تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة. (1)

الناقد : وائل النجمي

«الشعرية» عملية توليد مستمرة، عملية سيرورة في الشكل والمضمون، وهذا التغير لا يتم إلا بالبناء على السابق، بتحويل أو تعديل أو إضافة أو حذف لبعض المتغيرات، والسؤال: في وقتنا الراهن، إلى أين وصلت عملية التَحَوّل؟ وهل من ملامح محددة أو تيار محدد من الشعرية يمكن تقصيه واستطلاعه؟ إجابتي أن: التيار السائد في الشعرية في وقتنا هو الرغبة في الاستفادة من متغيرات العصر بما في ذلك إدماج المعطى السردي في المنحى الشعري، لتقديم صورة تعادل أو تماثل ما أصبح من الممكن أن تُقَدِّمَه إمكانيات العصر السينمائية والرسومية والتكنولوجية.

فالشعراء الآن أمام مطلب جديد لتقديم صورة – باعتبار أن الشعر تفكير بالصورة – تحاول أن تدهش وتسلُب لُب القارئ، الذي اصبح اطلاعه على المتخيل البصري وتشكيلات الصورة المعاصرة ضخما جدا؛ فالمتلقي الذي كان يعجب في الماضي لصورة الفرس التي وصفها (عنترة) في سرعته، غير المتلقي الذي يتاح له الآن التأمل في جماليات جديدة من تصوير ورسومات وتعديلات في الصورة البصرية – والسمعية أيضا – بنسق مغاير جدا عن ذي قبل.

ومن ثم اهتممت في محاولتي لقراءة الدواوين الأربعة هنا بالبحث في عوامل التجديد في الصورة وفي كيفية تقديم وتشكيل الصورة ومخاطبة القارئ، واهتممت – متى كان هذا ضروريا – بالاتساق بين العنونة والقصائد، والترابط العضوي داخل النص، وبحثت كيفية المخاطبة بين الشاعر، وبين القارئ، في ظل ما أولته نظريات التلقي من اهتمام للكيفية التي يتم بها تحليل النص وفهمه من قِبَلِ القارئ.

أولا: الخروج عن المألوف في ديوان: «هوامش على الصراط» لنور الدين جمال:

ليس من دور الناقد أن يكون مفتشا عن عقيدة الشاعر، أو باحثا في ضميره واعتقاده الديني؛ وإنما دوره الأول البحث عن «الشعرية»، تلك التي تمنح النص – وفق تعبير (رومان ياكوبسون) – سمة الأدبية، فتنقله من حالة الخطاب العادي، إلى نص أدبي قائم بذاته[ ]، وعند وجود خروج عن المألوف العقائدي، والموروث الثقافي السائد، للغة الخطاب، بما يُمَثِّل من وجهة نظر الكثيرين تضاد مع السياق فإن ذلك الأمر يطرح سؤالا عن تبادلات العلاقة بين النص والسياق «الثقافي – الديني»، وتأثير كل منهما على الأخر[ ]، ومِنْ ثَمَّ يأتي سؤال: “بأي قدر تؤدي هذه المخالفة دورا وظيفيا في تحقيق «الشعرية»؟”، وعلى غرار سؤال (باختين) في دراسته حول (دوستيفسكي)  قرر أن يكون البحث عن الوظيفة الفنية للأفكار  وليس في الأفكار ذاتها[ ]، ومن ثم سنبحث عن دور  الفكرة في توجيه وتوليد المعنى داخل الديوان.

