تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة (3)

الناقد: وائل النجمي

رابعا:التصوير عبر التخيل الايقاعي في ديوان «كلارنيت: في حضرتها أعزف» لكرم عز الدين.

ذكرت أن أكبر هاجس يسيطر على أي مبدع في وقتنا الراهن هو التجديد، فكل مبدع، يدرك الآن، أنه لن تتحقق له بصمة أو علامة في عالم الأدب، إلا إن كانت له سمة مميزة، وكان له صوته الخاص الذي لا يجعله مجرد نغمة معزوفة في مقطوعة، وإنما يتحول بذاته إلى سيمفونية خاصة، وأحد الأشياء التي تؤرق المبدعين عوامل التجديد في الشعر العربي، سواء في الشكل أو الوزن أو الإيقاع أو الصورة[ ]، فيحاولون دائما تقديم ما يُلفت النظر ويجذب انتباه المتلقي إلى ابداعهم، وفي محاولة (كرم عز الدين) هنا نتتبع محاولته في هذا الجانب.

بدأ شاعرنا في عنونته بإطلاق اسم آلة موسيقية «كلارنيت»، وهي آلة نفخ قديمة تطورت في ألمانيا، وغالبا ما تكون نغماتها حزينة، ولا يوجد سبب مُحدد لاختيارها دون غيرها كالناي مثلا؟ كما أنه أردف عنونته بقوله: في حضرتها وأعزف، والواو هنا كعطف على حضرتها تمثل إشكالية في تفسير معنى العنونة، لو كان قال: في حضرتها أعزف، كنا سنفهم معنى محدد أن الشاعر في حضور صوت هذه الآلة يستطيع أن يعزف ونفهم عزفه هنا ضمنيا بتأليف الشعر، أما «وأعزف» فهو يعني أن هناك سيمفونية بالفعل تقوم هذه الآلة بعزفها وقريضه للشعر يأتي بجوار هذا العزف، وتاليا لها، وهي صورة أضعف من وجهة نظري عما لو لم تكن واو العطف موجودة.

ونقطة أخرى، أن (عز الدين) سمى ديوانه بـ«مجموعة شعرية»، ولفظ «مجموعة» اعتدنا استخدامه في السرد، أمَّا أن يتم استخدامه في الشعر، فهو أمر جديد، يجعل الذهن يُفكر في «الكتابة عبر النوعية»، وإن كنت ذكرت من قبل أن الصورة الشعرية في وقتنا الراهن تستعير مما اتاحه السرد وأتاحته أيضا فنون السينما والتكنولوجيا والجرافيك في عصرنا الحالي، إلا أن فكرة الكتابة عبر النوعية أو تداخل الأجناس الأدبية تقوم على أكثر من هذا، تقوم على تماهي النوع الأدبي بحيث تصبح عملية التمييز بين الشعرية أو السردية عملية صعبة تحتاج إلى تدقيق أسلوبي[ ]، وقد كنا نتوقع مما ورد في العنونة أن نجد الصدى أكبر لهذه الفكرة في الديوان/ المجموعة، إلا أن شاعرنا لم يتابع ذلك بشكل كافي دون أن نغفل حقه في محاولة تجديد القالب العام للديوان.

فقد قسم قصائده بتقسم عزف السيمفونية الموسيقية، فأسماها «المازورة الأولى» ثم «المازورة الثانية» وهكذا، موضحا تعريف المازورة بأنها: «وحدة تستخدم في السلم الموسيقي لقياس النغمات زمنيا»، وعبر خمسة وثلاثين «مازورة»، يتخللها ثلاث فواصل يُقدِّم قصائده، محددا لكل «مازورة» توقيتها الزمني، وكأنها مقطوعة قد عُزِفت في هذا التوقيت الذي يبدأ من السادسة مساء بتاريخ 6/12/2018م، وينتهي بالرابعة صباحا بتاريخ 17/4/2019م، وخلالهما يُقدِّم خمسة وثلاثين قصيدة – ونلاحظ أنه في الفهرس يعود لحذف تسمية «المازورة» ويقدم القصائد بأسمائها دون ذكر «المازورة» التي أوردها.

