسينْ

أرأيتُكِ في حفلةِ عُرسٍ؟

أم واسيتُكِ

حين اشتدَّ عليكِ البينْ؟

كان الوقتُ تأخَّرَ؛ فخرجنا

كلٌّ يمشي

في جهتينْ…

ومنذ القصيدة الأولى، يتداخل الذاتي مع الوطني، مع التاريخي،

يقول:

ضربَ البحرُ سواحلَنا

 منذُ لكَ “المستعصمُ”

  ضَرَبَ الخيمةْ

 لِمَ تَخسَرُ وقتَكَ في معركةٍ

لن تَستُرَ عورةَ خاسِرِها

 بعضُ الرحمةْ؟

“هولاكو”

دونَكَ ما شئتَ

فإنَّ “المستعصمَ”

ثَمَّ

وأحفاد المستعصمِ

ما زالوا في الخدمةْ…

المراوغة بين الذاتي، واسقاط تحليل تاريخي على ما مضى، لجعله عِلَّة لعدم قدرة الشاعر – العاشق – على تحقيق الوصال مع المحبوبة، هي أحد التقنيات التي يعتمد عليها الشاعر (محمد ملوك) هنا بكثرة، حتى إنك لن تعرف في القصيدة التي يتحدث فيها عن العشق والغزل، إن كان يقصد معنى سياسي اجتماعي، أم معنى عاطفي وجداني، فالمعنى السياسي عنده يتخذ نمط التفكر العميق، ويتخذ شعره نمط التثوير وتعبأة الشعور، حتى عندما يتكلم عن الثورة ذاتها، تأتي التعبيرات بنغمة التحليل المنطقي، يبث فيها رؤيته بأسلوب التسلسل المنطقي، يقول:

شربَ الشايَ

وأشعلَ سيجارَهْ

ثم الْتَفَتَ إليها

وهْي تعودُ

إلى ما كَسَرَتْ من قبلُ

إطارَهْ

–      صاحِبُكِ وشى الغوغاءُ بهِ

    والثورةُ لا تصنعُها

         صورةُ “جيفارا”

إن عملية تشكيل الصورة هي أحد محددات الشعر الأساسية، وقد أشار الدكتور (جابر عصفور) إلى ذلك؛ فيقول: « لأن طريقة الشاعر في تشكيل مادته تشبه طريقة الرسام على أساس أن كليهما يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من التناسب والتألق بين عناصر مادته»[ ]، بيد أننا نشهد حاليا تطور تشكيل الصورة، بحيث لم تعد تقنية الرسم بالكلمات والاقتصار على الوصف، هي فقط احدى محددات تحقيق صورة متناسبة مع روح العصر، وإنما حل التفكير المنطقي، والبناء باستخدام متغير العصر الحديث، من إمكانيات التجسيد وتقديم منظور جديد من الصور، خاصة مع التطور السينمائي، بما يفتح الباب أمام الطاقة الشعرية لدى شعراء العصر الحديث اليوم، فيحاولون إيجاد صور كلية، يستعينوا فيها بخصائص ما تتيحها لهم السردية العربية[ ]، فيصبح الشاعر حكاء، ومصورا لمشهد سينمائي، مثلما يقول (محمد ملوك):

كانَ على الشارعِ

أَنْ يتَّسعَ قليلًا

حتى تعبرَ أحزانيَ مجتمعينَ

وأعبرَ من أسبابِ الحزنِ إلى معناهْ

كانَ على الـمُزْنَةِ أن تقترحَ مكانًا

لا يقترحُ الكلأُ سواهْ

كانَ على السَّاقي أن ينتظرَ قليلًا

حتى أنتصرَ على الدنيا

أو ألتقيَ بأيِّ إلهْ

كان على الشُرْفَةِ أنْ ترتفعَ قليلًا

حين سَـقَطْت…

إذن محاولة (محمد ملوك) هي محاولة تسند إلى وجدان يعاني ألم الواقع المرير، وهو في هذه المرارة لا ينسى رومانسيته، ما يزال حالما، يعالج كل شيء من حوله بقدر من الرقة، وأمله أن يُسهم ما يكتبه في رفع الوعي، فيحقق مخاض ثورة تغير قتامة الواقع، إنه كمِثِل من يصوب سهامه إلى كبد الواقع لكي يغيره، بيد أنه فقد قوسه، فصار يضرب السهام بقوة التعبير فقط، دون أن يكون ورائها قوس يطلقها بقوة، ولا عجب، فهو منذ البداية اعتمد على الشعر وحده كسبيل لاكتسابه القوة، ولمواجهة المجتمع.

موضوعات متعلقة:

تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة. (1)

تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة (3)

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img