إذن سأمضي في تحليل الديوان، مع أخذ الحيطة بالتحلي بالموضوعية دون أية ارتباطات مسبقة نحو موقف ما من الشاعر (نور الدين جمال)، وتكون البداية من العتبة الأولى للديوان، فأبحث العنوان وترابطه مع الفضاء النصي، فقد عنون شاعرنا ديوانه بـ«هوامش على الصراط»، وقد أشار الدكتور (محمد فكري الجزار) إلى إشكالات مقاصد المؤلف من العنوان، فما قد يقصده المؤلف من عنوانه يتنوع ويتعدد[ ]، فهناك الناحية الذرائعية، وهي أن المؤلف – أي مؤلف – مضطر أن يضع عنوانا لديوانه، حتى يستطيع أن يٌقدِّمه، فلا يمكن أن يتم تقديم أي عمل أدبي إلى القارئ دون أن يكون له اسم، ومن ثم العنونة فعل دِلالة، وتوليد معنى، بما يجعلها نصا موازيا للعمل كله، فعندما نقول «هوامش على الصراط»، فهذه التسمية تقف مختزلة ومختزنة في ذاتها الديوان بصفحاته الذي يتجاوز بقليل المائة والعشرون صفحة في داخلها، ولذا بقدر ما تكون العنونة دالة على اختزال المعنى الكامن في القصائد، تكون من علامات الشعرية المُبَكرة في قُدرة المؤلف على التواصل مع القارئ، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، هناك السبب التسويقي، وهو أن يُقدم الشاعر في عنوان ديوانه ما يشوق ويجذب القارئ؛ حتى يسعى إلى اقتناء وقراءة الديوان[ ]، ويشعر أن به شيئا مختلفا عن باقي الدواوين فيحاول اقتنائه، فيكون عنصر التشويق أهم من عنصر الشاعرية أو الارتباط بما في داخل النص إن لم يستطع المؤلف اسقاط الشعرية عليه، وهناك من يجعل العنوان متولدا عن المعنى العام من قصائده، بحيث يصبح تعبيرا مجازيا عما يريد أن يقوله الشاعر، وكأنه يختصر كامل المعنى في جملة موجزة مُبيّنة، فإلى أي نوع من الأنواع السابقة تنتمي عنونة ديوان «هوامش على الصراط»؟.

سنلاحظ أولا أن هناك قصيدة – القصيدة الأخيرة في الديوان – تحمل عنوان: «هامش الصراط»، وهي أقرب قصيدة للعنوان، مع ملاحظة أن الديوان من بين قصائده الثلاثة عشرة، بدأت كلها – عدا واحدة –  بكلمة «هامش»، فجاءت عناوين: «هامش النجدين، هامش الولد العجوز، هامش الذاكرة، هامش الملل، هامش الكريسماس، هامش الصلاة، هامش الخروج، هامش الفراغ، هامش المملكات، هامش الآخر، هامش التراب، هامش الصراط»، عدا قصيدة واحدة فقط لم تبدأ بكلمة هامش، وهي قصيدة: «دم العشيرة»، ويشبه تتبع تسلسل القصائد كأنه اختزال لحياة الإنسان على الأرض، منذ بدء ولادته، فتفتحه على الحياة، فانغماسه في واقعها الطاحن، فأسئلته الوجوديه والعاطفية، ثم اندماجه في عشيرة اجتماعية، ثم يموت، ويصل لمرحلة السير على الصراط  – وفق المعطى الديني، كل ذلك، يتم تقديمه بأسلوب «فانتازي»، وبشعرية ساخرة، أنهكتها مرارة الواقع الاجتماعي، حتى يذوب الشاعر مع المرارة صانعا من الوجع الإنساني العام، ومن التجربة الخاصة له، يُقدم صورة جمالية تُدهِش القارئ، وتنفذ إلى أعماق وجدانه، جاذبةً إياه للتعاطف معه.

لا ننسى أن الشاعر بدأ ديوانه  – بعد الإهداء – بالاقتباس من القرءان الكريم، من قوله تعالى: «فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم» (سورة الزخرف: 43)، ومع وضع دِلَالَات الآية القرآنية، والتي تتحدث عن الصراط المستقيم باعتبار أن الرسالة المـحمدية هي المحجة البيضاء التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي المنهج والشريعة والعقيدة، ومع النظر في القصيدة الأخيرة من الديوان، فإن الصراط هنا يقترب في احالاته من المعنى الديني، سواء كان المعنى الديني الممنوح لمفهوم الصراط في الدنيا من كونه العمل الصالح المستقيم، أو المعنى الأخروي الذي يعتبر فيه الصراط وسيلة الحساب الأساسية للبشر على ما قدموه من أفعال في الدنيا، ومن ثم تصبح «هوامش الصراط» هي النقاط الجانبية التي تحيط بذلك، ولكن نلاحظ أن «هوامش» أيضا تترابط مع الاثنتي عشرة قصيدة التي بدأت بكلمة هامش، وأيضا معنى الصراط في القصيدة الأخيرة يتخذ بعدا دِلاليا – فنيا مغايرا للمعنى القار في المعطى الديني، وإن كان هذا المعنى لا يقوم ولا يمكن تخيله إلا من خلال خلفية مسبقة من المعطى الديني التي تجعل للصراط مثل هذه الأهمية.