إذن أرادنا (عز الدين) هنا أن نشعر أننا نستمع لعزف موسيقي يثير الأحاسيس في الوجدان وفي النفس، وعلى خلفية هذه الاثارة للوجدان ننظر فيما يقدمه، ليصبحا معا، صوت الكلارنيت في الخلفية، وقصائده في الطليعة، فيشكلان معا مقطوعة موسيقية لها سمتها الخاص، إننا هنا إزاء حالة من حالات التوظيف الثقافي للمعطى الفني الموسيقي وتقديمه بشكل يربط بين فعل الواقع وأفق الابداع على حد تعبير (بسام قطوس) [ ].

وفي تشكيل الصورة، نلاحظ ارتباط شديد بينها وبين الإيقاع، ونلاحظ التنويع في المقطع الصوتي، وفي رسم الصورة، يقول في قصيدته «أثر الجنون»:

أموتُ قريبًا ؟!

سأحيا؟!

أموتُ؟!

وتبكي..

أتبكي عليَّ ؟!

أتبكي على لغتي ؟!

(…)

..أسيرُ بأقدامِها

”ربما قدْ ضللْنا الطريقَ”

أقولُ ..

تقولُ: نعم..

لستُ أشعرُ بالتوهانِ

فإني قد اعتدتُ يا قمري أن أتوه

عندما سرت مع قراءة المقطع الشعري السابق، وتخيلت أن هناك عزف موسيقي في الخلفية، شعرت أنني بالفعل إزاء موجة تعلو وتهبط من الشعور، ورغم أن الصورة في النهاية ليست أكثر من حديث عن صراع الرغبة في الحياة أو الموت، عن الاحجام والاقدام، عن مجمل الصراع الذي نعيشه بين الاستمتاع بالحياة أو النفور منها، إلا أنني أشيد بالطريقة التي تم التقديم بها، فهذا المنولوج الداخلي، أشعرني بالصراع النفسي، وجذبني كمتلقي لداخل النص بطاقاته الحوارية، والتلاعب بين الطول والقصر، بين ذات الشاعر، واستعارته قدم المحبوبة ليسير بها، هنا يتحول المعنى التقليدي إلى نوع من الجمالية الجديدة التي تمتلئ بالطاقة الجاذبة للقارئ والمتلقي.

والطول والقصر في السطر الشعري، والتركيز على الحروف بين الجهر والهمس، والخطاب بين الذات والمحبوبة، ثم التوجه إلى القارئ مباشرة كحكم بين الشاعر ومحبوبته، هي أهم التقنيات التي تم استخدامها في توليد الصورة الشعرية، يقول في قصيدته «رفقا به»:

أراقبُ عينيكِ

تلك العفيفة

أهتفُ ملءَ السماء ِ

وأصرخُ بالخلقِ:

هل يستحقون أن يبصروها ؟!

(…)

مثلَ طفل بريءٍ يرى أمَّهُ

تتبسَّمُ في رقّةٍ لابنِ جيرانهِ

ثم تعطيه حلواه ..

يصرخ ُ: أمي

فتنهرُهُ : لا كلامْ!

(…)

كروحٍ مكسَّرةٍ تتناثرُ

لكنها لاتزالُ تضيءُ الطريقَ

لدربِ الذين يتوهون في العشقِ

والعشقُ شيخُ الطريقة ِ

ينهرُني تارةً

ثم يحملُني تارةً للضريح ِ

ويهتفُ :

يا أهلَ كل الكراماتِ رفقًا بهِ!

نلاحظ هنا استخدام تقنيات الراوي في السرد، والانتقال بين الحكي عن الذات، ثم الحكي من الخارج، ما بين الحديث عن نفسه، ثم الحديث عن «أمه» من الخارج ووفق ما تتذكره ذاكرته، ثم تشكيل الصورة الكلية من القصيدة – فكل قصيدة تُشكِّل في النهاية معنى كلي متراكب من مسألة وجدانية شعورية – بترابط عضوي يفسح المجال لتحقيق عامل الجذب والتشويق للإقدام على قراءة الديوان من أوله إلى آخره، وربما في المستقبل إذا عمل على تطوير هذه الإمكانات نستطيع أن نشاهد نوعا جديدا من الكتابة عبر النوعية في كتاباته الشعرية المتأثرة بالموسيقى والسرد والحياة وخطاب المتلقي على نحو يثير في نفسه وجدانه.

موضوعات متعلقة:

تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة. (1)

تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة. (2)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img