يقول (نور الدين جمال) في قصيدته «هامش الصراط»:

موتى ..

يعبرون الزمان حكاية

كبداية أخرى

تعبئ جوعهم للأغنيات..

(…)

مال الصراط بنا

وكنا مجهدين من الترقب

وافتعال الصبر ..

(…)

فثم إن مال الصراط

تشكل الظل،

استوت فوق الفراغ ملامح

صخرية،

والعرش وقتئذ ستحمله ثمانية

وتاسعهم سيبسط ظله،

والله يضحك

ثم ينبسط الصراط…

(…)

كل يمر إلى صراط هوامشه

نحن الشواهد على بطاقات الهوية

قربوا أسماءكم،

كل

يمر

إلى

صراط هوامشه..

نلاحظ من مجمل الاقتباسات من القصيدة كيفية إقامة المعنى بالتناص مع المعطى الديني لفكرة الصراط، وضرورة اجتيازه يوم الحساب، حتى يصل مُجتازه إلى الجنة، ومن ثم يجعل الشاعر من هذه الفكرة معطى أساسي، ولكنه يُسقِطها على أبعاد اجتماعية ودنيوية، كأننا في حياتنا التي نعيشها نمر كل يوم على صراط خاص بطلب لقمة العيش، وبطلب الأمن، وبطلب الحصول على حياة معقولة في مجتمعٍ طاحن للإنسان، وللقيمة الإنسانية في حد ذاتها، ومن ثم تصبح هناك مقابلة بين المعطى الديني، وبين الحياة اليومية بطحنها وكدها للإنسان، الإنسان الذي يُصبح في النهاية «هامشيا» في وقع حياة تُبعده عن الصدارة، لصالح مفاهيم أخرى تجعله في مرتبة أدنى من أشياء كثيرة.

إذن يترابط العنوان مع المفاهيم الداخلية للديوان، بحيث يُعدُّ كاشفا للفكرة الرئيسية التي هي: انزياح الانسان – خاصة الانسان البسيط – إلى الهامش، واضطراره هو – الانسان البسيط – إلى جعل ضروريات الحياة تنزاح لهامشه، فمن ناحية هو على هامش الحياة، ومن ناحية أخرى الحياة الحقيقية على هوامشه، وفي ظل هذه الهامشية المزدوجة بين الحياة وبينه، يمضي كل يوم على صراطه من الكد والسعي والشقاء، عازفا سيمفونيته الخاصة من التقرب إلى الله، ومن انتظار الفرج، هذا الفرج الذي يبدو أنه مشكوك في قدومه، يقول في  قصيدة «هامش الولد العجوز»:

لم أسرق البيضات يا أمي

وأعرف أنهم ميراثنا،

تعويذة الأيام ضد الله..

ليس من أمل في تغيير وضع الهامشية، والانتقال إلى المركز عند (نور الدين جمال)، فمن اتخذ لنفسه غاية التعبير عنهم، محكوم عليهم – ربما مِن قبل الله تعالى ذاته – بأن يظلوا على هذا الوضع، فالرأسماليون مُسلطون عليهم، يحرمونهم رغيف العيش، يقول في قصيدته «هامش النجدين»:

بنت المدينة أنت

لافتة مزيفة تروج للبضاعة..

والجياع يفتشون عن الرغيف بمحض صورته البسيطة

في دماغ الرأسماليين

والأفكار أنت وما بسطت يدا لتعبرني الحضارات

القديمة..

تأتي الصورة عند (نور الدين) بالتوليد من مفارقة تراصف المعنى بما لا يتراكب معه من معنى مناسب له، فمثلا عندما يقول: «وقهقهات الجد جنب الحائط الهش النبيل»، نلاحظ التناقض بين القهقهة وكون الجد يجلس بجوار حائط هش يكاد يقع على الجد، أو ربما نخشى على الجد من الاطمئنان بجانب هذا الحائط، ثم يأتي وصف هذا الحائط الهش بأنه «نبيل»، فماذا تعني نبالة الحائط الهش هنا؟ ذلك؛ يجعلنا نتأمل في مجمل الصورة، شاعرين بوجود الجمالية الشعرية فيها دون القدرة على الإمساك بمعنى محدد للصورة، رغم أن الأسلوب يأتي خبريا تقريريا كأنه يحكي قصة، لكنها قصة عن معاني متولدة مستمرة في الجريان، تعطى منحى رومانسي سمته الأساسية أنسنة الموجودات، واضفاء صفة الإنسانية على الجمادات والنباتات، وحتى الحيوانات، دون الوصول لمعنى مقرر نهائي، ولا يُصبح التنغيم الصوتي أو عوامل الجذب الشعرية الصوتية – وهي العوامل التي أكد (محمد مفتاح) على أهميتها حتى في الشاعرية الحداثية[ ] – من العوامل المهمة في تقديم الشعر عند (نور الدين) هنا، ومِن ثم تصبح الفكرة، وما ورائها، ودهشة الصورة واضحة للقارئ – مثلما يقول «العنكبوت على وجوه الغائبين/ يجهز الوقت المناسب/ لافتراض لقائنا»، وهي أهم ما يبني عليه شاعريته.

أعود الآن للسؤال الذي طرحته في البداية، فالان بعدما تعرضت لخصائص الديوان، وتوليد الصورة، وارتباط المعاني الداخلية بالعنونة الرئيسية، وأوضحت انحياز الشاعر للمنحى الاجتماعي أكثر من انحيازه للمنحى الوجداني الفردي، أسأل: هل المخالفات للموروث الثقافي – الديني التي يتم تقديمها على نحو ينتهك المستقر الجمعي تؤدي دورا وظيفيا في شعرية الديوان؟ فلنراجع مثل هذه المخالفات عن المستقر عليه من صيغة توقير عند الحديث عن الله تعالى، وعن المفردات الدينية، فنجد الشاعر يقول:

«تعويذة الأيام/ ضد الله»، ويقول: «في الحلم، / علم آدم الأسماء/ تهذيب الصور/ لما رمى إبليس/ قنبلة/ بوجه الله»، ويقول: «والله يشطرني على سبل الغلابة»، ويقول: «كأن هذا (الله) لم يخلق لنا شمسا»، يقول: «كان ممثلا يحتاج أدوارا/ لتشتغل الملاحم وقتها/ فاختار دور الله/  في سنواته الأولى»، «كمن ساءل الله عن جرمه»، «فلا عيون الله واسعة لتشمل جرحنا»، وغيرها. نلاحظ هنا لغة الشاعر تتخذ قدرا من العدائية، والمخالفة للتوقير والتعظيم المعتاد في ميراث العربية للذات الإلهية، وفي رأيي تأتي جميع هذه الصور مجانية، دون تحقيق دلالة حقيقية في معنى ومنحى القصيدة، فلو حذفت جميعها ما أثرت في معنى القصيدة، بل ربما تكون القصيدة أقوى وأجمل، وهو ما يفتح باب المساءلة الشعرية – وهي مجال تخصصي في نوع المساءلة – عما غرَّر بالشاعر لأن ينزلق لهذه الألفاظ التي ليست من الشعرية في شيء، ولا تحقق معنى في شيء؟ فيقدم ما يخالف السياق الثقافي الديني دون أن يكون لذلك داعي وظيفي يؤثر على فهم ومعنى النص الشعري؛ اللهم إلا إن كانت من باب الشهرة تحت زعم الجرأة تجاه الثوابت الدينية، لكن من حيث المعطى الشعري، فليست لها أية توظيف دلالي داخل النص الأدبي، دون أن ننفي عن الديوان محاولة التجديد والتجربة الشعرية الجادة في محاولة تقديم شعر اجتماعي يستلهم روح الجماهير القارئة للنص.

موضوعات متعلقة:

تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة. (2)

تجديد الصورة وتوليد المعنى قراءة في نماذج شعرية معاصرة (3)

 

شارك المقالة عبر

تعليقات القراء

أضف تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع صفحتنا على فيسبوك

لأحدث أخبار فعاليات وندوات بيت الشعر بالأقصر

أحدث أنشطة البيت

أحدث المقالات

شعراء البيت

إنضم الى القائمة البريدية

إشترك في القائمة البريدية لبيت الشعر بالأقصر لتصلك أحدث الأخبار و المقالات عبر البريد الإلكتروني

الكلمات الدلالية الأكثر بحثا

spot_img